سوف يعمل على حياكتها بالشكل المناسب ليومين أو ثلاثة في منتصف ساحة البيت بأبرته السوداء الطويلة.. يوميا يعود« شامبيه» من عمله إلى حيه وبيته قبل هبوط الليل وفي الطريق سوف توقفه الناس المنتظرة بلهفة عند مداخل البيوت.. بـ «برجيل» لبيت فلان.. و«برجيل» لبيت آخر وهناك ثلاثة بيوت أخرى تنتظر دورها.. وهكذا يجلب «شامبيه» في اليوم التالي رجلين وصبي لمساعدته وفي غضون أسبوع أو عشرة أيام تتحصن قامات البيوت العريشية بـ «براجيل شامبيه« لمواجهة قساواة الصيف الواقف على الأبواب.
«البراجيل» صائدات الهواء في نهارات وليالي الصيف الساخنة هو جهاز التكييف بلغة ذاك العصر للتغلب على ارتفاع الحرارة والوسيلة المهمة للتغلب على لسعة الرطوبة القاسية، وهي الاختراع الضروري لبيوت «الخوص» و«الطين» على السواء في هذه الشهور التي تبث فيها الشمس لهيبها بحيث لا يمكن لتلك البيوت أن تحافظ على قاطنيها إلا «بالبراجيل» التي تعلو الأسقف.
البيوت الطينية تميزت ببراجيلها الثابتة، وهذه النوعية هي الباقية والمحافظة وجودها المعماري إلى اليوم، حيث تحافظ على شيء من ذكرى الأيام الخوالي.. سمر الحبيبات والجدات ورجال البحر والبر، رجال السلاح ورجال الشعر، صبية المغامرات الخطرة وصبايا الخجل الوردي. «براجيل الطين» شيدت لكي تبقى.. في كثير من مدن الدولة توجد أحياء وبيوت طينية متناثرة تعلوها « براجيلها» التي تنافس الصورة الحديثة فيما حولها.. تعتمرها تلك البيوت لتقرأ الفضاء الخارجي في صمت.. مقابل الأبراج الشاهقة والبنايات الزجاجية..
حيث «البراجيل» وحدها تحاصر الريح من جهاتها الأربع.. تقول المعلومات المتوفرة عن انتشار مسارب الهواء إن «البراجيل» تنتشر في معظم دول منطقة الخليج العربي لكنها لا توجد بكثافة إلا في الإمارات والبحرين وقطر والكويت وهي قليلة الوجود في السعودية وسلطنة عمان.
حينما دخلت مكيفات الهواء الكهربائية إلى البيوت الحديثة قال كثير من أصحاب الزمن الماضي.. إن هواء هذه الأجهزة فاسد.. ويجلب الأمراض «هوى الرب أحسن». وكلما ضايقهم التكييف الحديث أو مرضوا بسببه تذكروا النسمات العليلة التي كانت تصطادها «البراجيل» من فم الريح.. ذلك الهواء الرباني بدرجة برودته الطبيعية. «للبراجيل» أربع زوايا تصطاد بها الريح الموسمية، لكنها مفتوحة على كل الاتجاهات لهذا تبقى المنطقة الأرضية «للبراجيل» هي الأبرد خلال النهار وخلال الليل.
حافظت «البراجيل» على مواد تصنيعها إلى اليوم، فبراجيل الطين بقيت على حالها تختزن ذكريات أولئك الذين ارتموا بأجسادهم المتعبة أو السعيدة تحتها.. و«البراجيل» التي صنعت من «الخيش وخشب الجندل» اختفت مع بيوت «السعف» وحل محلها بيوت الاسمنت والحديد.. ولا تظهر اليوم إلا في القرى التراثية الاصطناعية.
جدتي تجمع «الخيش»
تجمع جدتي كل عام وقبل حلول فصل الصيف«أكياس الخيش الفارغة» التي كانت مملوءة بالرز الهندي أو الباكستاني، قبل استعمالها في أمكنة أخرى وتحتفظ بها بجانب باب البيت وحينما تتراكم أكداسها اعرف أنها ستطلب مني اعتراض «شامبيه» لدى عودته إلى » الحي لتشييد « البراجيل» مطلع كل صيف ، والطلب إليه بناء «برجيل » بسعر العام الماضي دون زيادة..
اليوم تعتلي المباني الحديثة والمدججة بأحدث الوسائل التقنية التي برعت في اختراعها تكنولوجيا العصر من أجهزة التكييف المركزي بأنواعها وأشكالها المتعددة التي تعمل تحت مبدأ واحد هو تبريد الغاز الذي يمر عبر أنابيب ملتوية تبرد بدورها الهواء ويتم توزيعه في أرجاء المبنى بطريقة آلية حديثة..
لكن الناس هنا وبالرغم من أنهم يشعرون بتحقيق انتصارهم على حرارة الطقس إلا أنهم لا يستطيعون إخفاء إعجابهم ورغبتهم الشديدة في التمتع بالهواء البارد الذي يقدمه «البرجيل» من برجه عليهم.. اليوم أيضاً وضمن حنين الناس لماضيهم يحبون «البرجيل» ويعشقون التقاط صوره بكاميراتهم أو رسمه، وقليل منهم يصرون على وجوده ولو كتشكيل معماري في مباني بيوتهم الحديثة..
مدونة واحدة تختلف في التفاصيل قليلا على مواقع شبكة الانترنت خصوصا المحلية حيث يتم تداول معلومة واحدة، تتشابه في اغلب المواقع مع إضافات بسيطة تتناول تاريخ «البرجيل» وكيف جاء إلى المنطقة والى أين يمتد في جذره التاريخي.. حيث تجمع المدونات على أن «البرجيل» كلمة تعني مسرب الريح أو ملقط الهواء، وهو عبارة عن برج طويل مستطيل الشكل يشبه نوعاً من أبراج الأجراس الإيطالية، وله فتحات في كل جانب ليمسك بأي نسيم يهب أياً كان اتجاهه ويتصل «البرجيل» بغرفة في أسفله مما يجعله يعمل كمروحة فيوفر حركة الريح ويلطف الجو على سكانه.
وتاريخياً فقد تم استخدام مسرب الريح منذ العهد العباسي وكان مشهوراً في كل دول الخليج خاصة الكويت والبحرين، بالإضافة إلى الإمارات بالطبع، وما زال هناك له بعض النماذج في البحرين. وكلمة «البرجيل» وإن كانت كلمة محلية لكنها موجودة في أماكن كثيرة مع اختلاف الغرض منها فهي في ريف مصر مثلاً تسمى «ملاقف الهواء» وفي منطقة الخليج تسمى« برجيل» وقيل انها جاءت من كلمة «بادقير» وهي فارسية وتحفل آثار الفراعنة بالعديد منها أيضاً. وتجمع المصادر التاريخية على أن عرب منطقة «لنجا» على الضفة الأخرى من الخليج مقابل إمارة الشارقة هم أول من بنوه وجاءوا به إلى المنطقة.
براجيل عام 1903
معظم «البراجيل» في الدولة أقيمت بشكل مكثف في عام 1903 عندما وصل التجار من «لنجا» فجاء معهم الصناع إلى دبي واستقروا في منطقة الفهيدي التي ما زالت تحتوي على العديد من البيوت المزودة «بالبراجيل». ويشير ناصر العبودي إلى أن «البراجيل» كانت تحتوي على نقوش وزخارف جبصية، وأنه رغم اختلاف أشكالها إلا أن آلية العمل واحدة حيث يوجد في «البرجيل» أربع فتحات للاتجاهات الأربعة لجلب الهواء، كما أن هناك بيوتاً فيها أكثر من «برجيل» تبعاً للمركز الاجتماعي للعائلات أو مستوى ثراء الأسرة.؟
57 بيتاً من الطين
«البراجيل» في دبي تعتمر بيوت منطقة البستكية الطينية حيث يعود تاريخ بيوت البستكية «57 بيتاً» إلى العام 1890م، وتعتبر من أعرق أحياء مدينة دبي القديمة وقد بذلت إدارة التراث في بلدية دبي جهداً كبيراً في تنفيذ مشروع ترميمها الضخم وتهيئتها للحياة من جديد..
واليوم يزور السواح الأماكن المرممة في دبي وكثيراً ما شدتهم براجيلها بزخارفها المتنوعة.. أيضاً كرس التوجه نحو المحافظة على المعمار المحلي العديد من المباني الحديثة في دبي التي لامست في هندستها المعمارية شيئاً من كيان البرجيل.. وهناك مبان حديثة تبدو نقطة جمالها الرئيسية من زاويا «البراجيل» التي تعلوها أو تتزين بها هندسياً.
النظر من بعيد أو قريب إلى «البراجيل» اليوم وتحت تأثير العمارة العصرية الحديثة يتيح راحة نفسية وشعوراً بالانتماء إلى الزمن الماضي، الجميل، البسيط، الخالي من تعقيدات الحياة في المدن الحديثة.. كما أنها تعكس شعوراً يتصل بالمعمار البنائي وجماليته، حيث انه في هذا العصر ومع التقدم الذي حققته الهندسة المعمارية يبدو أن هناك كثيراً من الزوائد المضافة إلى المباني العصرية بلا فائدة سوى نشدان الجمال.. لكن «البرجيل» وحده يشعرك بانعكاس جماله المعماري في المبنى لارتباطه بتلبية حاجة الإنسان للراحة ومحاولة هندسية ذكية لإسقاط« ثمار الريح» من أعلى إلى تحت.
أصل الكلمة
كلمة «البرجيل» محلية لكنها موجودة في أماكن كثيرة مع اختلاف الغرض منها فهي في ريف مصر مثلاً تسمى «ملاقف الهواء» وفي منطقة الخليج تسمى« برجيل» وقيل انها جاءت من كلمة «بادقير».


