منذ البداية سوف أخاطر بالأطروحة التالية: معظم الكتاب الكبار ـ إن لم يكن كلهم ـ شهدوا عملية الصراع الحاد مع أنفسهم ووصلوا إلى مرحلة الخطر الأعظم في لحظة من اللحظات.

وهو صراع قد يطول أو يقصر، ويتخذ أشكالاً متفاوتة بحسب طبيعة كل كاتب والظروف التي عاشها. وعندما يشتد هذا الصراع ويصل إلى ذروته لا يمكنه أن ينحلَّ إلا عن طريق ثلاثة أشياء: إما الجنون وإما الانتحار وإما الإبداع. وكلما كان الصراع ضارياً في الداخل، كان الإبداع قوياً جارفاً. هذا يعني أن الإبداع ما هو إلا محصلة للمخاض الهائج المسعور الذي تدور رحاه في الأعماق ولولاه لفقد الشاعر توازنه كلياً. وهذا يعني أيضاً أن الإبداع عملية خطيرة وغير مضمونة العواقب بشكل مسبق.. ويقال بأن أخته كانت تسمعه وهو يئن ويتوجع، ويضرب الأرض برجله عندما كان يكتب ديوانه الشهير «فصل في الجحيم».

كان يصرخ بأعلى صوته وينبطح أرضاً ويتقلب تقلباً ونشيجه يسمع على مسافة.. كان مختلياً بنفسه في البيت الريفي للعائلة، وبالأخص في السقيفة العلوية حيث لا يراه أحد ولا يعكر صفو خلوته احد. والواقع أن من يقرأ هذا الديوان، أو يعيد قراءته أكثر من مرة، يفاجأ بحجم العنف المخزون في أحشائه، والمتجلي من خلال الصور والكلمات المتلاحقة كالرشاش بشكل هذياني ولا منطقي أحياناً كثيرة. إنه عبارة عن صرخات جنونية هائجة أو متشظية. من المعلوم أن رامبو كتبه بعد أن خاض تلك التجارب البوهيمية في باريس ولندن وبروكسيل والتي انتهت بإطلاق النار عليه من قبل فيرلين.

كان الشاعر يريد أن يطبق عملياً تلك الأفكار التي نصَّ عليها نظرياً في رسالة الرائي. وهو المانيفست الذي وضَّح فيه نوعية الشعر الجديد، شعر الحداثة المطلقة، أو القطيعة المطلقة مع الماضي. كيف يمكن أن تكون حراً والتراث المتراكم يجثو على كتفيك؟ كيف يمكن أن تبدع جديداً وأنت مقيد بالأصفاد؟ فالتراث عبء بقدر ما هو زاد وغذاء. والشاعر لكي يرى ما لا يُرى، لكي يخترق مكنون الغيب، لكي يكتنه سر الأسرار، لكي يكتب شيئاً آخر يختلف عن كل ما كتب سابقاً، ينبغي أن ينخرط في جميع التجارب الوجودية ويعرّض نفسه للخطر الأعظم. ينبغي أن يقترب من حافة الهاوية، بل وأن يقذف بنفسه فيها إذا لزم الأمر!...

ينبغي أن يعرف كل أشكال الحب، والجنون، والبوهيمية، والخروج على المألوف. ولكن بعد أن طبق رامبو برنامجه هذا وأوشك على الخطر الماحق عاد إلى بيته مثخناً بالجراح. وراح يفكر بما حصل... وعن هذا التفكير نتج «فصل في الجحيم». لقد راحت السكرة وجاءت الفكرة كما يقال في المثل العامّي. وضرب رامبو بيده على رأسه وقال: ماذا فعلت بنفسي، ماذا فعلت؟...

هل يعني ذلك أن مشروع الرائي والرؤيا قد فشل؟ نعم ولا. نعم إذا ما اعتبرنا أن أي تجربة شخصية مهما كبرت وعظم صاحبها، مهما غامرت وذهبت بعيداً في المجهول، فإن لها حدوداً لا يمكن أن تتخطاها. إنها سوف تصطدم حتما بالجدار المسدود أو بالباب المغلق يوماً ما، أو في لحظة ما. سوف تصطدم بمحدودية الشرط البشري. ومهما تكن رائياً عظيماً، ورامبو كان رائياً من الطراز الأول، فإنك لن تستطيع أن ترى أكثر مما رأيت! لا يمكن لعين أن تخترق السر الأعظم، أن تنفذ من ثقب الباب.

وعلى فرض أن الله أو الحقيقة النهائية هي التي تقف خلف الباب فإنك لن تراه ولن تراها. هذا ما لم يتح لإنسان قط ما عدا النبي موسى ربما.. بل وحتى موسى لم ير الله مواجهة لأنه قيل في الكتاب المقدس: لا يمكن لمخلوق أن يراني ثم يعيش بعدئذ. وبالتالي فقد رأى الله من الظهر... ينتج عن ذلك أن مشروع رامبو كان أكبر منه، وأنها لحماقة أو جنون من قبله أن يحلم بذلك. ولكن في هذا الجنون تكمن عبقريته. عظمته تكمن في أن طموحه كان أكبر من إمكانياته.

ولكنه لم يفشل إذا ما اعتبرنا أن هذه المحاولة الجنونية واليائسة تمخّضَت في نهاية المطاف عن كتابة واحد من أهم دواوين الشعر الحديث. ففي سبيل التوصل إلى مثل هذه الكتابة الشعرية كل شيء رخيص، وكل أنواع التجارب والمعاناة تستحق أن تخاض. ثم إن ما رآه رامبو على الطريق، وتلك الآفاق القصية التي انفتحت له تساوي الدنيا ومن عليها... صحيح أن السر الأعظم لم يفتح له، ولا لغيره، ولكنه كاد أن يستبصر الأشياء من خلال ثقب الباب، كاد أن يلمح ما لا يُلْمح، أن يرى ما لا يُرى.. وحسبه ذلك وكفاه.

ومن غرائب الأمور أنه تنبأ بمستقبله الآتي قبل أن يحصل بسنوات عديدة، وقال بأنه سيعود من الشرق، مقطوع الرجل، على عكاز! وقد عاد.. نعم لقد كان رامبو رائياً حقيقياً. كان يتمتع بحدس خارق لا يمتلكه إلا كبار الشعراء في التاريخ. بالطبع فإنه لم يكن يعرف بشكل مؤكد أن نهايته ستكون مأساوية على هذا النحو، ولكن بمجرد كتابة ذلك على الورق قبل بضع سنوات من حصوله شيء يحدث البلبلة في العقول ويثير فينا التساؤل والدهشة الحقيقية. فهل كان يهجس بشكل لا واعٍ بمصيره؟

هل استطاع أن يرى موته قبل أن يحصل على سبيل التخاطر أو الإرهاص أو الحدس الداخلي مثلاً؟ يقول: «سوف أغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتيّ، والمناخات الضائعة سوف تسمّر بشرتي. السباحة، سحق العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل قوية كالمعادن التي تغلي، كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران.

سوف أعود، بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون بأني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب: سأكون عاطلاً عن العمل وفظاً. والنساء سوف يداوين المتوحشين المقعدين لدى عودتهم من البلاد الحارة. سوف أتورط في المشاكل السياسية. نجوت.».

وفعلاً هذا ما حصل له بعد خمسة عشر عاماً من كتابة هذا النص عندما عاد من عدن بحزام ثقيل من الذهب على خصره، وذلك لكي يقطعوا رجله المصابة بورم خبيث في مستشفى بمرسيليا، ولكي ترعاه وتسهر عليه أخته الصغرى ايزابيل..شيء مرعب، شيء مدهش أن ترى موتك قبل ان يحصل بعشر سنوات أو حتى عشرين سنة تقريباً.

كثيراً ما أدهش هذا المقطع النقاد الفرنسيين وحيرهم، كثيراً ما أشعرهم بالخوف والقشعريرة لأن رامبو استطاع أن يتنبأ بنهايته على هذا النحو قبل ان تقع. نعم لقد كان رامبو رائياً كبيراً ولولا ذلك لما خلف وراءه كل هذه القصائد البكر التي تهزنا هزاً وتبدو لنا طرية وكأنها كتبت البارحة... وكنت أعتقد (وما أزال) بأن الشاعر الكبير، أو المفكر الكبير، يمتلك راداراً داخلياً قادراً على كشف أعماق الزمن والعصور، أو مستقبل الأيام.

وكل كاتب لا يمتلك هذا الرادار الداخلي لا يرقى إلى مستوى الطبقة الأولى أو العليا من الكتاب .هذه قناعتي. قد يكون دارساً ممتازاً أو باحثاً أكاديمياً كبيراً ولكنه ليس عبقرياً. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الكتّاب الكبار وسواهم. وكلما كانت طاقة الرادار على الكشف بعيدة المدى أو واسعة النطاق، كان الشاعر أو المفكر كبيراً.

على هذا النحو يمكن أن نقيس أهمية شخصيات من أمثال جان جاك روسو، أو هيغل، أو نيتشه، أو رامبو... كل شاعر لا يرى إلى أبعد من أنفه ليس شاعراً، وكل مفكر لا يستطيع أن يستبق الآتي، أن يخترق أعماق العصور ليس مفكراً.. يضاف إلى ذلك أن صراع رامبو مع نفسه يبلغ ذروته عندما يتحدث عن العقيدة اللاهوتية المسيحية التي تربى عليها منذ نعومة أظفاره. فهو يشعر بأنها عبء ثقيل عليه أو تقيد حركته ولكنه لا يستطيع منها فكاكاً. إنه متحرر منها وغير متحرر في ذات الوقت.

إنه ينقلب عليها ويثور ضدها بكل قواه في الوقت الذي يظل فيه سجيناً لها... يقول: «أنا عبد عمادتي يا أبويّ، لقد صنعتما تعاستي وتعاسكتما بتعميدي...». بمعنى أنه لو لم يعمّداه أو يدخلاه في المسيحية عندما كان طفلاً صغيراً لظل حراً ولما عرف الجحيم لأنه لن يكون مضطراً للإيمان به. ولما كان عرف الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير من جراء خروجه على الأخلاق السائدة في المجتمع لأن المسيحية هي دين الخطيئة الأصلية بالدرجة الأولى.. بل وكل الأديان هي أديان الخطيئة والذنب.

ومعلوم أنه خرج كثيراً على هذه الأخلاق إلى حد الإباحية والشذوذ. وهذا ما تدينه المسيحية كثيراً وكذلك الإسلام وكل الأديان. كان بوده لو ظل وثنياً ولم يدخل هذا الدين المثقل بالأخلاق الصارمة التي تقيد حرية الحركة. لم ينتفض أحد على اللاهوت المسيحي مثلما انتفض رامبو في فصل في الجحيم وبعض القصائد الأخرى. لقد صفى حساباته معه حتى آخر لحظة، حتى آخر نقطة.

من هنا الطابع التحريري الهائل لشعره. من هنا جاذبيته التي لا تقاوم. نقول ذلك وبخاصة أن المسيحية كانت لا تزال ذات طابع قمعي آنذاك. وهي جاذبية مارست تأثيرها على أجيال الشعراء اللاحقين من فرنسيين أو غير فرنسيين حتى اليوم.

فهو يشتهي أن يعود إلى ما قبل المسيحية، إلى عصر الوثنية، لكي يتخلص من الرقابة الأخلاقية الصارمة للعقيدة اللاهوتية: «الدم الوثني يعود! الروح اقتربت، لماذا يا مسيح لا تساعدني بتقديم النُبل والحرية لروحي. لكن، واأسفاه! الإنجيل انتهى! الإنجيل! الإنجيل!...

أنتظر الله بكل جشع. أنا من عرقٍ متدنٍ منذ الأزل وإلى الأبد». في هذا المقطع نلاحظ انه في الوقت الذي يدين المسيحية يستنجد بالمسيح لكي يخلصه! ولكنه يشير أيضاً بشكل ضمني إلى صعود الفلسفة الوضعية وانحسار الإيمان المسيحي وكلام الإنجيل عن أوروبا (ينبغي ألا ننسى أن رامبو كتب هذا النص حوالي 1870: أي في عز العصر الصناعي الفرنسي وسيطرة فلسفة سان سيمون وأوغست كونت على العقول).

ونلاحظ أيضاً أنه في الوقت الذي يرفض فيه الانصياع للأوامر الدينية يبقى خاضعاً لها. في الواقع إنه يريد الحرية الوثنية والخلاص الديني في آن معاً! وبما أن هذا الهدف يبدو متعذراً أو متناقضاً فإنه يظل يتخبَّط ويتوجع ولا يعرف كيف يجد منفذاً من هذا الانغلاق الجهنمي الذي يطبق عليه من كل النواحي. والجحيم هو، تحديداً، هذا التخبط في متاهات تناقضية لا حل لها...

فاللاهوت المسيحي في عصره على الرغم من كل التقدم الذي حصل في فرنسا آنذاك لم يكن قد تحرر بما فيه الكفاية من التابوات والمحرمات لكي يسمح له بكل أنواع الحرية التي يحلم بها. أقول ذلك وأنا أفكر بالحريات الجنسية على وجه الخصوص.

ولو أنه عاش حتى شهد فرنسا الحالية لما اضطر إلى كتابة «فصل في الجحيم»! فلم تعد المسيحية ذات وجه قمعي كما كان عليه الحال في زمن رامبو. ولم تعد ترهب أحداً. وحتى فولتير يستحيل أن يظهر الآن في أوروبا لأن الحاجة إليه لم تعد موجودة، ولأن الأصولية انتهت وكذلك محاكم التفتيش وإرهاب العقول..

هكذا نجد أن شعر رامبو يطرح بشكل مباشر أو غير مباشر المسألة التالية: كيف يمكن ان تنقلب على ذاتك؟ كيف يمكن أن تدخل في صراع ضارٍ وفتّاك مع نفسك؟ كيف يمكن ان تتخلَّص من تربيتك العائلية المتجذرة في أعماقك والتي لا تزال تلاحقك كالإخطبوط منذ نعومة أظفارك والطفولة الأولى؟ كيف يمكن أن تحلّ تناقضاتك المزمنة التي تنهشك نهشاً حتى لتكاد تدمرك؟ بالطبع فإنه لا يقدم أجوبة أو حلولاً. فهذه مهمة الفكر لا الشعر، مهمة الفلاسفة لا الشعراء.. ولكن يكفيه فخراً أن طرح هذه الأسئلة أمامنا كالقنابل المتفجرة أو كالألغام. لنستمع إليه مطولاً إذن:

ليلة الجحيم

«بلعت جرعة كبيرة من السمّ. لتكن مباركة ثلاث مرات تلك النصيحة التي حصلت لي! أحشائي تحترق. عنف السمّ الزعاف يلوي أعضائي، يجعلني مشوهاً، يسحقني. أموت من العطش، أختنق. ولا أستطيع الصراخ. إنه الجحيم، العذاب الأبدي! انظروا إلى النار كيف تشتعل، انظروا إلى سياط اللهب! أحترق كما ينبغي. هيا، أيها الشيطان هيا!

كنت قد لمحت اعتناق الخير والسعادة، لمحت الخلاص. هل أستطيع أن أصف الرؤيا، مناخ الجحيم لا يتحمَّل الأناشيد! كانت هناك ملايين الكائنات اللطيفة، حفلة موسيقية روحية ناعمة، القوة والسلام، المطامح النبيلة، وماذا أعرف؟

المطامح النبيلة!

ولا تزال الحياة هي الحياة! وماذا لو كانت الإدانة أبدية! الإنسان الذي يريد بتر نفسه مدان حتماً وملعون، أليس كذلك؟ أعتقد أني في الجحيم، وإذن أنا فيه. هذا تنفيذ حرفي للعقيدة المسيحية. أنا عبد عمادتي. يا أبويّ. لقد صنعتما تعاستي وتعاستكما بتعميدي. يا للمسكين البريء! الجحيم لا يمكن أن ينطبق على الوثنيين ـ لا تزال الحياة هي أيضاً! فيما بعد سوف تصبح لذة الإدانة أكثر عمقاً. إنها جريمة، فلأسقط سريعاً في العدم، طبقاً للقانون البشري.

أموت من الإعياء والتعب. إنه القبر، سوف أذهب إلى الدود، يا رعب الرعب!..»

هذيان

إليّ، إحدى قصص جنوني

منذ زمن طويل وأنا أفتخر بأني أمتلك كل المناظر الطبيعية الممكنة، وأجد تافهاً كل مشاهير الفن والشعر الحديث. كنت أحب الرسوم الغبية، واجهات الأبواب، الديكورات، لوحات المشعوذين، اللافتات، الزخرفات الشعبية، الأدب البالي، الأدبيات العتيقة للكنائس، الكتب الجنسية بلا حروف، روايات أسلافنا الأساطير الساحرة، الكتب الصغيرة للطفولة، التمثيليات الغنائية العتيقة، الأغنيات البلهاء، الإيقاعات الساذجة.

كنت أحلم بالحروب الصليبية، بالرحلات الاستكشافية التي لم تكتب، بالجمهوريات التي لا تاريخ لها، بحروب الأديان المخنوقة أو المجهضة، بثورات العادات والأخلاق، بتهجير الشعوب والقارات: كنت أومن فعلاً بكل أنواع الفرح والافتتان.

كنت أخترع لون حروف العلة! ء سوداء، بيضاء، ة حمراء، د زرقاء، ص خضراء ÷ كنت أنظّم شكل وحركة كل الصوامت، وعن طريق الإيقاعات الفطرية أو الغرائزية، كنت أفتخر بأني اخترعت لغة شعرية سوف تكون في متناول جميع الحواس يوماً ما. وكنت أحتفظ بحق الترجمة!

كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عما لا يُعبَّر عنه. كنت أثبّت الدَّوَخان»... «كنت أحب الصحارى، الروضات المحروقة، الحوانيت الذابلة، المشروبات الفاترة. كنت أتسكع في الشوارع القذرة، وبعينين مغمضتين، كنت أهب نفسي للشمس، آلهة النار. لم يبق شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته. أقصد الجنون الحقيقي الذي يُسْجَن في المصحات العقلية.

أستطيع أن أعددها كلها الواحد بعد الآخر. إني خبير بالموضوع. كانت صحتي مهددة. والذعر الهائل يجيء. كنت أسقط في النعاس لأيام عديدة، وعندما أستيقظ كنت أواصل الأحلام الأكثر حزناً. كنت جاهزاً للمنيّة، و طريق درب الأخطار كان ضعفي يقودني إلى تخوم منطقة «سيميريا»، وطن الظلال والأعاصير».

«حقاً إن المعركة مع الذات لا تقلّ ضراوة عن معارك الرجال» (فصل في الجحيم، مقاطع متفرقة).

هكذا نلاحظ كيف ينزل رامبو إلى أعماقه لكي يصفّي حساباته مع نفسه وماضيه. كما ويصفّي حساباته مع اللاهوت المسيحي القديم، والمجتمع، والحضارة الغربية الصناعية بأسرها وكل شيء . لم يعرف تاريخ الشعر انتفاضة تمرد بمثل هذا الحجم والراديكالية.

كل شيء يتفكك وينهار على إيقاع لغة بركانية متفجرة، لغة تتقدم كالبلدوزر الكاسح وتحرق في طريقها كل شيء. وفيما تتقدم هذه اللغة يتولّد تدريجياً شكل شعري جديد لا يزال يهيمن علينا حتى هذه اللحظة. فرامبو هو مؤسس الحداثة الشعرية ليس فقط على مستوى فرنسا وإنما على صعيد العالم بأسره.

وشعراء الحداثة كلهم خرجوا من معطفه بمن فيهم شعراء الحداثة العربية. لقد صفى حساباته مع كل شيء وبحرية مطلقة. ولم يهب شيئاً ولم يقدس أحداً. كل المقدسات عراها وفككها ودفع الثمن باهظاً..ولكن ألا يكمن هنا جوهر الكتابة الشعرية بل وحتى الفكرية؟ فإذا لم تكن الكتابة تصفية حسابات مع الداخل المتراكم فما نفعها وما جدواها؟...

رامبو في سطور

ولد رامبو عام 1854 في مدينة شارلفيل الصغيرة الواقعة شمال فرنسا غير بعيد عن الحدود البلجيكية. وهي الآن تعد أكثر من خمسين ألف نسمة وتقع على مسافة ساعتين عن باريس ولكنها حتماً كانت أبعد من ذلك بكثير في زمن رامبو. وكان يكرهها جداً ويهرب منها باستمرار. أما الآن فهي تفتخر به وترفع صوره في كل مكان جذباً للسياح.. وفيها يقع متحف رامبو.

موت مبكر

ترك رامبو الشعر نهائياً وراح يغامر في أصقاع الأرض كلها حتى انتهى به الأمر إلى بلاد العرب في عدن واليمن ثم في الحبشة حيث اشتغل كتاجر لعدة سنوات قبل ان يصاب بمرض خطير في فخذه . وهكذا عاد إلى مرسيليا حيث قطعوها له ومات بعد شهرين عام 1891 وهو في السابعة والثلاثين من عمره.

أبداً مع الشعر

كان رامبو متفوقاً في دراساته حتى سن البكالوريا حيث ترك مقاعد الدراسة فجأة وأدهش بذلك الجميع. فقد كانوا يتوقعون له مستقبلاً كبيراً لو واصل مسيرته الصاعدة. كان يحصد الجوائز حصداً في نهاية كل عام دراسي إلى درجة أن مدير المدرسة قال لهم: هذا الولد لن يكون مصيره عادياً. سيكون عبقرياً أما في طريق الخير واما في طريق الشر..

بالطبع كان رامبو يحلم، ككل كتاب المحافظات والأقاليم البعيدة، بالقدوم إلى باريس يوماً ما وتجريب حظه فيها. فأنت لا يمكن أن تشتهر إلا في العاصمة ومن خلالها. وقد هرب إليها مراراً من بيت العائلة وهو لا يزال في الخامسة عشرة. وفي إحدى المرات قبضوا عليه لأنه لم يكن يمتلك تذكرة قطار.

فسجنوه. وعندئذ استغاث بأستاذه في شارلفيل فتدخل لإطلاق سراحه. قبل أن يجيء إلى باريس بشكل رسمي هذه المرة ومدعواً من فيرلين كان قد كتب رسالة الرائي وهو لا يزال في السادسة عشرة. وفيها ينظر للحداثة الشعرية وكأنه ابن الخمسين أو الستين! وهو، على قصره، نص أساسي لأنه يشرح فيه نظرية الرؤيا الشعرية ويقول: ينبغي على الشاعر أن يكون رائياً، أن يجعل من نفسه رائياً. وأنا تعرفت على نفسي شاعراً، وشاعراً فقط.

ربما لهذا السبب ترك مقاعد الدراسة وتفرغ لقضية الشعر والمغامرات والجنون.. بعد أن راسل فيرلين عدة مرات مستغيثاً وطالباً منه استقباله في أوساط باريس الأدبية رضخ هذا الأخير للأمر وجاوبه قائلاً: تعال أيها الصديق العزيز، تعال. نحن ندعوك، نحن ننتظرك.. في الواقع انه كان قد قرأ القصائد التي أرسلها له فسحرته. وهكذا ابتدأت اكبر مغامرة شعرية في العصور الحديثة.

هاشم صالح