الطبول الإفريقية تكاد تكون الرمز الثقافي للقارة السمراء، ويمتزج الإيقاع مع رحيق الثقافة الإفريقية سواء في شرقها أم غربها أو وسطها وشمالها وجنوبها مع اختلافات أدائية وقيمية وتحديداً في الإقليم الشمالي من القارة.
حيث تمتزج الثقافة الإفريقية الزنجية مع ثقافة الطوارق وتأثيرات المد الإسلامي ومن ثم الانعكاسات الأندلسية. ولعل الموسيقى الأهم التي تجمع مختلف طيوف التيارات الثقافية في شمال إفريقيا هي موسيقى «القناوة». كما لا يجب إغفال تنوع الموسيقى والحضرات الصوفية في شمال افريقيا. - الفصل الثاني والثلاثون في صناعة الغناء: الإيقاع في الموسيقى والموسيقى في الإيقاع والجدليات حول توظيف الإيقاع في أنماط موسيقية اقترنت بتجارب شعوبية ومحاولة النظر إليها من البعد الإنثروبولوجي والمثيودولوجي سيكون هاجسنا، مع اعترافنا أننا لم نحط بالموضوع على مستوى التغطية الجغرافية على الأقل، فقد تجاوزنا على سبيل المثال تجارب مهمة في التراث الموسيقي الإنساني قدمتها لنا حضارتا المايا والإنكا في أميركا القديمة.
فيما تعثرنا في الخوض في عمق الإيقاعات الخليجية المقترنة بثقافة البحر والصيد والغوص، ولم نتوسع في موسيقى القناوة في شمال افريقيا، لكننا حاولنا الإطلال على محطات وتجارب متفرقة في التراث الموسيقي الإنساني لنقدم للقارئ جرعة سيتبعها قراءات أخرى في مثيودولوجيا الإيقاع. الموسيقى في نظر الكنفوشوسية هي نتاج أصيل من عمق العقل الإنساني فيما تقوم العوامل البيئية المحيطة باستنهاضها واستخراجها وتشكيلها، وإذا اتفقنا مع الصينيين القدامى فإن الإيقاع هو ملازم داخلي وأساسي للإنسان طوال رحلته الزمنية على الأرض، والإيقاع هو رديف للحياة بالمعنى البيولوجي بدءاً من عملية تلقيح البويضة.
حيث يمثل لقاء الحيوان المنوي بالبويضة ارتطاما وخرقا لسطح ما في رحلة التكوين التي يلازمها إيقاع الخفقان حتى لحظة السُبات والاستسلام إلى الغيبيات، وهي ـ أي الغيبيات ـ أقصى ما يمكن أن تصله الموسيقى بالعقل البشري وفقاً للصينيين القدامى ومعلمهم الأخلاقي كونفوشوس. - الطبل الصفيح: في عمله الروائي الأبرز يضع «غونتر غراس» بين يدي بطله «اوسكار» «الطبل الصفيح» (اسم الرواية التي صدرت في عام 1967 وحازت على جائزة نوبل للآداب في عام 1999 وتعتبر من أهم ملامح الأدب الروائي الأوروبي والعالمي) المُقل في حوارياته ليكون الإيقاع محور ردود أفعاله في مواجهة قضايا عقائدية وقيمية شائكة.
هذا النموذج الروائي الفذ لا يحتمل أن يكون بحثاً في الموسيقى والإيقاعات، لكن توظيف «غراس» لـ «الطبل الصفيح» في قراءة المجتمع الألماني ابان مراحل تحول مهمة خلال العقود الأولى من القرن الماضي، ممحوراً ذلك بشكل أو بآخر حول شخصيته الرئيسية التي لا يفارقها «الطبل الصفيح» هو أمر شيق بحد ذاته ويستحق التأمل من منظور مغاير.
الكونفوشوسية والموسيقى
يبحث اليوجي أو كلاسيكية الموسيقى (وهي السادسة من كلاسيكيات المعلم الأخلاقي الصيني كونفوشوس (479 ـ 551 قبل الميلاد) التي تتبع كتبه الأخلاقية) في العالم الجمالي للموسيقى والذي يتلخص في أربعة موضوعات هي: علاقة الموسيقى بالعقل والمحتوى الموسيقي والأداء الوظيفي للموسيقى وأخيراً الطبيعة الغيبية للموسيقى.
والموسيقى بالنسبة للكونفوشوسيين متأصلة في العقل لكن مؤثرات وعوامل خارجية تعمل على تحريكها وتشكيلها، حيث يستجيب العقل من خلال تشكيل «صوت» للتعبير عن الحالة العاطفية التي خلفتها هذه العوامل والمؤثرات. ومن هنا يمكننا الاستنتاج أن الإيقاع في البنية الموسيقية هو داخلي والبعض يميل إلى طبيعته البيولوجية (خفقان عضلة القلب، النبض، شهيق وزفير الرئتين وغيرها من الدورات البيولوجية المتصلة بالتوقيت على وجه الخصوص).
الطبول والنحاسيات في الحضارة الصينية
شغف الصينيين القدماء بالطبول قادهم إلى استخدام الطَرق والقرع على صحون أو صنجات مصنوعة من مزيج البرونز والنحاس التي اتخذت أحجاماً وأشكالاً مسطحة ومقعرة متفاوتة لكل منها خاصية تردد ونوعية صوت. هذه الصنجات النحاسية تعرف بالجونج وأبرزها الجونج الضخم الذي يصل قطره إلى أكثر من مترين وطالما أخذ موقعه في البلاط الإمبراطوري والمعابد كأداة للنداء وإصدار التعليمات.
وللجونج تسميات وفقاً لحجمه وطبيعة صنعه واستعمالاته مثل الجونج الأسدي وجونج الرياح. ولعل اللافت منها هو الجونج الكوكبي الذي يتشكل من 14 مسطحاً مصنوعا من النحاس والإطارات البرونزية، ولكل واحد درجة صوت أو دوزان خاص وفقاً لترددات خاصة بالكواكب الـ 14، وهي الشمس والقمر وكواكب المجموعة الشمسية الأخرى التي تتفق مع الحسابات التي قام بها العالم الفلكي السويسري هانس كوستو.
انتقل الكونج إلى العائلة الأوركسترالية لتشكل تردداته موجات موحية بأحاسيس الرعب والحرب والقطع الهارموني الحاد ضمن الأعمال السيمفونية الأوروبية الكلاسيكية وصولاً بالأعمال المعاصرة.
الكونج الصيني يستحضر «بومباي» الرومانية
وخلال تجارب الموسيقى الغربية المعاصرة وتحديدا في حقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي شهدت ردة إلى الثقافات القديمة وتحديداً الهندية والصينية، ونرى الكثير من أعلام تلك الفترة مثل فريق «بينك فلويد» في تجربتهم الموسيقية عام 1972 في مدينة بومباي في اقليم كمباني في جنوب إيطاليا، التي شكلت استعادة عبر الموسيقى لجماليات روح الحاضرة الرومانية التي غافلها بركان جبل فيزيوس الشهير في سنة 79 ميلادية.
استغرق تصوير التجربة الخاصة سينمائياً عدة أيام فيما تم تأدية الأعمال الموسيقية في المدرج الرئيسي للمدينة التي ركدت تحت رماد البركان لسنوات طويلة من دون جمهور بدلالة رمزية على محاولة استنهاض ملامح وتفاصيل ايقاع الحياة في حاضرة الشعر والأدب والجمال الرومانسية.
ولعله لم تكن هناك أداة أقدر على نداء وجلب روح المدينة من الجونج الذي قرعه «روجر وترز» عضو فريق «بينك فلويد» من موقعه في مركز باحة المدرج الرئيسي ووسط مزيج إيقاعي وموسيقى سريالية متخمة بتسارع وضجيج وكأنه يخوض في أعماق سحيقة لذاكرة المكان وذلك ضمن العمل الموسيقي «وعاء الأسرار».
قراءة ابن خلدون تقترب هنا إلى تعريف الهارموني ولكنه لم يولي الإيقاعات خصوصية واكتفى بالحديث عن التقطيع والتناسب والذي غالباً ما يكون الدور الرئيسي للآلات الإيقاعية أو الطبول في التركيب الهارموني، لكن الأهم في قراءة ابن خلدون هو خوضه في التركيب الموسيقي وكيفية استخراجها من البساطة مع مراعاة التناسب والذي يؤدي إلى تلذذ سماعها على حسب تعبيره أو تقبلها واستصاغتها.
وهنا نأتي إلى أهمية التراكيب الإيقاعية (مواقيت الإيقاعات) ومدى البساطة والتركيب فيها ودلالاتها. الإيقاعات بتركيبها تمثل هوية النمط الموسيقي وبالتالي تتقاطع مع العوامل الثقافية المشكلة لهذا النمط، فبساطة وتركيب الإيقاع هو انعكاس جلي للمخاض الفكري والروحي للتوجهات الثقافية التي يمثلها.
للاقتراب أكثر من هذا المفهوم نطرح الموسيقى الصوفية ـ مع مراعاة تنوعها وفقاً لمدارسها وطرقها في الأقاليم المختلفة ـ كنموذج. الإيقاع في حلقات الذكر بسيط في تركيبه وعادة مع ما يدق أو ينقر على الدف، لكن هذا الإيقاع البسيط هو محفز ومنصة لحركة أدائية تنتقل متسارعة نحو الداخل للانتقال إلى حالة توحد مع الذات الإلهية.
وهنا لا بد أن نشير الى أننا لا نعرّف الصوفية أو طقوس حلقات الذكر بقدر محاولة تحديد الدور الوظيفي للإيقاع ومقارنة بساطته مع معناه التجريدي ومفهومه العميق. ونرى في حالة الموسيقى الصوفية قدرة استثنائية للإيقاع البسيط في أدائه الوظيفي الذي ينقل المتلقي والمتوحد معه إلى حالات روحية وذهنية خاصة والتي أشار إليها ابن خلدون باعتبارها «تلذذا».
ونستعيد هنا مفهوم الموسيقى لدى كونفوشوس الذي تناوله في أربعة موضوعات كما أسلفنا هي: علاقة الموسيقى بالعقل والمحتوى الموسيقي والأداء الوظيفي للموسيقى وأخيراً الطبيعة الغيبية للموسيقى. ونرى أن إيقاعات الذكر تخاطب في مستهلها مناطق في الوعي «العقل» لطرح مفهومها الخاص عن فكرة الله (المحتوى الموسيقي)، ومن ثم يتسارع الإيقاع (الأداء الوظيفي) ليصل بالمتلقي أو الممارس لحلقة الذكر إلى التوحد مع الخالق (الطبيعة الغيبية للموسيقى).
ويرى بعض الباحثين ومن بينهم «جين ديورينك» في اطروحتها «ما هي الموسيقى الصوفية؟» ان مصطلح الموسيقى الصوفية هو أقرب إلى القصدية الروحية لدى الممارس من المفهوم الأصيل للموسيقى أو اللحن، لكن قراءتنا لدور الإيقاع في الطقس الصوفي من خلال أطروحة ابن خلدون ومفاهيم كونفوشوس عن الموسيقى لربما تفند طرح الباحثة المذكورة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكثير من المستشرقين والرحالة تعاملوا مع المفهوم الإيقاعي لموسيقى حضارات وشعوب الجنوب (بالمعنى الاصطلاحي للجنوب) باستخفاف وكثيراً ما وظفوا ذلك وخصوصاً في القارة الإفريقية للدلالة على رعوية ووثنية هذه الشعوب والقبائل وليعززوا من الاستحقاقية الأخلاقية للحقبة الاستعمارية الأوروبية التي شملت ما لا يقل من 85% من شعوب الأرض حتى فترة الحرب العالمية الأولى.
الطبلة الهندية
لا يمكن تصور الحياة المشهدية في شتى مناطق شبه القارة الهندية منذ أقدم الأزمنة حتى يومنا هذا من دون الطبل! البيئة المحيطة الغنية بتشكيلاتها وتحولاتها كانت من دون شك الرافد الأساسي للحس الإيقاعي لدى الهنود، لكن البلاط الملكي والمعابد كانت الحاضن الأهم لموسيقى أمة ارتبطت بشكل وثيق بالغيبيات.
لفظ «طبل» في العربية هو بالأساس هندي ومشتق من الطبلة، الآلة الإيقاعية الأكثر رشاقة وشهرة وتأثيراً في الثقافة الهندية. وراجت الطبلة في شمال الهند وارتبطت بتجربة الشاعر أمير خسرو ديهلافي (1253- 1325) ميلادية.
هذا التزاوج مع شاعر غنائي ترعرع في البلاط السلطاني في دلهي خلال عدة عقود حتم تطور منهجية العزف على الطبلة لتحاكي التنوع الموسيقي في قصائد ديهلافي الغنائية. وبدائية الطبلة من حيث تكوينها (إطار خشبي بيضاوي ومسطح من أمعاء الحيوان) والتنوع الموسيقي في القصائد المغناة دفع بالطبالين إلى تطوير تقنيات العزف الإيقاعي لتشكيل درجات تردد مختلفة ونوعية أصوات حادة ورخيمة وعريضة من خلال التحكم بسطح الطبلة عبر الكف الذي يقوم بتحديد مساحات القرع ومن ثم الطرق والنقر بخفة من قبل الأصابع لتشكل موسيقى إيقاعية مليئة بالحركة والحيوية وقادرة على الانتقال إلى أجواء نفسية متنوعة.
طبول فارس
بالنظر إلى عمق وقدم حضارتي الصين وبلاد الهند والسند وبالتالي عمق المفهوم الإيقاعي لديهما، تأتي بلاد فارس (إيران المعاصرة) في مرتبة مهمة في التراث الموسيقي الإيقاعي. في الحضارة الفارسية هناك أكثر من 155 نوعا وتسمية للطبول وفقاً لمجموعة من الدراسات من بينها موسوعة الموسيقى الإيرانية القديمة لمهران بو مندن والصادرة في عام 2000.
وتتقاطع تسميات وطرق صناعة واستخدام هذه الطبول عبر أزمنة وأقاليم مختلفة، بدءاً من التأثير القادم من بلاد الهند والسند وصولاً إلى أقاليم وبلاد محيطة شرقاً وغرباً مثل أفغانستان وبخارى وسمرقند وتركمانستان والأناضول (تركيا الحديثة) وسوريا الكبرى وحتى شمال افريقيا.
مسمى طبلة الهندي الأصل يبقى طاغياً على معظم التسميات واشتقاقاتها لكن تمحور أكثر من 100 نوع من الطبول على الأقل في عمق تركيب الموسيقى الفارسية عبر العصور يؤكد ريادتها في تشكيل إيقاعات الموسيقى الشرقية مع ملاحظة الباع الكبير في مراحل لاحقة لحواضر مثل بخارى وسمرقند في رفد الإيقاعات الشرقية بحس يدمج بين تجارب بلاد الصين وبلاد الهند والسند الإيقاعية وبالطبع هذا التأثير كان في أزمنة ازدهار طريق الحرير. وتبع ذلك مراحل تطوير لمفهوم الإيقاع وتصريفاته في بلاد الأناضول قبيل بدايات تشكيل الإمبراطورية العثمانية وحتى مراحل ذبولها.
الإيقاع والتأمل في الموسيقى الكورية
مثيودولوجيا الإيقاعات لها خصوصيتها في الثقافة الكورية المتحدرة من خمسة آلاف عام من دون قطع تاريخي، وهذا التواصل مع الماضي لعله ما يفسر فرادة الإيقاع في الثقافة الكورية واندماجه مع فنون أدائية وسمعية ومرئية أخرى أبرزها الغناء والرقص والرسم (حبر على ورق).
تواصل أداء موسيقي برفقة مغن لفترة 8 ساعات أمر طبيعي في الثقافة الكورية حتى في أيامنا المعاصرة! تَلَقي الموسيقى الكورية قد يكون الأعسر من بين سائر أنماط الموسيقى الإيقاعية على المتلقي الأجنبي، إيقاعات بطيئة لحد كبير نسبة بإيقاعات وحركات الموسيقى المعاصرة، فيما يبدو التشكيل الإيقاعي والموسيقي عامة معدوم في باديء الأمر.
هذا البطء الذي يململ المتلقي المعاصر هو في الحقيقة مساحة للتأمل والسبر الفكري لمتلقي الموسيقى الكورية التقليدية المعروفة بموسيقى الغرفة (جيونجنغ) والتي تقتصر على جلسات الشعر والأدب لطبقات المثقفين.
للاقتراب من أزمنة الإيقاعات الكورية، وهي ميزة تشمل الإيقاعات الصينية بشكل عام، يجب الالتفات إلى مواكبة أزمنتها أو مواقيتها مع إيقاع التنفس لا إيقاع خفق القلب كما هو في الإيقاعات الغربية والشرقية والمعاصرة.
التوقيت المحاكي لإيقاع التنفس بالطبع يفتح المجال أمام التأمل من جهة ويتسم بتصاعد عكسي نسبة للإيقاعات في الثقافات الأخرى التي عادة ما تبدأ بأزمنة بطيئة سرعان ما تتصاعد مع البناء والسير الهارموني للموسيقى. في الإيقاع الكوري الأمر قد يكون مغايراً تماماً، فمع الإمعان بالتأمل والتحليق الروحي ترتقي القدرة على أخذ أنفاس أطول وأعمق وبانتظام متباطئ والذي ينعكس على التركيب الإيقاعي ومواقيته.
النمط الآخر من الموسيقى الإيقاعية الكورية ولا يقل أهمية عن موسيقى الغرفة هو موسيقى «بيون جميول» أو الموسيقى الشعبية التي هي أقرب إلى استعراضات الشارع الأوروبية لكنها تتسم بتشكيلات راقصة لقارعي الطبول في غاية الرزانة والدقة.
الموسيقى الشعبية الكورية هي وحدة تجمع القرع بالطبول والرقص والغناء ضمن قوالب تشكيلية مليئة بالحركة التعبيرية وموضوعاتها تشمل الشعائر الدينية ومهرجانات الفرح وتشكيلات الكواكب وجدليات الخير والشر وغيرها من الثنائيات المتنافرة مثل النار والريح والظلام والنور. والطبول والصنجات «جومج» الكورية تتعدى المئات ولكل منها خصائصها واستخداماتها التي تخدم القيمة الروحية والحسية التي تعبر عنها الآلة في توظيفها الموسيقي.
البعد الرابع
الطبول الإفريقية تكاد تكون الرمز الثقافي للقارة السمراء، ويمتزج الإيقاع مع رحيق الثقافة الإفريقية سواء في شرقها أم غربها أو وسطها وشمالها وجنوبها مع اختلافات أدائية وقيمية وتحديداً في الإقليم الشمالي من القارة حيث تمتزج الثقافة الإفريقية الزنجية مع ثقافة الطوارق وتأثيرات المد الإسلامي ومن ثم الانعكاسات الأندلسية.
ولعل الموسيقى الأهم التي تجمع مختلف طيوف التيارات الثقافية في شمال افريقيا هي موسيقى «القناوة» التي سنخصص لها مساحة خاصة في أعداد مقبلة ضمن «اتجاهات». كما لا يجب إغفال تنوع الموسيقى والحضرات الصوفية في شمال افريقيا. الإيقاع والمعتقد الديني يكاد أن يكون وحدة واحدة لدى معظم الثقافات الإفريقية وإن كانت أبرز الأمثلة ثقافة الفوديون أو المتعارف تسميتها في الغرب بالفودوو. تنتشر معتقدات الفوديون في غرب افريقيا وتمارس طقوسها في بلدان مثل بنين وتوغو ونيجيريا وغانا.
فكرة الفوديون قائمة على التوحيد من خلال الإيمان بروح الخالق، والإيمان بروح «ماو» Mawu التي ترمز إلى القمر و«ليزا» Lisa التي ترمز إلى الشمس وهما الطفلان التوأم لروح الخالق، ولدى هذه الأرواح القدرة على السيطرة والتحكم بقوى الطبيعة والمجتمعات البشرية والأرواح الأخرى، حيث يعتقد معتنقو الفوديون أن «ماو» لديه سبعة أبناء وبنات يرتبطون بظواهر طبيعية أو أحداث تاريخية أو الخرافة.
وهنا يأتي دور الطبول والإيقاعات في الشعائر الدينية، حيث يكون الطبال بمثابة المهيء للبعد الرابع عبر الطاقة التي تطلقها إيقاعات الطبول المتسارعة والتي تتيح للكهنة التواصل مع الأرواح وفق غاية الطقس الروحي المقام.
وتتنوع الطقوس وغاياتها وبالتالي تنوع إيقاعاتها، حيث تقام طقوس لاستنجاد روح الخالق لمواجهة مخاطر مثل الأوبئة والمجاعات والقحط ولطلب الخصوبة أو ببساطة ليعم الفرح في وسط القبيلة. والفوديون في الخلاصة ثقافة مجتمعية تقدس قيم التكافل والعطاء ويمثل الطبل فيها مركزاً لتجمع القبيلة ومحركاً لإيقاعها الحياتي.
وتمتاز ثقافة الفودون بتنوعها وفقاً للتنوع الاثني لمتبعيها وهي بالتالي تعكس تنوع إيقاعاتها، وترتبط الطبول الإفريقية بالرمز والمنجز التشكيلي الإفريقي، حيث ينشغل صانعو الطبول بتزيين الطبول لغرض التزيين فقط في حين يتم رسم الرموز على الطبول التي تحمل دلالات روحية وتنسجم مع الأداء الوظيفي للإيقاعات التي تؤديها هذه الطبول.
ولا بد من الإشارة إلى ثقافة «يوروبا» التي لا تختلف في ظاهرها عن ثقافة فودون حيث تمثل الإيقاعات البعد الرابع في ديناميكيتها الاجتماعية من خلال الطاقة التي تولدها وفقاً لرؤية الباحثة تمارا دي سلفيا في أطروحتها عن الرمز والطقس في الموسيقى الإيقاعية الإفريقية (2006)، ويعتبر الطبّال الأداة أو الجسر الذي يربط الكاهن (رأس القبيلة الروحي) بالقوى الغيبية عبر البعد الرابع التي تشكلها إيقاعاته.
حماية الموسيقى
في عام 1995 اعتبرت مؤسسة الأمم المتحدة للتعليم والمجتمع والثقافة (يونيسكو) مقام «تشونجمو تشاين» ضمن النمط الموسيقي الملكي التقليدي (موسيقى الغرفة الكورية) إحدى مقطوعات التراث الإنساني السمعية وغير الملموسة التي يجب حمايتها. هذا الإجراء جاء بعد سن قوانين كورية في عام 1964 لحماية الموسيقى التقليدية واعتبارها أهم ملكية ثقافية غير ملموسة وإقامة مجموعة من الاحتفاليات والمهرجانات لتعزيز هذا البعد الموسيقي في يوميات الإنسان الكوري المعاصر.
سينما وطبل
«ما بعد السنين» هو آخر أعمال المخرج الكوري «إيم كوون تيك» الفذ، والذي يرصد خلالها قصة حب قارع طبول مع مغنية شكلا خلال طفولتهما ثنائية فنية، ليترك الطبل لاحقاً وتفقد هي بصرها بقصدية من معلمها كما أشيع ليعزز من حسها الداخلي وانسجامها مع الذات. في هذا العمل يسبر المخرج المخضرم بثنائية الغناء والطبل مع إشارات داكنة لمرحلة تحول كوريا إلى حالتها الانفصالية والتفات شقها الجنوبي إلى الأداء الرأسمالي.
«ما بعد السنين» يمثل تزاوجا مهيبا بين السينما والموسيقى، وهو بالتأكيد يحتاج إلى متلق محترف ليستدرك ويندمج مع إيقاع المشاهد السينمائية وحركتها البطيئة (في الظاهر) المنسجمة مع عمق نفس/ إيقاع الموسيقى الكورية كما أشرنا سابقاً. وقد جيّر مخرجنا جمال الطبيعة الكورية على اختلاف فصولها بكادر سينمائي يتدرج على مدار 106 دقائق تضع المشاهد في قلب حالة عشق ورحيل وغياب كانت عصا قرع الطبل البوصلة المثلى لها.
الطبلة والبيتلز
لعل معلم الطبلة المعاصر زاكر حسين هو نموذج لحافظي روح وتجربة الطبلة. ويسعى حسين إلى تسييغ ايقاعات الطبلة الهندية للمتلقي المعاصر من خلال تجارب موسيقية مع موسيقيين ينتمون إلى خلفيات غربية ومعاصرة، مشكلاً معهم تجارب «تجسيير» موسيقية أصيلة بمضمونها وتحافظ إلى حد كبير على نقاوة تجربة الطبلة.
وقد اشتهر حسين بتجربته مع فريق البيتلز البريطاني التي فتحت آفاقاً للتعاون مع موسيقيين وإيقاعيين عالميين، ويعكف حالياً حسين على مشروع عالمي لتوثيق التراث الإيقاعي للطبلة.
الإيقاع والهوية الثقافية
تشغل المثقف الكوري المعاصر جدليات التبعية والاستقلالية الثقافية بدءاً من التأثير الصيني الطاغي ومحاولات الفنان الكوري عبر العصور التجرد من السطوة الصينية لتشكيل نصه الأدبي والبصري والموسيقي الخاص. تواصل هذا السجال مع الاجتياح الياباني ومن ثم الحرب الأميركية الكورية وتقسيم الكوريتين إلى معسكرين رأسمالي واشتراكي.
وترى ذلك جلياً من خلال الأعمال السينمائية لمخرجين كوريين معاصرين يحاولون معالجة مفهوم الثقافة الكورية واستقلاليتها عبر العصور، من أبرزهم المخرج «إيم كوون تيك» الذي يرصد في عمله السينمائي «ثمل بالنساء والشعر» (من إنتاج 2002) مراحل تجربة رسام غُلّفت شهرته بالأسطورة.
حيث استطاع اللقيط اختراق مجالس المثقفين البرجوازيين خلال حقبة جويسون التي شابها الاحتلال الياباني، ليناضل لأجل تجاوز مُسلمات مفردات الرسم (حبر على ورق) وارتباطها بالمدارس الفنية الصينية التقليدية وصولاً إلى تشكيل مفرداته الخاصة، محاكياً عناصر البيئة المحلية.
وإن كان الرسم هو محور هذا العمل السينمائي إلا أن موضوع النص البصري يندمج بخطوطه وحركته مع مكونان رئيسيان في الثقافة الكورية هما الشعر والموسيقى (موسيقى الغرفة التي يغلب عليها الإيقاع والغناء).
أشرف الشكعة


