تخالج الحركة النقدية العربية روحاً زائفة لأنّها لم تصنع مسرحها فتشعر بالخزي والعار. ما الضير في أنَّنا تأخَّرنا في اكتشاف ـ تقديم أرسطو فانيس ويوريبيدس؟! هل هذا يعني أنَّنا نعيش في أرض حرام؛ أم أننا يجب أن نبقى نعيش اكتئاباً ثقافياً؟!

فمنذ ما يزيد على قرنٍ ونصف كتب أبراهيم دانينوس (1798 ـ 1872) في الجزائر أول نصٍّ مسرحي عربي في التاريخ الحديث، وذلك عام 1847 نفس العام الذي عرَّب فيه مارون النقاش رائد المسرح العربي مسرحية «البخيل» لموليير وقدَّمها على مسارح بيروت. فعشنا على النص المعرَّب ـ المترجم؛ واعتبرناه النواة التأسيسية الأولى لمسرح عربي، فيما عملنا ـ أنجزنا قطيعة قويَّة مع النصِّ الذي طالما عشنا إحساساً بالذنب وبالجريمة تجاهه طيلة هذا الزمن.

قصة حب

المسرحية هذه كتبها أبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي جزائري، حسب ما يؤكِّد د. مخلوف بو كروح الناقد الجزائري الذي قام بتحقيقها وتقديمها وطبعت على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في اثنين وستين صفحة من القياس الصغير. ويعود الفضل في اكتشافها إلى الباحث البريطاني فيليب سادجروف أستاذ ورئيس قسم الدراسات الشرقية بجامعة مانشستر.

المسرحية تروي قصَّة حبٍّ تجري أحداثها في مدينة خيالية «طرياق» في العراق وتقوم على حكايتين متوازيتين؛ الأولى هي قصَّة «نعمة» وابن عمها «نعمان» إذ تغتنم الأم فرصة سفر الزوج نعمان المولَّع بالبحر، وتقترح على ابنتها الابتعاد عنه، والزواج من ابن خالها «رابح» لأنَّه صاحب مال وجاه. أمَّا الحكاية الثانية فتتأسَّس على حكاية «أمناء» زوجة «دمنهور» التي تخشى أن يكون زوجها قد ضاع في البحر بعد أن عاد كلُّ البحَّارة ومراكبهم إلا زوجها.

تتضَّمن المسرحية اثنين وعشرين شخصية من أعيان المدينة ومن عامَّة الناس، بما فيهم الخدم والمغنون، بينهم ثمانية أدوار نسائية؛ وهي شخصيات مستقاة من البيئة المحلية الجزائرية وبعضها نجده في الأدب العربي الشعبي مثل الشاعر والمداح. والمسرحية رغم أنَّها تقوم على الصراع فإنِّها تبنى على الحيل البلاغية وعلى السجع والأمثال الشعبية العربية وعلى استعارات من الشعر العربي المأخوذ من كتاب «كشف الأسرار» ومن «ألف ليلة وليلة».

حدث مسرحي مهم

مسرحية «نزاهة المشتاق وغصة العشاق في مدينة طرياق في العراق» لإبراهيم دينينوس اليهودي الديانة والجزائري المولد والأصل تعتبر الحدث المسرحي الأهم؛ والتي تم اكتشافها مؤخراً. حيث تؤكِّد أنَّ المشرق العربي إذ استطاع أن يقدِّم في بيروت أول عرض مسرحي من تعريب وتمثيل وإخراج مارون النقاش فإنَّ المغرب العربي كتبَ وطبعَ أول نصٍّ مسرحي عربي في الجزائر من تأليف إبراهيم دينينوس.

علماً أنَّ أول مسرحية حسب تحقيق مخلوف بوكروح عرفت طريق النشر في المشرق العربي كانت قد تمَّت بعد ستة عشر عاماً من صدور مسرحية دينينوس أي في عام 1863 في بيروت وهي مسرحية «الشاب الجاهل السكير» لطانيوس الحر. هل هذه المسرحية تشكل قوَّة للمسرح العربي وهل تدفعنا لطرح أسئلة جديدة لمعرفة ما لم نكن نعرفه عن قوَّة عقلنا على أن لا تذهب به القوَّة إلى الجنون؟!.

حلقة مفقودة

اعتبر مخلوف بو كروح الذي قام بتحقيق المسرحية أنَّ أهمية المسرحية هذه تكمن في محافظتها على لهجة مدينة الجزائر في القرن التاسع عشر وبالتالي فهي جديرة بالاهتمام من وجهة النظر اللسانية ويمكن اعتبارها بأنَّها تُشكِّل واحدة من الحلقات المفقودة بين التقاليد المسرحية العربية الحية.

والمسرح العربي الحديث ذي التأثير الأوروبي إذ تقترب في شكلها ومضمونها من الكثير من الظواهر المسرحية التي يزخر بها التراث العربي كالمقامات وخيال الظل. وتتشابه من حيث البنية بحكاية «أبي قاسم البغدادي» لأبي القاسم الأزدي 961 م حيث يجمع الباحثون والدارسون على أنَّ حكاية أبي قاسم البغدادي تعتبر نموذجاً حيّاً لأشكال الظاهرة المسرحية عند العرب لأنَّها تحتوي على عدَّة مواصفات تؤهلها أن تجسَّد فوق المنصَّة.

مخلوف بوكروح في سطور

مواليد 1956م، أستاذ بجامعة الجزائر في معهد الإعلام، حاصل على دكتوراه، ومدير سابق للمسرح الوطني الجزائري، يهتم بالصحافة وقضاياها وبالمسرح الجزائري وتاريخه وله فيهما أبحاث ومؤلفات عديدة.

أنور محمد