لم يسمحوا لي بالذهاب إلى العين رغم أن بعض الفتيات من العائلة ذهبن قبل إشراق الشمس، رحت أتخيلهن يسحبن الماء ويدلقن فائضه على الأرض حول جرارهن، سلط أبي نظرة مخيفة فوق صدري، فانحسر خيالي سريعاً.
واشتعلت الندبتان اللتان تشكلتا مؤخراً على صدر ممهد، ارتبكت، تلطخت صفحة وجهي باحمرار أزرق، ونظرت هلعاً إلى محيط صدري ،كان الثوب فضفاضاً بصورة كافية، ولكن عيني أبي اخترقتا الحجاب، كان غاضباً كظيماً، أنفاسه تهمر كضبع جريح، أعرف أنه لا يعفيني من المسؤولية، ولكني لا أعرف كيف أعتذر عن وقاحة الطبيعة المندسة تحت ثوبي، استدرت تماماً وتشاغلت برفع الصحون عن الأرض، كنا تحت شجرة التين الوارفة، انتهينا للتو من تناول المقلوبة الباردة، وقال بصوت خشن يأمرني
: - هاتي المي
تكعبلت بحجر صغير وأنا أقفز خطوتين لالتقاط أبريق الماء البلاستيكي، أمي أيضاً كانت مضطربة، لكنها قالت لي
: - طسي قدامك .
يسترخي أخي مدللهما الحبيب تحت الشجرة، ويعبث بغصن انكسر وتدلى، وفي عينيه بريق سخرية وتحفز للانضمام إلى هجومهما المتوقع، لم تكن كفي ثابتة وأنا أريق الماء فوق كفي أبي، لكن منظر الصابونة الخضراء المربعة تتزحلق من كف إلى كف ببراعة ثم تبقبق رغوة بيضاء أفرحني بعض الشيء، فرحة لا معنى لها ولا معنى لإظهارها، جدت بالماء وهو يتخلص من رغوة الصابون، وينفض كفيه منهياً بحزم عملية الغسل.
وقبل أن أتحرك تمد أمي البشكير الصغير، فينتشه، لا يبدو أبي شاكراً على هذه الإحاطة الناعمة المتفانية، يزداد غضباً بعد الطعام كأنه ما زال جائعاً، وأخي يركل بقدميه جذوع الشجر مثل وحش حبيس يشعر بالملل ويجهل ما عليه أن يفعل ليتسلى .
مر سرب البنات العائدات من عين «الجادور»، فتراجعت بعيداً عن عيني أبي خطوات، لم أطلب مرافقتهن أساساً، ولسن صديقاتي رغم صلة القربى التي ننتهي إليها كلنا في قريتنا الصغيرة،، يبدي أبي صداً عنيفاً لتحياتهن العابرة، تدس إحداهن رأسها في كم الأخرى ثم تنفجران ضحكاً.
أنا وأمي نتظاهر بأننا لم نراهن، وأبي يتمتم لاعناً ميوعة التربية وغياب عصر الجولة، في حين اتخذ أخي وضع القرفصاء مسنداً ظهره إلى قائمة شجرة اللزاب، وجهة يطفح بالإثم والبلاهة، أتوارى خلف «مدرقة» أمي السوداء الفضفاضة، وينفرط في قفصي الصدري بكاء جاف أبكم، لا صوت ولا دموع، ولا أسباب له .
رقت النسمات بعد الظهر، واسترخت الأبدان، كأننا جميعاً متنا، إلى أن اقتحم هدوء المكان صوت محرك غريب يدلل على اقتراب سيارة، قفز أخي من مكانه وأثار التراب في وجهي، ولف أبي جسده بالعباءة جيداً، ممرراً كفيه فوقها مرات.
كما يفعل عندما يأتينا ضيف، تأكد من نظافتها وملاستها، واعتلي المرتفع الذي يفصلنا عن طريق المشاة، راقبنا تصاعد الأغبرة التي تتقدم السيارة وتلحق بها، صار أبي في الطريق تماماً فلوح بذراعه محيياً، هكذا يتصرف عادة مع المارة، شهامة من نوع خاص، وأظن أنها تتعلق بملله ورغبته في أن يشاركنا غريب هذه الجلسة الباهتة، تمهلت السيارة رغم استمرار خشيشها وتوقفت فوق رؤوسنا تماماً .
وهتف شقيقي مصعوقاً
:- مره .. مره ..
ثم همس وأنفاسه تتقطع
:- والله ..مره
من موقعي أسفل الطريق كنت أستطيع أن أرى والدي يدس رأسه في نافذة السيارة، وسمعت صوته يلهج بالترحيب المفتعل ،بدا صوته منفعلاً فرحاً، وهو يقول
: حيا الله الضيوف، ميلوا .. كاسة شاي يا الاجاويد .
انفتح الباب المعدني وتقهقر جسد أبي مفسحاً درباً، وانزلقت من السيارة قدم ممتلئة بضة في حذاء من الأربطة السوداء، تبعتها قدم أخرى، استقامت القدمان تحت تنورة نسائية ضيقة، كاد صواب أخي يضيع وبياض القدم يلتمع في ضوء الشمس وشلتني الدهشة .
تأبط والدي ذارع المليحة هابطاً نحونا، و جسدها يرتج وهي تتحايل على خطواتها فوق الحصى والشوك .
: - مدي الطراحة يا حرمة .. اجانا ضيوف ..
أمي مثل معتوهة، نفضت الطراحة، فغمرتني بالتراب والقش المتطاير، كنت أنفض ما علق في جدائلي وعيني وأمي تفرد الطراحة باحترام كبير، هبط رجل جهم وراء المليحة التي ترتدي ثياباً ملتصقة بجسدها، تنورة سوداء يكاد اللحم ينفلت منها، وجاكيت طرزت فوقه وردة حمراء كبيرة، أكبر من كل وردة رأتها عيني في حقل ،تغطي الجانب الأيسر من الجاكيت.
بينما ترك الأيمن أخضر دون تطريز، قميص دانتيل تلوح كشكشته من فتحة الجاكيت لكنه لا يمنع فرجة الصدر الريان الرجراج أن تلوح عند كل خطوة، أصيب أخي بصمم وبكم مؤقتين قبل أن يهرع إلى دلال القهوة بناءً على أوامر أبي .
بدا الرجل الذي يرتدي البدلة المدنية حائراً في كيفية الجلوس فوق الطراحة، شبك قدميه ولم يتمكن من الارتكاز على عجيزته، مددهما واستراح ،وهو يبدى عجبه لبراعة والدي في ذات الجلسة، في حين ثنت المليحة قدميها بالتعامد مع فخذيها، ولم تبدو منزعجة لانحسار تنورتها عن مزيد من اللحم، وضحكت ذات العيون السوداء المكحلة وغمزت بعينها، ففقعت ضحكتها في فؤادي، فأصابني ما أصاب أخي من غياب جذري عن العالم، تبسط الرجل وهو يخاطب أمي كأنه خالي !!
: - شو ؟؟ مش عارفة الست سميرة ..؟؟
لم يمانع أبي أن يوجه غريب الحديث إلى زوجته، و تمتمت أمي وكفها يغطي شفتيها، لا يمكن فهم ما قالته، ولكني توجست أن يقصد الرجل الغريب سخرية ما من أمي، واصل تبسطه باستهجان واضح
: - الست سميرة ... سميرة توفيق ...
ضحكت المرأة الصارخة الحضور والأنوثة مجدداً بصوت مرتفع، ففقع قلبي مجدداً، لعلهما يسخران !! أو يضحكان فحسب، إذ إن أبي وأمي كانا سعيدين، تسمرت عيناي فوق أناملها المدورة البيضاء وخاتمها الأزرق، والطلاء الأحمر الذي يجعل أظافرها طويلة ومدببة، لكزتني أمي ولكني لم أتحرك، وقال الرجل المدني وقد سوى جلسته فوق الطراحة بعد معاناة جعلته يبدو منزعجاً
: - ما بتسمعوا أغاني ؟؟ ما بتروحوا سينما ؟ ما بتشوفوا ست سميرة .. ؟؟
وردد أبي بهبل
: - سينما !!
كانت ضحكة الست سميرة منخفضة بعض الشيء هذه المرة، فراق قلبي ورق، وتبخرت هواجسي حول الغريبة التي قالت
:- وبعدين !!.. ما لك ومال السينما ؟.. كلنا حبايب وأهل .
لا أعرف كيف يمكن أن نكون كلنا حبايب وأهل، ولكن لون أظافرها فتنني تماماً وجعل قلبي يتقافز.
مدت يدها صوبي فتجمدت، لمست شعري برقة وعفوية، مررت كفها مرتين فوق رأسي وهي تبتسم، وتمنيت الموت لحظتها، من المؤكد إنها ستكتشف اتساخ شعري وتزعج من عوالق القش والتراب فيه، كدت أبكي، لكنها شتت انتباهي عندما قالت بلطف وحنان
: - عاجبك المناكير ؟؟
لم أعرف أنها تخاطبني، لم أفهم معنى كلماتها أساساً، ولم أحر جواباً، اتسعت ابتسامتها ومدت أناملها أمامي وهي تشير بكفها اليسرى إلى أظافر الكف اليمنى
: - هذا .. هذا مناكير .
لعلي هززت رأسي، لعلي لم أفعل، لم أكن في حالة تسمح لي بمعرفة خلجات جسدي، هكذا كأني تلاشيت، لكنها عاودت التربيت فوق شعري المتسخ، وعاودتني الرغبة في البكاء، ثم مدت يدها إلى حقيبة كبيرة في كتفها، وفتحتها، مخرجة زجاجة صغيرة، قدر مرود الكحل، حمراء، فكتها ببطء وسحبت غطائها المعلق بريشة ملطخة بالأحمر القاني، وتناولت يدي، ارتعش كفي الصغير بين أناملها، وبدت الأتربة سوداء حول أظافري، فركتها بنعومة كأنها لا تعاتبني على هذا الاتساخ.
ثم راحت بريشتها الرطبة تلون أظافري، وتجمدت تماماً، توقفت الحياة عن الدوران، ولم أعد قادرة على التقاط أنفاسي، لا أرى إلا ريشة ترسم احمراراً فوق أظافري، لا أسمع شيئاً، لا أحس، كأني في حالة طيران مفزع يقتلعني من المكان، ظلت كفي ترتعش لدقائق بين كفيها، وتلونت كما هي أظافرها، عندما انتهت، قربت رأسها ونفخت بهدوء هواء لطيفاً بارداً فوق الطلاء، فانهمرت دموعي ..
تعجبت الست سميرة
: - مالك يا حلوة ؟؟ ما بتحبي المناكير ..
وضحك الرجل المرافق قائلاً
: - الله يسامحك شو بيعرف هالطفلة بالمناكير، تلاقيها عمرها ما راحت سينما ..
أسرتي راقبت المشهد بصمت، لا أعرف كيف كانت وجوههم، لم أرهم حينها، ولكنهم الآن يتصرفون وكأن شيئاً لم يكن، أعدت أمي الشاي، وسكب أخي القهوة، ومسد أبي حطته وعباءته أكثر مما تحدث عن كرم التين والعنب، و حكى له الرجل الغريب أسباب تشريف الست سميرة الشهيرة إلى قريتنا الصغيرة، وأنا، كنت أولد أو أموت .. سيان .
تطعجت الست سميرة وهي تصعد التلة من جديد، وأبي يكاد يسند عجيزتها، وأمي تمد له يد المساعدة، وتكاد تنكفئ على وجهها عجلة وارتباكاً والرجل المدني يتبعهما متأففاً بلا سبب، وأخي يدور مثل الميلويله في السوق، وأنا صرت صنماً من ملح . عجاج السيارة سبقها ولحق بها وهي تقلع من كرمنا، وظل أبي لحظات طويلة يشيع المغادرين بعينيه أعلى التل قبل أن يهبط، تتدحرج خلفه أمي .
لم أعرف ماذا عنت عندما تمتمت
: - الحافظ الله .. يا ساتر .
ومصمص أبي شفتيه وبرمها وبصق قطعة كبيرة من أحشائه لطخت حجراً، شعرت بالقرف، لكني تحولت إلى الرعب مباشرة، عندما صاح أبي
: - اغسلي هالخرى اللي ع ايديكي ..
كنت المقصودة ..
قفزت بهلع إلى أبريق الماء، حاولت أن تغسل كفي الأخرى، فركت أناملي بحرقة، فازدادت بريقاً، تسللت أمي ورائي و ناولتني صابونة أبي المربعة، ما زال رسم الجمل واضحاً وبارزاً رغم استخدام الصابونة، رحت أفرك أناملي بسنام الجمل على ظهر الصابونة، فركت جيداُ، وشخر أبي على بعد خطوات مني قائلاً
: - افركي مليح ..
فركت بقوة، لم أكن أريد أن يقترب مني أحد، فركت بإخلاص، ولكن اللون ظل عالقاً وبهياً وفاجراً، شد أخي ساعدي وفرك بقسوة وغضب فأوجعني، آلمني ذراعي، ثم اللحم الميت حول أظافري، تأوهت، فضربني بعنف فوق كتفي صائحاً كأنه يعلن خطيئتي
: - ما بروح.. مثل الزفتة ..
زمجر أبي
: - هات الشفرة ..
كانت شفرة الحلاقة الخاصة بأبي ترافقه في حقيبة بالية دائماً، وقد أخرجها أخي متحمساً كأنها الحل الأكيد، أجلسوني على حجر ضخم، وأمسكت أمي كتفي، بلطف أولاً، ثم مع اقتراب أبي شاهداً على ما توافقوا على إجرائه، شدت بعنف أكثر تعفيه من استخدام ذراعيه الضخمين، شتمتني وتحسرت على الابتلاء بالبنات.
انكمشت بين ذراعيها، أحاول التوقف عن الحركة منعاً لتصاعد العنف فوق بدني المرتجف، تصببت دموع بكائي الصامت، غالبت نفسي كي أواصل ما تدربت عليه من سكون ريثما يمر الغضب، لكن لحظة التقت شفرة الحلاقة المسننة بسطح أظافري وراحت تخرشها وتنحت بصورة عشوائية مسقطة طبقة الطلاء البلاستيكية، كاشفة عظماً مجروحاً، ولحماً دامياً، منفلتة حول أطراف الأصابع، تاركة جراحها فوق اللحم اللين، انفرط قلبي وصحت ببكاء عال، خافت أمي فشدت بكل قواها تثبت كتفي صارخة
:- انخمي .. اخمدي .. لا تنجرحي ..
جاءت سميرة وراحت سميرة وما تبقي لي منها إلا جروح في أطراف أصابعي وأظافر مشققة، وقلب تفتق مرات ..
بقعة ضوء
ولدت القاصة والروائية سميحة علي خريس في عمان ـ الأردن عام 1956، عملت في مجال الصحافة والإعلام منذ عام 1978. حصلت على جائزة الدّولة التشجيعيّة في الآداب عن روايتها شجرة الفهود ـ تقاسيم الحياة عام 1997.
عضو في العديد من الروابط والهيئات الثقافية كرابطة الكتاب الأردنيين ورابطة كتاب وأدباء الإمارات، كما أنها عضو في نقابة الصحافيين الأردنيين. حوَّلت رواياتها شجرة الفهود، خشخاش دفاتر الطوفان إلى أعمال درامية قدِّمت عامي 2002 و2003 من خلال الإذاعة الأردنية.
من مؤلفاتها:
شجرة الفهود: تقاسيم الحياة، دار الكرمل، عمان، 1995.
أوركسترا: مجموعة قصصية، دار الكندي، إربد، 1996.
شجرة الفهود: تقاسيم العشق، دار شرقيات، القاهرة، 1997.
القرميّة: رواية، منشورات أمانة عمان، 1998.
خشخاش: رواية، دار الدراسات العربية، بيروت، 2000.
سميرة تصعد التلة
تطعجت الست سميرة وهي تصعد التلة من جديد، وأبي يكاد يسند عجيزتها، وأمي تمد له يد المساعدة، وتكاد تنكفئ على وجهها عجلة وارتباكاً والرجل المدني يتبعهما متأففاً بلا سبب، وأخي يدور مثل الميلويله في السوق، وأنا صرت صنماً من ملح . عجاج السيارة سبقها ولحق بها وهي تقلع من كرمنا، وظل أبي لحظات طويلة يشيع المغادرين بعينيه أعلى التل قبل أن يهبط، تتدحرج خلفه أمي .
بقلم: سميحة خريس
