السؤال المهم الذي يطرحه كتاب « الصين والديمقراطية » : هل ستتوصل الصين إلى الديمقراطية مثلما توصلت إلى الرأسمالية؟ بمعنى آخر: هل ستؤدي الرأسمالية الاقتصادية بشكل أوتوماتيكي إلى الليبرالية السياسية والديمقراطية؟ ومعلوم أن بعض الأطروحات الماركسية تمشي في هذا الاتجاه وتقول بأنه لا يمكن أن يتغير الاقتصاد دون أن ينعكس ذلك على السياسة.
وهذا ما كان يتوقعه الكثيرون، ولكن يبدو أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك. فالصين قارة لوحدها والرأسمالية لم تكن نافعة للجميع. فمئات الملايين من سكان الأرياف لا يزالون في فقر مدقع. ووحدهم سكان المدن أو بعض شرائحهم استفادوا من الفورة الاقتصادية والانفتاح على الرأسمالية منذ عام 1980 في عهد دينغ شياوبنغ؟ بل وظهرت طبقة من الأغنياء الجدد الفاحشة الثراء. وهي التي تمضي عطلتها السياحية في عواصم الغرب من باريس إلى لندن إلى برلين إلى نيويورك وتشتري العطور وأحدث أنواع السلع الاستهلاكية والكمالية بثمن باهظ.
ثم يردف المشرف العام على الكتاب قائلا: لا ريب في أن الصين استفادت من العولمة الرأسمالية وعرفت كيف تسيطر على اقتصاد السوق والتكنولوجيا العالية بسرعة مدهشة. ولا ريب في أنها استدركت تأخرها بالقياس إلى الغرب وإلى اليابان في ظرف سنوات معدودات: عشرين سنة فقط.
والكثيرون يتوقعون لها مستقبلا باهرا بل وأن تصبح القوة العظمى الأولى في العالم بعد ربع قرن أو ثلاثين سنة. ولكن على الرغم من كل هذه النتائج الباهرة والآفاق الواسعة إلا أن الصين لا تزال بلدا من بلدان العالم الثالث من الناحية السياسية.
فهي لا تزال محكومة بشكل استبدادي من قبل الحزب الشيوعي الصيني. وبالتالي فلا توجد فيها تعددية حزبية ولا صحفية ولا تناوب على السلطة ولا أي شيء مما يميز الدول الديمقراطية عادة. وبالتالي فهناك تناقض بين النجاحات الصارخة التي تحققها الصين على الصعيد الاقتصادي والجمود السياسي إن لم نقل الانغلاق الكامل من الناحية السياسية. وهذا انسداد خطير لا يمكن أن يدوم طويلا. وقد ينتهي بالانفجار كأي انسداد.
فهل يمكن أن يستمر الأمر على هذا النحو إلى الابد؟ ألن تتغير الصين سياسيا أيضا مثلما تغيرت اقتصاديا؟ وهل يمكن لها أن تنفتح اقتصاديا وتظل منغلقة سياسيا؟ ألا يتعارض ذلك مع المبادئ الماركسية للتطور البشري؟ أسئلة كثيرة تطرح على حاضر الصين ومستقبلها. وللإجابة عليها فإن الباحثين المشاركين قسموا الكتاب إلى العديد من الأجزاء والفصول. فالمقدمة كتبها المشرف العام على الكتاب البروفيسور بيير-ايتيين ويل.
يليها الجزء الأول تحت عنوان: التراث وإعادة البناء؟ وقد كتبه الباحث المذكور أيضا. وهنا يطرح إشكالية طالما شغلت المفكرين في الغرب والشرق: هل التراث الصيني عبء على النهضة والديمقراطية السياسية؟ هل يعرقل مسيرة الصين نحو التوصل إلى نظام سياسي تعددي، حر، ديمقراطي؟ هنا نجد أطروحتين متعاكستين لدى المثقفين الصينيين أنفسهم.
فأتباع الهوية والتراث يقولون بأن عقيدة الصين هي الفلسفة الكونفوشيوسية الموروثة منذ آلاف السنين وستبقى. وهي عقيدة مختلفة عن عقيدة الغرب من كافة النواحي. فالعقلية الصينية ليست قائمة على النزعة الفردية كما في الغرب وإنما على القيم العائلية والجماعية واحترام الصغير للكبير. وبالتالي فنظرية حقوق الإنسان التي يتباهى بها الغرب لا تنطبق على الشعب الصيني.
فلكل مجتمع قيمه وعاداته الراسخة ولا ينبغي فرض النموذج الغربي على كل الشعوب. ينبغي احترام خصوصياتها وهوياتها الثقافية. وبالتالي فليكف الغرب عن مهاجمة الصين والتشهير بها والقول بأنها لا تحترم حقوق الإنسان، إلخ. فالصين لديها تصور آخر عن حقوق الإنسان. وينبغي على الغرب أن يفهم ذلك. فحضارته ليست مطلقة ولا كونية على عكس ما يزعم وإنما نسبية.
هذا هو باختصار شديد موقف أتباع الأصالة والخصوصية التراثية الكونفوشيوسية في الصين. ولكن هناك تيار آخر مضاد له هو تيار التحديثيين أو المستغربين: أي المعجبين بالحضارة الغربية والذين يريدون نقل قيمها إلى الصين. وهؤلاء يقولون لك بأن الكونفوشيوسية هي سبب جمود الصين وتخلفها المزمن. وبالتالي فما على الشعب الصيني إلا أن يتخلى عن تراثه القديم ويتبنى الحداثة كنموذج أول وأخير للتطور.
الكتاب الأضخم
أشرف على تأليف هذا الكتاب الضخم بيير- ايتيين ويل الأستاذ في الكوليج دو فرانس وميري ديلماس- مارتي الأستاذة في جامعة السوربون. وشارك فيه ما لا يقل عن عشرة باحثين آخرين. وربما كان أضخم كتاب في اللغة الفرنسية عن الصين وحاضرها ومستقبلها.
الكتاب: الصين و الديمقراطية
تأليف: جماعي بإشراف: ميري ديلماس مارتي وبيير ايتيين ويل
الناشر: فايار ـ باريس 2007
الصفحات: 894صفحة
القطع: الكبير
La Chine et la démocratie
Mireille Delmas-Marty,
Pierre-Etienne Will
Fayard - Paris 2007
P.894

