أكبر دليل على أنانية العالم الغربي أنه لا يقدم فائض غذائه إلى تلك البلدان الفقيرة. ومعلوم أن ثروات البشرية تتمركز في يد بعض الدول الغنية في أوروبا وأميركا الشمالية واليابان. هذا في حين أن الفقر يسود بقية مناطق العالم بدرجات متفاوتة.

لا ريب في أن الأمم المتحدة تقدم ما تستطيع من مساعدات من خلال برنامج التغذية العالمية. ولكن إمكانياتها تظل محدودة قياسا إلى حجم المجاعات التي تصيب منطقة القرن الإفريقي بشكل خاص ومناطق أخرى من إفريقيا وآسيا بشكل عام كبنغلاديش وسواها. فإذا لم تزد الدول الغربية من مساعداتها فإن الأمم المتحدة لا تستطيع أن تفعل أكثر مما تفعله. وهذه المجاعات القاتلة تصيب بشكل خاص المناطق الرعوية والريفية من شمال وشرق كينيا، بالإضافة إلى جنوب إثيوبيا، وجيبوتي وجنوب الصومال أو قل كل الصومال حاليا.

فهذا البلد المعذب الصابر مبتل ليس فقط بالجفاف والفقر والمجاعات وإنما أيضا بالحرب الأهلية المدمرة. وأما الحرب الأهلية فإنها تقضي على ما تبقى من سكان الصومال أو تحولهم إلى نازحين ولاجئين في الدول المجاورة.

فقد تدفقوا مؤخرا على الدول القريبة هربا من المجازر والقتال الدائر في العاصمة مقديشو أو بعض المدن والمناطق الأخرى. لقد تدفقوا على كينيا وإثيوبيا وسواهما.وأما في إثيوبيا فهناك عدة ملايين مهددون بالجوع بسبب الجفاف أيضا، وقد وجهت الأمم المتحدة والسلطات المحلية نداء عاجلا للجماعة الدولية في السنوات الأخيرة لكي تقدم المساعدة الفورية إلى البلاد. فإثيوبيا لا تريد أن تعيش من جديد نفس الكابوس الذي عاشته سابقا عامي 1972 ـ 1973، ثم 1984 ـ 1985. ومعلوم أن المجاعة حصدت آنذاك مئات الآلاف من السكان.

ويقول أحد التقارير تحت عنوان: المجاعات تكتسح إفريقيا، ما يلي: إن المجاعة لم تعد تهدد دول القرن الإفريقي فقط وإنما كل إفريقيا السوداء أيضا وربما إفريقيا البيضاء وبخاصة مصر المزدحمة بالسكان. وبالنسبة للإنسان الغربي الذي لم يعد يعرف معنى المجاعة منذ القرون الوسطى فإنه يصعب عليه أن يدرك فداحة الأمر. فهو يعيش حياة البذخ والترف في مجتمع مليء بالسلع الاستهلاكية من كل الأصناف والأنواع.

انظروا إلى خارطة إفريقيا وثبتوا أنظاركم على المنطقة الممتدة من موريتانيا والسنغال غربا وحتى مالي وفولتا العليا والنيجر والتشاد شرقا على مدار الصحراء الشاسعة الواسعة. فماذا تجدون؟ تجدون أنه يعيش في هذه المنطقة التي بلغ طولها ثلاثة آلاف وخمسمئة كيلومتر والمدعوة بمنطقة الساحل حوالي خمسة وعشرون مليون نسمة. وهم جميعهم على حافة الجوع لسبب بسيط، هو أن بلادهم محروقة بالشمس منذ خمس سنوات ولم تنزل فيها نقطة مطر إلا نادراً.

وفي الجهة الأخرى المقابلة للسودان تجدون إثيوبيا. وهناك أيضا يسود الجفاف المرعب منذ سنوات. وبالتالي فإن اثنين من الأقاليم الإثيوبية الكبيرة أصبحا عرضة لهذا الوباء الخطير: المجاعة القاتلة. فإذا كانت درجة الحرارة في الظل تبلغ الخمسين تقريبا، فماذا يستطيع الناس أن يفعلوا؟

لا شيء.في الماضي كانت هذه الأراضي نصف خصبة وقابلة لبعض أنواع الزراعات. ولكنها الآن أصبحت صحراء قاحلة، ميتة. وبالتالي فإن المساعدة الدولية العاجلة هي الحل الوحيد لإنقاذ سكان الساحل الإفريقي. فهل سيتحرك الضمير العالمي لكي يفعل ذلك؟

نعم إن الملايين هناك مهددون بالموت إذا لم يسقط المطر أو إذا لم تسرع الجماعة الدولية إلى إرسال المعونات الغذائية من قمح وطحين ومعلبات وسواها. نحن هنا في سباق مع الزمن: فإما أن يسبقنا وباء المجاعة ويحصد ملايين السكان قبل أن نصل، وإما أن نصل مع مساعداتنا قبل أن يفتك بهم هذا الوباء.

أما فيما يخص الحروب الأهلية ومشكلة اللاجئين الناتجة عنها بالضرورة فيقول المؤلف ما معناه: إن الحرب الأهلية التي دارت في ليبيريا وسيراليون أدّت إلى نزوح حوالي المليوني شخص من ديارهم وتحولهم إلى لاجئين. وأما حرب انغولا فقد سبّبت حوالي النصف مليون لاجئ ممن ذهبوا إلى الدول المجاورة بطبيعة الحال.

وأما حروب بوروندي ورواندا وشرق زائير فقد أدت إلى نزوح أكثر من مليون وسبعمئة ألف شخص من مناطقهم وتحولهم إلى لاجئين. وأما حروب القرن الإفريقي فقد أنتجت ما لا يقل عن مليون ونصف لاجئ. هكذا نلاحظ ان القارة السوداء تدفع ثمنا باهظا بسبب تفاقم عدة عوامل دفعة واحدة.

المؤلف في سطور

مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور ونديم أسريس أستاذ العلوم السياسية في جامعة أمستردام بهولندا. وهو من أصل إثيوبي وكان قد تخرج سابقاً من جامعة أديس أبابا. وهو مختص بشؤون منطقة القرن الإفريقي التي تشغل العالم حالياً بحروبها ومجاعاتها ومهجريها ولاجئيها.. إلخ.

الكتاب: الدولة وأزمة مؤسساتها وهجرة اللاجئين في القرن الإفريقي

تأليف: ونديم أسريس

الناشر: منشورات ريد سي نيوجرسي 2008

الصفحات: 446 صفحة

القطع: الكبير

The state, the crisis of state institutions and refugee in the Horn of Africa

Wondem Asres

Red Sea Publications

New jersey 2008

P.446