وصل كيبلنغ إلى ذروة مجده الأدبي في العقد الأول من القرن العشرين. وتوج هذا المجد عام 1907 بنيله لجائزة نوبل للآداب. وقالت الأكاديمية السويدية العريقة لتبرير اختيارها ما يلي: لقد منحناه الجائزة نظرا لقدرته على الإبداع الخارق وقوة الأفكار التي تنضج بها أعماله ورواياته المشهورة عالميا.

منذ البداية يضعنا دافيد ألان ريتشاردز مؤلف كتاب روديارد كيبلنغ: «الكتب التي خلّفتها ورائي» في قلب الحدث حيث يقول بما معناه : منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين ظل كيبلنغ واحدا من أشهر الكتاب الانجليز وأكثرهم شعبية ورواجا. ومعلوم أنه اشتهر بالتنظير للاستعمار وبعبارته الشهيرة: الشرق شرق، والغرب غرب ولن يلتقيا. ولكن هل هذا صحيح؟ أو قل هل هذا للدلالة على فكره وشخصيته وحياته؟ في الواقع أن الأمور أكثر تعقيدا من ذلك. وللإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نعود إلى الوراء لكي نعطي فكرة عن حياة هذا الكاتب الكبير وأعماله.

ولد جوزيف روديارد كيبلنغ عام 1865 في مدينة بومباي بالهند. وهذا يعني أنه كان من عائلة استعمارية انجليزية تحتل الهند منذ زمن طويل. وكان أبوه نحاتا وأستاذا للفنون الجميلة في جامعة بومباي. وكان والداه عندما أنجباه قد وصلا للتو إلى الهند بعد أن التقيا في انجلترا بالقرب من بحيرة روديارد. ولذلك سمياه روديارد.

ثم سافرا مباشرة تقريبا إلى الهند التي كانت مستعمرة بريطانية كما هو معروف. ويرى أحد النقاد أن والديه كانا يعتبران نفسيهما من الانجليز والهنود في ذات الوقت. وكانا يريدان أن يشعر طفلهما بنفس الهوية المزدوجة على الرغم من أنه عاش معظم حياته خارج الهند. من هنا مشاكل الهوية التي تنضح بها رواياته الأولى. فهو تارة يشعر بأنه هندي من حيث الولادة على الأقل، وتارة انجليزي. ولكن الانتماء الانجليزي الغربي يتغلب عليه بطبيعة الحال.

وعندما بلغ السادسة من عمره أرسله والداه مع أخته الصغيرة إلى انجلترا لكي يتلقيا التعليم والتربية الانجليزية هناك وكالعادة سكن عند عائلة مختصة باستقبال أبناء الانجليز المهاجرين إلى الهند. وقد مكث في أحضان هذه العائلة ست سنوات أيضا. ولم ينس ذلك لاحقا فبعد ستين سنة من الحادثة كتب في سيرته الذاتية يقول: كانت الحياة عند تلك العائلة من أبشع ما يكون. وربما هي التي شكلت لدي العصاب النفسي الكافي لكي أصبح كاتبا.

ولكن لحسن الحظ فإنه كانت لعائلتهم قرابات كثيرة في انجلترا وبخاصة في لندن. وبالتالي فكان يمضي الأعياد وفترات أخرى من السنة عندهم في سعادة كاملة. وهكذا كان يهرب من جحيم تلك العائلة الانجليزية التي كان يعيش في أحضانها. وقد قال لاحقا بأن هذا الهرب إلى لندن والعيش في كنف أقارب يحبونه أنقذه من الجنون. وكان يشعر بأنه دخل الجنة عندما يصل إلى بيتهم.

وهذا أكبر دليل على أن الطفل حساس جدا بطبيعته وأن المعاملة الناشفة أو القاسية تترك بصمات لا تمحى لاحقا. ولكن هل كان والداه يعرفان أن العائلة التي أرسلاه إليها كانت فظة وعنيفة معه إلى هذا الحد؟ على أي حال فمن الخطر أن تضع أطفالك الصغار عند عائلة أخرى إذا لم تكن متأكدا من طيبتها ورقتها في التعامل معهم و حسن التربية الإنسانية.

ويضيف المؤلف قائلا: مهما يكن من أمر فإن روديارد كيبلنغ دخل المدرسة العسكرية عام 1878 وهو في الثالثة عشرة من عمره لتحضيره للمهنة العسكرية، وعلى الرغم من أنه لقي صعوبات في التأقلم فيها إلا أنه استطاع التغلب عليها لاحقا وتشكيل بعض الصداقات الدائمة. وفي تلك الفترة وقع في حب فتاة تدعى فلورانس غاراد التي كانت صديقة لأخته.

ولكنه كان حبا عذريا أفلاطونيا لم يؤد إلى أي نتيجة. وقد خلّد هذا الحب لاحقا برواية جميلة عنوانها: الحب الذي انطفأ. وكانت أولى رواياته، وقد صدرت وعمره خمسة وعشرون عاما. وقد جعل من فلورانس هذه بطلة الرواية، وهذا أكبر دليل على مدى العلاقة بين الحياة والكتابة الأدبية وبخاصة الروائية. فالكتابة الواقعية ما هي إلا انعكاس للحياة.

ولكن بعد انتهاء دراساته في المدرسة الانجليزية لم يستطع والده تأمين المال اللازم لكي يدخل ابنه جامعة اكسفورد العريقة. ومعلوم أنها كانت تطالب بأقساط باهظة. ولم يكن يدخلها آنذاك إلا أبناء العائلات الموسرة. ولهذا السبب قرر والده تأمين وظيفة له في مدينة لاهور التي كانت هندية آنذاك وأصبحت الآن باكستانية. فقد وجد له عملا كصحافي في إحدى الجرائد الانجليزية المحلية.

وهكذا عاد الشاب كيبلنغ إلى الهند بعد طول غياب عام 1882 وهو في السابعة عشرة من عمره. والتحق بالجريدة وأخذ يكتب فيها المقالات على الرغم من صغر سنه. بل وراح هذا الشاب الموهوب جدا ينشر قصصه القصيرة في الجريدة بطلب من رئيس التحرير بعد أن اكتشف عبقريته. وهكذا نشر حوالي أربعين قصة قصيرة بين عامي 1886-1887. وقد جمعها فيما بعد ونشرها تحت عنوان: حكايات بسيطة من التلال. لقد نشرها في مدينة كالكوتا وعمره لا يتجاوز الثانية والعشرين. وهذا يعني أنه كان كاتبا مبكرا فعلا.

ثم سرحوه من العمل بعد أن حصل خلاف مع مدير تحرير الجريدة. فقرر مغادرة الهند والعودة إلى لندن عاصمة الأدب الانجليزي كله وعاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها. ومعلوم أن انجلترا كانت آنذاك القوة العظمى الأولى في العالم تماما مثل أميركا حاليا.

ولكنه في أثناء العودة عرج على عدة بلدان لكي يزورها ويكتشف العالم. وهكذا زار اليابان وهونغ كونغ وسان فرانسيسكو واخترق كل أميركا تقريبا حتى وصل إلى كندا. ثم سافر بعدئذ مباشرة إلى انجلترا حيث استقر في غرفة صغيرة بمدينة لندن. وقد خلّد هذه الرحلة الطويلة بكتاب يحمل العنوان التالي: من بحر إلى بحر.

المؤلف في سطور

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الأميركي دافيد ألان ريتشاردز خريج جامعة ييل الشهيرة. وهو يقدم هنا صورة شاملة عن الكاتب الانجليزي الشهير كيبلنغ.

الكتاب: روديارد كيبلنغ: الكتب التي خلفتها ورائي

تأليف: دافيد الان ريتشاردز

الناشر: مطبوعات جامعة ييل ـ 2007

الصفحات: 148 صفحة

القطع: الكبير

Rudyard Kipling, the books I leave behind

David Alan Richards

Yale University Press- 2007

P.148