يرى المساهمون في الكتاب أن مرض الايدز الذي أصبح وباء العصر بامتياز، كالطاعون في القرون الوسطى و كان مرض العصر في حينه حيث قضى على الملايين دون أن يستطيع أحد مداراته أو تحاشيه، فإن مرض الايدز (أو السيدا) هو الاخر كما يقول الفرنسيون أصبح وباء القرن العشرين. وكذلك الأمر فيما يخص مرض السل سابقا، أو مرض الزهري الذي يصيب المرء في حياته الجنسية تماما كالايدز.

ويقدم الكتاب المعلومات الخطيرة التالية عن هذا المرض ويقول: إن مرض الايدز مسؤول اليوم عن موت واحد بالمائة من الفرنسيين. وبالطبع كان يمكن للأمور أن تكون أشد خطورة لولا العلاجات والأدوية التي أوجدوها له ولولا أن المجتمع الفرنسي متقدم طبيا. ولكن ليست هذه هي حال الدول الإفريقية الفقيرة للأسف الشديد. واليوم يوجد في العالم حوالي الأربعين مليون شخص من المصابين بهذا المرض الخطير، ونصفهم أو أكثر يعيش في إفريقيا السوداء. وعلى الرغم من كل البحوث والمختبرات التي كرست لهذا المرض إلا أنهم لم يكتشفوا بعد الدواء الحاسم والشافي منه.

ثم ينتقل الكتاب إلى موضوع آخر مختلف تماما هو الفرانكوفونية ويقول ما معناه: في القرن الثامن عشر كانت اللغة الفرنسية هي لغة أوروبا المستنيرة. كانت لغة النخب المثقفة والسياسية. وكان ملك بروسيا فريديريك الكبير يفتخر بأنه يتقن الفرنسية ويتحدث بها في بلاطه حيث تجرى مناقشات عالية المستوى بين الفلاسفة.

وأما اليوم فقد تقلصت اللغة الفرنسية إلى أقصى حد ممكن ولم تعد اللغة الأولى في العالم ولا حتى الثالثة أو الرابعة. فقد هيمنت عليها الانجليزية وسبقتها الاسبانية بل وحتى العربية. ولهذا السبب أسس الرئيس فرانسوا ميتران منظمة للدفاع عنها باسم منظمة الفرانكوفونية. وهي تعقد اجتماعات سنوية، أي اجتماعات قمة لرؤساء الدول والحكومات التي تنشر فيها هذه اللغة، وكل ذلك بهدف التشجيع على ممارستها أو تعلمها.

ثم يردف الكتاب قائلا: يوجد اليوم في العالم مائة وخمسة وسبعون مليون شخص ممن يتكلمون الفرنسية أو يعرفونها على الأقل. وهم يتوزعون على بلدان المغرب العربي وبلدان إفريقيا السوداء كالغابون، وساحل العاج، والكاميرون، والسنغال، والكونغو. وفي المحيط الهندي هناك مدغشقر، وفي الشرق الأوسط لبنان، ثم بدرجة أقل سوريا. وفي كندا هناك إقليم كيبيك الناطق بالفرنسية والشديد التعلق بفرنسا التي يعتبرها الوطن الأم.

والواقع أن منظمة الفرانكوفونية كانت قد أنشئت عام 1962 تحت اسم آخر بإيعاز من الجنرال ديغول. وكان الهدف منها الدفاع عن اللغة والثقافة الفرنسية في مواجهة طغيان اللغة الانكليزية والثقافة الأمريكية. ومعلوم مدى حساسية الجنرال ديغول لهذا الموضوع ومدى كرهه للانغلوساكسون.

والآن ماذا يقول الكتاب عن مادة الليبرالية؟ إنه ينص على الحقيقة التالية: وهي أن كلمة ليبرالية لم تظهر في اللغة الفرنسية إلا عام 1823 أي في بدايات القرن التاسع عشر. ولكن الفكر الليبرالي، أي التحرري، كان موجودا قبل أن تخلق أو تشتق الكلمة التي تدل عليه، ويرى بعض الباحثين أن هذا الفكر يعود في جذوره الأولى إبى الفلسفة الإغريقية وأفلاطون وارسطو بالدرجة الأولى.

بالطبع فإن الثورة الفرنسية هي التي خلعت عليه أهميته الكبرى عندما أعلنت بأن الليبرالية، بما تتضمنه من حرية، هي القيمة الأساسية للعصور الحديثة بالإضافة إلى المساواة والاخاء. ومعروف أنها رفعت عاليا الشعار التالي: حرية، مساواة، اخاء بين البشر. وهو شعار لا يزال منقوشا على واجهة المدارس والمباني الرسمية العامة في فرنسا.

هذا وقد نص إعلان الاستقلال الأمريكي الشهير الصادر عام 1776 على نفس الشيء. يقول بما معناه: كل البشر يولدون متساوين لأن الخالق زودهم بالحقوق التي لا يمكن مسها أو نقضها كالحق في الحياة، والحق في الحرية، والحق في السعادة.

وأما المادة الرابعة من الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن فتنص على ما يلي: الحرية تتمثل في إمكانية أن تفعل أي شيء بشرط أن لا يسيئ للآخرين. فحريتك تنتهي حيث تبتدئ حرية الآخرين. ولهم نفس الحقوق الإنسانية تلك سواء بسواء.

وبالتالي فالليبرالية هي عقيدة سياسية تريد تأسيس مجتمع يتميز بالحرية الفكرية أو قل يعطي حق الحرية الفكرية لأفرداه. كما ويتميز بهيمنة القانون الطبيعي، أي العقلاني والإنساني، لا الشريعة الدينية المسيحية. ويتميز أيضا بحرية التجارة والمقاولات واقتصاد السوق الحرة القائمة على التنافس. والحكم في النظام الليبرالي يضمن حقوق الأقليات على عكس الأنظمة غير الليبرالية أو الاستبدادية.

وأما عن مادة الدين فيقول الكتاب ما يلي: إن الظاهرة الدينية موجودة في التاريخ البشري منذ آلاف السنين. وبعض الخبراء يقولون بأن أولى تجلياتها تعود إلى سبعين ألف سنة قبل المسيح. وفي البداية كانت الديانة الوثنية هي المسيطرة: أي الديانة التي تعتقد بتعددية الآلهة. فهي التي سيطرت على الحضارة المصرية الفرعونية، والحضارة الإغريقية، والحضارة الرومانية.

ولكن الديانة التوحيدية قضت عليها بعد ظهور اليهودية والمسيحية والإسلام. وبدءً من ذلك التاريخ أصبح الإيمان بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد، خالق السماء والأرض وكل شيء هو المسيطر. ولكن توجد في الشرق الأقصى أديان أخرى لا علاقة لها بدين التوحيد: كالبوذية والهندوسية. ولها عقائدها وشعائرها الخاصة المختلفة جدا عن العقائد اليهودية أو المسيحية أو الإسلامية. ثم يختتم الكتاب كلامه قائلا: ومؤخرا سيطرت العلمانية على الغرب وحلت محل المسيحية إلى حد كبير.

مجموعة مؤلفين

ساهم في تأليف هذا الكتاب مجموعة من الباحثين والمسؤولين الفرنسيين. وقد أشرف عليه جان بيير دوكلوس المستشار لدى السلطات الفرنسية والبلديات المحلية. وهو يقدم للقارئ المعلومات الضرورية التي ينبغي أن يعرفها لكي يفهم حقوقه وواجباته كمواطن، ثم لكي يأخذ فكرة عامة عن مؤسسات الدولة الفرنسية التي تحكمه وعن أهم القضايا التي تشغل المجتمع الفرنسي حاليا وكذلك العالم كله.

الكتاب: ألفباء المواطنية

تأليف: مجموعة من الباحثين بإشراف جان بيير دوكلوس

الناشر: لوشيرشميدي باريس 2007

الصفحات: 309 صفحة

القطع: الكبير

Abec'e'daire de citoyennete'

Jean-Pierre Duclos

le Cherche Midi 2007

P.309