يقدم المستشرق دولاسي اولياري في كتابه الجديد الفكر العربي ومكانته في التاريخ لمحة بانورامية عامة عن الفكر العربي منذ أقدم العصور وحتى القرن العشرين. ويقسم كتابه إلى عدة أقسام لكي يشمل كل مراحل هذا الفكر ذي التاريخ الطويل العريض.

فالقسم الأول مخصص للمرحلة السريانية التي ساهمت في نقل الفكر الإغريقي إلى اللغة السريانية قبل الإسلام وبعده. هذا في حين أن القسم الثالث يتحدث عن الفكر العربي بعد أن وصل إلى أوج مجده وازدهاره في عهد العباسيين. والقسم الرابع مخصص للترجمات: أي لدراسة الكيفية التي ترجم بها العرب الفكر الإغريقي إلى اللغة العربية. وأما القسم الخامس فمكرس للمعتزلة الذين يشكلون ، بنظره، المذهب الأكثر عقلانية في الإسلام. وأما الفصل السادس من الكتاب فمخصص للفلسفة الإشراقية التي ازدهرت في إيران ونطاقها اللغوي والحضاري.

هذا في حين أن الفصل السابع مكرس لدراسة التصوف الإسلامي الذي بلغ ذروته لدى الحلاج وابن عربي وآخرين. أما الفصل الثامن من الكتاب فيتحدث عن عصر الانحطاط وسيطرة النزعة السكولائية التكرارية والاجترارية على الفكر العربي. وأما الفصل التاسع من فمكرس للفلسفة العربية الإسلامية في الأندلس.

وهنا يستعرض المؤلف أفكار الفلاسفة الكبار من أمثال ابن حزم، وابن الطفيل، وابن رشد، وابن باجة، الخ. هذا في حين أن الفصل الأخير مكرس لدراسة التأثير الكبير الذي مارسه الفلاسفة العرب على فلاسفة أوروبا المسيحيين اللاتينيين في القرون الوسطى وحتى عصر النهضة.

يرى المؤلف أن الإسلام هو الذي أخرج العرب من جاهليتهم وجهلهم وانعزالهم في أعماق الصحراء عن بقية العالم. وهو الذي أعطاهم مكانتهم تحت الشمس بعد أن كانوا هامشيين لا وزن لهم ولا قيمة. كانوا إما تابعين لبيزنطة وإما تابعين للفرس. وبالتالي فالإسلام هو الذي أعطاهم هويتهم وصنع مجدهم وحضارتهم وجعلهم أسياداً بعد أن كانوا مسودين.

و يتابع قائلا: لقد بلغت الحضارة العربية الإسلامية أوجها في القرنين الثالث والرابع للهجرة أو التاسع والعاشر للميلاد. وقد تزامن ذلك مع ازدهار الحضارة العباسية في بغداد.

فحركة الترجمة التي دشنها الخليفة الكبير المأمون أدت إلى حصول تلاقح ثقافي بين الفكر العربي والفكر الأجنبي وبخاصة اليوناني. وهكذا تعرف العرب على تيارات فكرية جديدة بالنسبة لهم. فقد ترجموا كل فلسفة أفلاطون وارسطو تقريبا، كما وترجموا علم الفلك والطب والفيزياء والرياضيات وسواها. وعن طريق هذه الترجمة الواسعة نشأت الفلسفة العربية والعلم العربي والحضارة العربية في نهاية المطاف.

وبالتالي فالفكر العربي لا يمكن فصله عن ترجمة الفكر الأجنبي سواء أكان يونانيا أم فارسيا أم هنديا، الخ. فالعرب الذين خرجوا من الصحراء ما كانوا يعرفون إلا الشعر والنثر وأخبار العرب وبالطبع القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والنقد وبقية العلوم الدينية.

أما العلوم الدنيوية كالفلاحة، أي الزراعة، والطب، وعلم المنطق، والفلسفة، والهندسة، وسواها فكانت مجهولة بالنسبة لهم. وهكذا استطاعوا خلال فترة سنوات معدودات أن يهضموا كل علم الإغريق وفلسفتهم بل ويضيفوا إليهم من إبداعهم الخاص. ولكن المسلمين انقسموا آنذاك إلى قسمين تجاه هذا العلم الوافد.

فمنهم من وقف ضده بحجة أنه علم أجنبي دخيل مضاد للتراث العربي الإسلامي. ومن بين هؤلاء ابن قتيبة ومعظم الفقهاء والأصوليين، ومنهم من رحب به ودعا إلى الاطلاع عليه والاستفادة منه. وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين: المعتزلة، والفلاسفة. أما المعتزلة فقد وجدوا في الفلسفة اليونانية ضالتهم لأنها تساعدهم على بلورة محاجات عقلانية للدفاع عن الدين الإسلامي وتبيان تفوقه على غيره من الأديان. فالفلسفة تعلمنا المنطق والحجج العقلانية في التفكير. ونتج عن ذلك تيار طويل عريض في البصرة وبغداد وبقية الأمصار.

وأما القسم الثاني، أي الفلاسفة، فكانوا الأكثر ترحيبا بالفكر اليوناني. وقد ذهبوا إلى أبعد مما ذهبت إليه المعتزلة في هذا الاتجاه. فقد تبنوا كليا أطروحات ارسطو وأفلاطون مع بعض التحفظات الخاصة بالتوحيد ورفض الوثنية.

فالكندي مثلا وهو الفيلسوف العربي الأول دافع عن الفلسفة ضد هجوم الفقهاء التقليديين. وقال بما معناه: ينبغي علينا أن نأخذ العلم حيث وجدناه حتى ولو كان عند الشعوب الأجنبية المختلفة عنا في الدين والقومية. فالأفكار الجيدة لا يمكن أن تتناقض مع عقيدتنا أو ديننا.

ثم سار على نهجه بقية الفلاسفة الآخرين من أمثال الفارابي وابن سينا وابن رشد وابن باجة وابن الطفيل وبقية فلاسفة العرب والمسلمين. وعلى هذا النحو تشكلت الفلسفة العربية الإسلامية وبلغت ذروتها في بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية. عندئذ كان فلاسفة العرب هم أكثر الناس ثقافة وعلما وأدبا. وعنهم أخذت أوروبا علومها التي بنت عليها نهضتها اللاحقة.

وقسم مستنير ذكي يقول: لماذا لا نأخذ العلم عنهم ونتفوق عليهم. ولحسن حظ أوروبا فإن هذا التيار الثاني هو الذي انتصر في نهاية المطاف وفرض الأخذ عن العرب. وهكذا أسسوا مراكز للترجمة في طليطلة وصقلية وباريس واكسفورد، الخ. ولا ينبغي أن ننسى الدور الذي لعبته جامعة بولونيا في إيطاليا. فقد ساهمت في ترجمة أعمال ابن رشد أيضا.

المؤلف في سطور

مؤلف هذا الكتاب هو المستشرق الانجليزي الشهير دولاسي اولياري صاحب الكتب العديدة عن التراث العربي الإسلامي والجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده.

الكتاب: الفكر العربي ومكانته في التاريخ

تأليف: دولاسي أولياري

الناشر: بيبليو بازار لندن- نيويورك 2008

الصفحات: 208 صفحة

القطع: المتوسط

Arabic thought and its place in history

De Lacy O'Leary Bibliobazar - London N.Y

2008

P.309