فور صدور رواية «حياة حرة» للروائي الصيني ها جين، بادرت صحيفة «بوسطن جلوب» إلى إجراء هذه المقابلة معه، حيث ألقى الضوء على روايته الجديدة هذه التي تنفرد من بين أعماله الأخرى بأنها تدور حول ما يسميه بالتجربة الأميركية، وليس حول الحياة الصينية، وأشار إلى الصعوبات التي واكبت هذا الانتقال.

يشير هاجني إلى جوانب من عالمه الروائي وتجربته في تدريس الكتابة الإبداعية في جامعات أميركية مختلفة، وقال: إن حلمه هو تأليف كتب جميلة عن التجربة الأميركية، مبرراً ذلك بأنه على الرغم من أنه أمضى تسعة وعشرين عاماً من عمره في الصين قبل الانتقال إلى الولايات المتحدة، إلا أن قلبه لم يعد هناك، وفيما يلي نص الحوار:

يكتب ها جين على نحو بالغ الجمال باللغة الانجليزية إلى حد أنه من الصعب تصور أنه يتحدث بهذه اللغة بشكل متعثر، ويقول المؤلف الذي يحمل الجنسية الأميركية الآن والذي تعلم الانجليزية في العشرينات من القرن الماضي: إنني أمضي المزيد من الوقت في الاشتغال على الصفحة. أما في غمار الحديث فعلى توظيف الكلمات بصورة فورية. بينما في الصفحة فإن بمقدوري العودة إليها مجدداً والمحاولة مرة أخرى .

وقد عاد ها جين إلى صفحاته كثيراً حقاً، فهو مؤلف غزير الإنتاج، قدم خمس روايات وثلاث مجموعات قصص قصيرة وثلاثة دواوين جميعها بالانجليزية على امتداد عقدين من الزمان، وفاز بالعديد من الجوائز البارزة، الأمر الذي وضعه في مصاف كتاب كبار، مثل فيليب روث وجون إدجار وايدمان.

وعلى الرغم من أنه قدم نطاقاً هائلاً من التجربة الكتابية، منتقلاً بلا عناء من الفاجر والشقي إلى العنيف والرهيب، فإن كل أعماله دارت حول الصين، على الرغم من أنها مكتوبة بالانجليزية، فالصين هي الأرض التي يعرفها أكثر من غيرها. ولكنه لم يعد يستطيع أن يقول ذلك.

والواقع أن روايته الخامسة »بلاد حرة« هي أول رواية له تقع أحداثها في الولايات المتحدة التي عاش فيها على امتداد ثلاثة وعشرين عاماً، وليس في الصين التي عاش فيها تسعة وعشرين عاماً، وهو يقول: قلبي لم يعد هناك، وإنما هو في أميركا.

وها جين، بأي معيار، جاهل بالثقافة الشعبية الأميركية، فهو لا يشاهد التلفزيون إلا بالكاد، ولا يستطيع تذكر فيلم شاهده مؤخراً، وأول لاعب في فريق » لسيلتكس يقفز اسمه إلى ذهنه هو لارى بيرد، وربما يفسر هذا بصورة جزئية السر في أنه خلال تأليف »حياة حرة« كان مضطراً لتعلم حتى التفاصيل الهامشية والعابرة المتعلقة بالثقافة الأميركية.

وهي التفاصيل التي لم تكن تشكل أي تحد له عندما كان يكتب عن الصين، وهو يقول في هذا الصدد: قبل هذه الرواية، عندما كنت أكتب كان كل شيء يجرى في الصين، كان هناك الكثير من اليقين، وكان هناك الكثير من الحرية.

أما الآن فإنني يتعين عليّ العودة إلى مرجع أو مصدر عند كل منعطف. فليس بمقدورك أن تقول فرع الوول مارت في وسط بوسطن، وهناك العديد من الإحالات التي يتعين الانتباه إليها عند كل منعطف لجعل شخصياتي مقنعة«. هذا الجانب جعل القلق الشديد يستبد بها جين، ودفعه إلى التساؤل عن الكيفية التي سيتقبل بها القراء روايته الخامسة.

وهو يقول في هذا الصدد: «إنني آمل أن القراء سيقرؤون روايتي الخامسة باعتبارها رواية أميركية، وإذا لم تكن الرواية جيدة بما فيه الكفاية، فإنني سأكون قد أخفقت في عملية الانتقال هذه». هذا القلق الذي يشعر به ها جين يعكس التحدي الذي واجهه المؤلفون المهاجرون ابتداء من فلاديمير نابوكوف وحتى تشانج ـ راي لي في محاولة فهم أميركا من دون فقدان ميزة منظور القادم من خارجها.

وعلى سبيل المثال فإن رواية »عالياً« للكاتب الكوري لي تدور حول شخص أبيض في التاسعة والخمسين من لونج أيلاند. ويقول ها جين، في لقاء معه في حرم جامعة بوسطن، إن كل كتاب عرضة، في أي لحظة، لأن يكون سقطة كبيرة. ويتعين عليك أن تخوض غمار المخاطرة. ولست أفكر كثيراً في القراء. وإذا كان الكتاب الجديد سقطة، فلتكن سقطة كبيرة«.

كان ها جين في التاسعة والعشرين من عمره عندما قدم إلى لوجان في الولايات المتحدة لنيل درجة الدكتوراه في اللغة الانجليزية من جامعة برانديز. وهو يتذكر انطباعه الأول عن أميركا بقوله: طقس جيد. وكان التلوث أقل، والسماء توحي بأنها أقرب، والقمر أكبر حيث يمكنك رؤية الهالة المحيطة به . ورأى أيضاً السناجب والفطر حول شجر السنديان خارج غرفته في المدينة الجامعية. وهو يقول: »في الصين كان يتعين أن نتأكد مما إذا كان الفطر يمكن أن يؤكل من عدمه«.

لدى وقوع أحداث ميدان بوابة السلام السماوي، أو تيان آن مين، والتي قمعت السلطات الصينية خلالها حركة الطلاب في الميدان الشهير، قرر ها جين ألا يعود إلى الصين والبقاء في الولايات المتحدة، وتحول إلى الاهتمام بحياته العملية، وأصدر ديوانه الأول في عام 1990، وأشرف على بعض ورش الكتابة في جامعة بوسطن.

وبعد الحصول على درجة الدكتوراه من جامعة برانديز، عمل بتدريس الشعر في جامعة إيموري في أتلانتا، ثم انتقل للتدريس في جامعة بوسطن، وفازت مجموعته القصصية الأولى بعنوان »محيط من الكلمات« بجائزة اتحاد الكتاب/ هيمنغواي للمجموعة الأولى وذلك في 1996، وفي العام التالي حصل على الجنسية الأميركية.

وفي الوقت نفسه عكف على تأليف روايته «الانتظار» التي بيع منها أكثر من نصف مليون نسخة ونال عنها جائزة الكتاب الوطنية، وواصل الكتابة عن الصين في كتابة «نفاية الحرب»، وهو عبارة عن رواية صيغت في إطار يوميات أسير حرب صيني في حرب كوريا، وقد تيقن لدى صدورها من أنه لن يكون موضع ترحيب قط إذا عاد للصين يوماً.

يقول ها جين في هذا الصدد: »إنني رجل مثير للمتاعب، وقد ألفت كتباً استعدت السلطات الصينية، وموضوعاتها تخترق الخطوط الحمراء«. وهو يشير إلى أن الوضع في الصين يشبه السماح في أميركا بكتابة التاريخ الأميركي من دون التطرق إلى العبودية وحرب فيتنام والتعديل الأول للدستور الأميركي على سبيل المثال.ويقول ها جين إنه لا يستطيع تصور ذلك، وإنه يكتب عما يعرفه، وقد كان ما يعرفه يدور حول الصين، وقد حل الدور الآن على أميركا.

محطات في مسيرة ها جين

* ولد الروائي الصيني ها جين في 21 فبراير 1956 في لياوبينغ بالصين، وتخرجه من جامعة هايلونغيانغ بدرجة جامعية في اللغة الانجليزية عام 1981، وحصل على الدكتوراه من جامعة برانديز بالولايات المتحدة عام 1993. وعمل بتدريس الكتابة الإبداعية، ويعمل حالياً أستاذاً للغة الانجليزية في جامعة بوسطن.

* استهل مسيرته الإبداعية بإصدار ديوان باللغة الانجليزية في عام 1990، وأعقبه بمجموعته القصصية الأولى »محيط من الكلمات« التي فازت بجائزة اتحاد الكتاب العالمي/ هيمنغواي لعام 1996، ثم أصدر روايته الأكثر شهرة »انتظار«، التي فاز عنها بجائزة الكتاب الوطنية ثم روايته «نفاية الحرب» التي فاز عنها بجائزة اتحاد الكتاب العالمي/ فوكنر، لتتوالى بعد ذلك إصداراته لتصل إلى ثلاثة دواوين وخمس روايات بالإضافة إلى عدة مجلدات من القصص القصيرة أبرزها مجموعته »تحت العلم الأحمر« التي فاز عنها بجائزة فلانري أوكونور للقصة القصيرة.

منى مدكور