ينتقل الروائي الصيني ها جين في روايته الخامسة إلى مشهد جديد مختلف عن الصين التي قدم فيها رواياته الأربع الأولى ومجموعاته القصصية الثلاث، حيث ينتقل هنا إلى أميركا التسعينات. نتابع على امتداد صفحات الرواية، التي تكاد تقترب من سبعمئة صفحة عائلة وو، التي تضم الأب نان والابن بينغ بينغ والابن تاوتاو، وهي تقطع علاقاتها بصورة كاملة بالصين في أعقاب مذبحة تيان آن مين في عام 1989، وتبدأ حياة جديدة، حياة حرة كما يصفها المؤلف، في الولايات المتحدة.

في البداية يبدو مستقبل العائلة مضموناً، حيث تضمن دراسة نان للعلوم السياسية في جامعة برانديز له العمل بالتدريب في الصين بعد عودته إليها، ولكن آثار مذبحة تيان آن مين تجعله يعود إلى حبه الأول، الشعر، فيهجر دراساته، ويلتحق بعدد من الأعمال المتواضعة، بينما تعمل بينغ بينغ طاهية لدى أرملة ثرية ومدبرة لدارها. وفيما يكافح نان للتأقلم مع اللغة والثقافة الجديدتين، فإن حبه للشعر وللأدب يجعله يصمد خلال سنوات صعبة وشحيحة.

يبدع ها جين سرداً واقعياً ومؤثراً ومفعماً بالأمل على الدوام فيما نان ينتقل من بوسطن إلى نيويورك فأتلانتا، باحثاً علي الدوام عن الاستقرار والنجاح الماديين، حتى وإن كان ذلك وسط ثقافة تعطي الانطباع أحياناً بأنها معادية وقاهرة.

بينما يتأقلم نان وبينغ بينغ على مهل مع الحياة الأميركية، يظل نان يحس بارتباط غريب وغامض بوطنه، على الرغم من أنه يرفض بشدة سياسة الحزب الشيوعي. ويبرهن قطع كل العلاقات مع وطنه، بما في ذلك حبه لامرأة رفضته في شبابه، على أنه أكثر صعوبة مما كان بمقدوره تخيله.

وتبدو مواهب ها جين واضحة في هذه الرواية الجديدة القوية، التي تعيد إلى الحياة على نحو متألق النضالات والنجاحات التي تحفل بها حياة المهاجرين المعاصرين. وهي تمثل بنثرها الغنائي البديع ورشاقتها المفعمة بالثقة إضافة متألقة إلى أعمال مبدع بارز بكل المعايير.

وإذا كان ها جين قد أتاح على امتداد أعماله السابقة للقارئ الغربي نافذة رحبة يطل منها على المناقشات المروعة في الصين الحديثة، فإن «حياة حرة» تتضمن بين دفتيها مساهمة في استكشاف آفاق تجربة المهاجرين إلى أميركا، التي تشكل إضافة حقيقية إلى الأدب الأميركي.

نحن هنا على موعد مع الأوديسة الهائلة لعائلة وو وهي تنطلق من مقاطعة هاربين في الصين إلى بوسطن ونيويورك وأخيراً ضواحي أتلانتا، وبالتالي فإننا إزاء حكاية ترصد ملامح يمكن التعرف عليها، بما في ذلك قوس الاغتراب والاندماج والصراع بين الأجيال الذي يعلو فوق أي انتقال عبر الحدود الفاصلة بين الثقافات، حيث نتابع حياة عائلة وجهودها للإبحار عبر هذه التحديات.

كان موضع الافتتان من جانب ها جين الذي نراه واضحاً في أعماله، ولكن بصفة خاصة في مجلد قصصه «تحت علم أحمر»، هو ذلك التصادم الغريب بين عالم الصين القديم واملاءات الحزب الشيوعي. وملحمة عائلة و التي نتابعها على امتداد صفحات «حياة حرة» تضيف طبقة أخرى إلى الصورة التي يرسمها جين للصين المنطلقة في غمار التحول.

وعين جين الباحثة عن الوجه الانساني الكامن وراء اكتساح التاريخ للمشاهد غير الكثير مما يتعين رصده فيما تقدمه الحياة في أميركا، ابتداء من مركز التسوق في الضواحي الذي تفتتح عائلة وو مطعماً فيه وصولا إلى أحياء المهاجرين في بروكلين، وربما كان الثراء المدهش في هذه الحياة التي يتم رصدها هو الذي جعل ها جين يقدم روايته الثالثة في ثلاثة أمثال العدد المعتاد لصفحات كتبه السابقة.

والقراء الذين أحبوا أعمال ها جين سيجدون في نان وو، بطل روايته الجديدة، نموذجاً يمكنهم تعرف ملامحه، فهو شأن لين كونغ بطل رواية «الانتظار» شخصية يهيمن عليها التوقف عند مقطع معين من حياتها، وبينما أوصى لين كونج عقدين من الزمان في علاقة حب لم تتوج بالاكتمال مع زميلة له في العمل، فإن نان وو يصارع علاقة غير مثمرة بالمثل، وإن كانت أكثر تجريداً، مع أحلامه التي لم يكتب لها التحقق بأن يصبح شاعراً.

إن ما يفصل رواية »حياة حرة« عن السرد التقليدي لقصص المهاجرين هو على وجه الدقة هذا التيار السفلي من الحنين والتوق الفني، فمنذ البداية ترتبط صورة نان عن نفسه بطموحه لكتابة الشعر والاخفاقات التي يمني بها هذا الطموح. وهو في صدر الرواية لا يتردد في أن يقول لأحد أصدقائه: أتمنى أن يكون لدي غضب أكبر، لكي أستطيع أن أكتب شعراً أصيلاً . وعلى عكس جنسيته التي لا يتردد في تنحيتها جانباً بقوله إنه يحملها كمعطف يرتديه فإن رغبته في كتابة الشعر تقدم حجر الزاوية في هويته.

إن سعي نان نحو التحقق الفني يعظم الأسئلة المتعلقة بهويته وجنسيته، ووضعه كمهاجر يؤكد تلك الورطة الخالدة المتعلقة بعلاقة الفن بالطبقة. وهكذا فإن نان يندفع في إحباط متسائلاً: كيف يمكن لعبقري طليق أن ينهض من قبيلة من الحمالين والعمال غير البارعين الذين تعرضوا للتخويف والإجهاد واساءة المعاملة والبؤس وهيمنت عليهم غريزة البقاء على قيد الحياة؟ بدون وقت فراغ كيف يمكن للفن أن يزدهر؟ .

في غضون ذلك، ومع تحول تاوتاو نجل نان إلى التأمرك بصورة متزايدة، فإنه يصبح غاضباً إلى حد الاحتقان إزاء انجليزية أبوية المرتبكة، وتؤكد الهوة بين الأجيال الحقيقية القائلة إنه حتى فيما يرفض نان أن يتعرف نفسه بصورة كاملة باعتباره صينياً فإنه لا يستطيع أيضاً أن يقول إن أميركا هي وطنه. وهذا الطرح المألوف لإحباط المهاجر سيوحي بأنه أكثر مدعاة للتعب لأنه حقيقي على نحو لا مجال للتساؤل بشأنه.

وتظل هذه الرواية عملاً مثيراً للاهتمام بقدر ما هو مثير للجدل، فالبعض لا يتردد في تأكيد أن النثر الذي صيغت به صفحاتها العديدة هو نثر مضجر، لا يرتقي إلى سماء إبداع أصحاب المواهب الشامخة التي يوضع ها جين في فئة واحدة معهم، بينما يشيد آخرون بهذا النثر نفسه الذي يحلق عالياً إلى سماء الغنائية بحسب رؤيتهم، وليس من قبيل الصدفة أن يذهب بعض النقاد إلى نصح القراء الذين لم يقرأوا شيئاً من قبل لها جين أن يبادروا إلى البدء ليس من روايته الخامسة هذه وإنما من روايته الفاتنة «انتظار » التي بيع منها ما يزيد على نصف مليون نسخة. ولعل هذا الاختلاف في تقويم »حياة حرة« هو نفسه الذي يشجع على المبادرة إلى قراءتها.

حكاية مهاجر

أخيرا حصل تاوتاو على جواز سفره وسمة دخوله الولايات المتحدة. وكان أبواه قد خشيا، على امتداد أسابيع، أن تقوم الصين إن لم يكن بإغلاق الباب كلية فبتقييد تدفق الخارجين. وبعد مذبحة تيان آن مين في الرابع من يونيو 1989 كانت كل شركات الطيران الأميركية باستثناء اليونايتد قد ألغت رحلاتها إلى بكين وشنغهاي.

ولدى سماع بينجبينج للأخبار الطيبة انفجرت باكية. غسلت على وجه السرعة المصفاة التي كانت قد صفت فيها اللفت المقطع لسلاطة قنديل البحر الخاصة بها. وخلعت ميدعتها، وانطلقت مع زوجها نان وو إلى حي وودلاند بوسط المدينة، حيث يقع مقر وكالة ترافل إنترناشيونال.

مقتطف من رواية «حياة حرة»

الكتاب: حياة حرة

تأليف: ها جين

الناشر: نوف نيويورك، 2008

الصفحات: 672 صفحات

القطع : المتوسط

A Free Life

Ha Jin

Knopf ,N.Y 2008

P.672