يمكننا تصنيف هذه الرواية في حيّز الأدب الملتزم المعني بالشأن المحلي الاجتماعي والسياسي الراهن، يرتفع فيها صوت الكاتب على شكل خطاب مباشر في كثير من الأحيان ويطغى على شخصياته، ولكنها إلى ذلك رواية لا تخلو من الجرأة في طرح مشكلة واقعية.
وقد تجاوز كاتبها بشجاعة ما اجترته القصّة الإماراتية مطوّلاً بالرجوع إلى الماضي حيث زمان النوخذة والظلم الذي جرى فيه، فالزمن الحالي حافل بالكثير مما يمكن الكتابة عنه من قضايا ترتبط بمصير الإنسان على هذه الأرض، وكيف ينظر الكتاب والفنانون إلى هذه المشكلات الناجمة وبخاصة ذوبان الإنسان المحلّي في جموع بشرية وثقافات متعددة، ومشاعر الضياع والاغتراب التي تنتابه وهو في وطنه
ما انفكت التحوّلات المتسارعة داخل المدينة الإماراتية، تشغل بال الأديب ناصر جبران، بالرغم من أن هذه المدينة ذهبت شوطاً بعيداً في الحداثة وما بعدها، وبالرغم من أن بعضها بات يعتبر نموذجاً متقدّماً للعولمة، من حيث تزاحم الثقافات وتجاورها في مكان واحد يمتاز بجملة من المزايا، كتوفّر فرص العمل، الدخل المرتفع، الاستهلاك الواسع، وتوفّر الكثير من وسائل اللهو والمتعة، الأمر الذي يجعل هذه المدينة مركزاً جاذباً للشباب والخريجين الجدد المسلحين باللغة الإنجليزية وتكنولوجيا المعلومات من مختلف أصقاع العالم.
ناصر جبران في ما يبدو لنا في نصّه الروائيّ الأول، ينحاز إلى الصفّ المقابل لنظام العولمة، أو الصفّ المضاد إن صحّت التسمية، سيما وأنه متجذّر في المكان، وعايش ثلاثة أزمنة تمايزت عن بعضها: مرحلة ما قبل النفط، حيث الحياة البسيطة واللحمة الاجتماعية وحضور القيم الرفيعة كالمحبة والتضامن والإخاء وغيرها.
ثمّ مرحلة اكتشاف النفط وتشكّل الدولة والدخول في زمن الحداثة، وقد عالجت كثير من قصصه السابقة ومقالاته الصحافية هذه المرحلة عبر تبيان التناقض ما بين الزمنين، وبدايات التفكك الأسري وأثر الحداثة على بنيان الأسرة والمجتمع المعروفين بتلاحمهما. ثمّ أخيراً مرحلة ما بعد الحداثة التي دخلتها بعض المدن سريعاً فجاءت هذه الرواية لتتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً منها، بدءاً من العنوان اللافت «سيح المهبّ» الناضح بدلالته الرمزية والمعبّر عن موقف الكاتب الناقد لما يجري من تطور في البلاد على حساب الإنسان بعامة والكاتب والفنان على نحو خاص.
وبذلك يمكننا تصنيف هذه الرواية في حيّز الأدب الملتزم المعني بالشأن المحلي الاجتماعي والسياسي الراهن، يرتفع فيها صوت الكاتب على شكل خطاب مباشر في كثير من الأحيان ويطغى على شخصياته، ولكنها إلى ذلك رواية لا تخلو من الجرأة في طرح مشكلة واقعية، وقد تجاوز كاتبها بشجاعة ما اجترته القصّة الإماراتية مطوّلاً بالرجوع إلى الماضي.
حيث زمان النوخذة والظلم الذي جرى فيه، فالزمن الحالي حافل بالكثير مما يمكن الكتابة عنه من قضايا ترتبط بمصير الإنسان على هذه الأرض، وكيف ينظر الكتاب والفنانون إلى هذه المشكلات الناجمة وبخاصة ذوبان الإنسان المحلّي في جموع بشرية وثقافات متعددة، ومشاعر الضياع والاغتراب التي تنتابه وهو في وطنه.
تنطلق أحداث الرواية من داخل مدينة ما بعد الحداثة وفي أحد المراكز الضخمة، حيث يسعى راو عليم لسردها علينا بدءاً من الاستهلال الأوّلي الذي وصف المكان من خلال زاوية رؤيا تكاد تنطلق من ذات رؤيا الكاتب وموقفه الأيديولوجي تجاه المكان: حيث الأضواء الراقصة وصالات المطاعم المتنوّعة الوجبات ما بين شرقية وغربية تنافس الأطعمة الوطنية.
وحيث الازدحام على الدوام وبتعبيره: زحام بشري فائض .. وثمة شاشات تلفزة كبيرة معلّقة بالسقوف تتعلّق رقاب الخلق مأثورة بها متابعة بثّها المتواصل بالرقص والغناء والموسيقى الهابطة الضاجة بالعنف والجنون والخصور الراعشة برخص على أتفه إيقاع والسارد كما يتّضح يريد تأليب قارئه أو حثّه على اتّخاذ موقف من هذه المدينة، فنتابع بطله «حميد» متأففاً من المكان وازدحامه، ويتساءل عن سبب اعتيادهم على قضاء يوم العطلة في هذه المراكز التجارية المترعة الصاخبة، حيث يبدد الشباب طاقته ووقته وماله في مظهره وملبسه وتقليعاته.. بالإضافة إلى النسوة الفاتنات الغاويات اللاتي يقطرن عطراً وسحراً.
وهذا التناقض ما بين موقف السارد، وموقف أسرته في تمضية يوم العطلة داخل المركز، والالتقاء بالأسر الصديقة فيه، إنما يؤكّد أن الحياة الجديدة، وبالرغم من اعتراض الكاتب عليها، باتت أمراً واقعاً يكاد يتأقلم الجميع معه.
تبدأ الأحداث الفعلية للرواية مع الفصل الثاني في مقهى هُيّأ على شكل مسرح صغير تتناوب الشخصيات فيه بالظهور لتكشف عن جانب من حكايتها عن طريق تقنيتي المونولوج وتعدد الرواة، فنتعرّف على حميد الذي يمثّل وجهة نظر الكاتب، فهو مختنق بالزحام ولديه إحساس كبير بالغربة، وبمجرد أن يجلس حتى يبدأ بمونولوج المقارنة ما بين الأمس واليوم لتبيان أسباب هذه الغربة، ثمّ آدم الغريب الذي جاء من مكان ما بدون أية خبرات عملية سوى ما توارثه هناك من شأن زراعي، فيعمل بأحد الفنادق كعامل مصعد، ولكنه عندما يتحرّش بإحدى النزيلات يتمّ طرده من العمل.
ثمّ الفتاة الأجنبية التي ترافقه وقد أسندت إليها مهمّة الإغواء سيما وأنها تخلّصت مؤخّراً من جماعة المافيا في بلدها، وعادت إلى هنا كي تمارس الدعارة بشكل مستقل، وهي بدورها لا تمتلك من الخبرات سوى جمالها وإغوائية جسدها.
وثمة شخصيات أخرى تدخل الخشبة كذلك الشاب المواطن الثلاثيني الذي جلس يطالع الجريدة وفي الوقت نفسه يفكّر في المتناقضات التي من حوله، أما الراوي الأساسي فهو بدوره يستكمل عملية الكشف عن جوانية الشخصيات عبر متابعة وصفية دقيقة وذات دلالة لشخوصه، وعلى سبيل المثال «آدم» الذي كان قد طرد من الفندق قبل حين، هاهو الآن في المقهى بصحبة الفتاة الشقراء.
وإلى جانبه حقيبة جلدية فاخرة، وسوار ذهبي بمعصمه الأيمن، وساعة مرصعة بالألماس، بالإضافة إلى سلسلة ذهبية على عنقه، وكلّ ذلك ليبيّن لنا مآلات «آدم » الجديدة ولتبيان إمكانية اختراق أمثال آدم لنظام القيم العام الذي يتّسم بالقيم والفضائل، وكلّ ذلك ضمن آلية سردية مشهدية سريعة، حيث تنتقل عين الكاميرا من مكان إلى آخر ومن زمان إلى زمان، لأجل تشويق القارئ وحثّه على متابعة مجريات الأحداث.
والآلية الوصفية التي اتّبعها المؤلّف تنطوي في عمقها على دلالات غنية تأتي على شكل ومضات لطيفة ولكنها كافية لكي تذهب بنا الوجهة التي يريد، فنتابع الفتاة الدلّوعة، من خلال حركة أصابع يدها الناعمة تتوغّل عابثة بخصال شعرها الذهبي، وبين الفينة والفينة ترطّب شفاهها المنفرجة بلعاب لسانها. مما يساعد القارئ على كثير من الاستنتاج، وخصوصاً عندما تبدأ ترسل نظراتها باتجاه الشاب.والمكان في هذه البنية الروائية سيأخذ بعداً رمزياً لمجتمع ما بعد الحداثة.
حيث تتجاور فيه الثقافات فتتفاعل مع بعضها على نحو ما، أو أنها تبقى حذرة مصدومة ورافضة كما في حال «حميد»، أو حال الشاب الثلاثيني الذي سيحدد بدوره موقفه من العولمة رافضاً كلّ ما جلبته معها من تقنيات أو تحضّر زائف، وهو بالمناسبة، موقف عرفته الآداب العالمية مع تطوّر الرأسمالية وتهميشها للإنسان وتغريبه، فنجده قائلاً: ها أنا أسبح في عوالم من التناقضات العاصفة..
إنها بهرجة العتمة الشائعة تتهادى بين ظلال من الشموع والاسمنت الزاحف.. إنه العطب الإنساني.. وهكذا في مونولوج طويل ورافض لكل ما يأتي به: الحاسوب، الفيديو كليب، ناطحات السحاب وغابات الاسمنت والتلوث والضجيج. وفي المقابل سنراه متمسكاً بالطبيعة ونقائها وعفويتها، حيث البحر بأفقه البعيد، والصحراء وامتداداتها، ثمّ ما يلبث أن يتساءل: لماذا يجهزون على كلّ شيء جميل ويعاقبون النقاء ويخنقون الأرض؟ .
المؤلف في سطور
* ولد ناصر جبران سنة 1953 في عجمان
* عضو مؤسس لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات وفي مجلس إدارة الاتحاد وأمين سره لعدة دورات وحتى 1992، وعضو مجلس إدارة اتحاد الشطرنج لعدة دورات، ونائب الأمين العام وعضو مجلس الأمناء لمؤسسة سلطان العويس الثقافية سابقاً.
* شغل منصب المفتش العام للهيئة العامة للبريد بالإمارات
* من مؤلفاته قصيدة زحفا قبل خفوت صدى الطلقة ، ومجموعات شعرية منها ماذا لو تركوا الخيل تمضي ، «استحالات السكون»، ومجموعات قصصية «نافورة الشظايا»، «ميادير»، بالإضافة لقصة «جحور الطمي»، ومقالة «عطر الحقول» .
عزت عمر
الكتاب: سيح المهب
تأليف: ناصر جبران
الناشر: وزارة الثقافة 2007
الصفحات: 129 صفحة
القطع: المتوسط
