أقرّت فرنسا قوانين متشددة بخصوص المهاجرين غير الشرعيين كالتأشيرات البيولوجية الرقمية ومراقبة الزيجات المختلطة وإجراءات لمّ الشمل وتشديد قبول طلبات اللجوء أو استضافة المدعوين.
المعروف أن التاريخ البشري عرف هجرات عديدة، ويمكن القول إن ظاهرة الهجرة والنزوح الجغرافي هي ـ بشكل عام ـ عالمية الطابع وقديمة العهد.
وعُرفت في الحرب كما في السلم، واختلف شكلها باختلاف ظروف البلدان المصدّرة والمستقبلة والفترات التاريخية. وهنالك نوعان من الهجرة، دائمة ومؤقتة، وبعضها عفوي وفردي الطابع، وبعضها الآخر جماعي ومنظم أحياناً وقسري في أحيان أخرى مثل تجارة العبيد وهجرات الحروب وأعمال العنف. وتسارعت هذه الظاهرة مع بدايات القرن الماضي، هجرة وتهجيراً. ويشير التاريخ البشري إلى أن هجرات كثيرة حدثت نتيجة انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وهرباً من حرب أهلية أو دينية أو طائفية أو مذهبية.
ويقدّر عدد الذين هاجروا من لبنان بسبب ما سمي »الحرب الأهلية« بأكثر من مليون شخص، أي ما يعادل ثلث سكانه، واستمر النزيف بنفس المقدار بعد توقف المعارك بفعل حرب من نوع آخر، وهي الظروف الاقتصادية والمعيشية. أما العراق المحتل أميركياً فقد خسر خلال السنوات الأخيرة عدة ملايين من أبنائه قتلاً وتشريداً، جراء القمع السياسي والحصار الاقتصادي والاحتلال الأميركي والتقسيم الطائفي والعرقي.
وخسرت فلسطين، عدا المقتولين والمقعدين والمساجين، خمسة ملايين على الأقل من أبنائها المهجرين والمشرّدين داخلها وبين دول الجوار والمنافي البعيدة. وما زال الجرح الفلسطيني نازفاً حتى يومنا هذا. في حين أن إسرائيل، التي تبقى الحالة الاستثنائية دون منازع، تشهد حركة هجرة معاكسة. ذلك منذ أن تم فيها إقامة دولة، وفقاً لانتماء ديني يجعل من أرض فلسطين موطناً لكل يهود العالم. فخلال أربع سنوات، وصل إليها من يهود روسيا فقط قرابة 15% من سكانها، أي ما يقارب مجموع الفلسطينيين الذي نجوا من التشريد والإبعاد وبقوا ضمن حدود 1948.
وتناقش المؤلفة إشكالية الهجرة من خلال مثال أوروبا بشكل عام، والنموذج الفرنسي بشكل خاص، وتلقي الضوء على الأوضاع التي يعيشها المهاجرون وخصوصاً العرب، وعلى سياسات الإقصاء والإدماج المتّبعة فيها. وتقرّ بأن تجربة الهجرة هي تجربة غنية، بما تقدمه من اكتشاف لفضاءات وثقافات وعوالم جديدة، لكنها أيضاً تجربة صعبة لا يعرفها إلا من خبرها، خصوصاً عندما لا يوفر البلد المستقبل شروط الحياة الكريمة.
وتتوقف المؤلفة عند إشكالات الهوية والتثاقف والعنصرية وتعاطي جيل أبناء المهاجرين أيضاً مع الواقع الجديد، وتطمح في أن يشكل كتابها رداً على الأطروحات المعادية للأجانب، وعلى السياسات الاقصائية الغبية التي تلجأ إلى التنظير الإيديولوجي لتبرير الإجراءات القانونية وخدمة المصالح الضيقة.
وتتناول المؤلفة الهجرة وما يتعلق بها من مواضيع من خلال متابعتها للنموذج الفرنسي، كونها عايشته أكثر من غيره، وحيث إن المواطنة تفترض التعبير عن وجهات النظر المغايرة. وهي تعني أيضاً النضال اليومي لمناهضة القمع والتمييز والأطروحات الأمنية، في بداية ألفية ثالثة حملت فيها الإمبراطورية الأميركية «البوشية» المعالم مخاطر جمة على حقوق الأفراد والشعوب.
وتعتبر المؤلفة فرنسا بلد هجرات، حيث يقدر عدد المهاجرين فيها حوالي 3. 4 ملايين مهاجر، ويقسمون إلى فئتين، الأولى تضم من أصبح فرنسياً ولم يعد له وجود في إحصاءات وزارة الداخلية الفرنسية كأجنبي، وعددهم 6. 1 مليون، والثانية تضم من بقي أجنبياً، أي 8. 2 مليون شخص.
ولا شك في أن الأطفال الذين ولدوا في المهجر يعيشون تجربة الهجرة عبر أهلهم الذين ينقلون معاناة الغربة لأولادهم، أما الطفل الذي يهاجر أهله فهو يعيش مشكلة الاختلاف وصيرورة التثاقف. وتستقبل فرنسا سنوياً 50 ألف طلب لجوء سنويا، لكنها ترفض نحو 85% منها، وتشير هذه الأرقام إلى فشل الخطط الاقتصادية والسياسية في تخفيف أسباب طلبات اللجوء.
وتتعرض الجالية العربية والمسلمة في فرنسا إلى أنواع مختلفة من التهميش والعنصرية وانتهاك لحقوقها، ولم تتمكن من تشكيل لوبي يدافع عنها بسبب عدم صياغتها لمرجعية ثقافية واضحة أو مؤطرة، وبسبب ارتباط أفرادها بأكثر من عشرين بلداً إسلامياً وعربياً.
وتذهب المؤلفة إلى القول بعدم وجود جالية لدى المهاجرين العرب في فرنسا، ذلك أن الحديث عن الجالية يفترض وجود تنظيم اجتماعي تتوفر فيه شروط، مثل التمثيلية في الدفاع عن حقوقها، والتحدث باسمها أمام الهيئات الحكومية، وإن كانت توجد منظمات دينية تتكلم باسمها إلا أنها غير متفقة فيما بينها بل هي متصارعة.
في حين يمثل اليهود الذين يتجاوزون بقليل 1% (700 ألف) من سكان فرنسا مقابل 5% للمسلمين (ستة ملايين) لوبياً قوياً على الساحة الإعلامية والاقتصادية والسياسية والطلابية والدينية، رغم أنهم غير مندمجين في المجتمع الفرنسي عملاً بقول بن غوريون »الاندماج في المجتمعات التي يعيش فيها اليهود أكبر خطر يهدد اليهودية اليوم«، كما أنهم ماهرون في تشويه صورة العرب والمسلمين وفي ربط الإسلام بالإرهاب والعنف وغيره.
عمر كوش
الكتاب: الهجرة ـ إشكاليات وتحديات: فرنسا أنموذجاً
تأليف: د. فيوليت داغر
الناشر: دار الأهالي دمشق 2008
الصفحات: 272 صفحة
القطع: الكبير

