أمام مسألة بالغة الأهمية هي اللاعقلانية في أشكالها المختلفة، التي تزحف على العالم متجسدة في ألوان متعددة وهي العنصرية، الفاشية، الظلامية والرؤى الكوارثية، وناقدا للصهيونية كعدو للعقل والإنسان. أديب ديمتري هو كاتب ومفكر مصري مقيم في باريس، وهو باحث في شؤون الوطن بفكره التقدمي والاجتماعي.
في «نفي العقل » يقارب أديب ديمتري أسئلة العقل ونفيه من وجهة نظر التقدم الإنساني بعامة، وتقدم وانعتاق الإنسان العربي بخاصة، وتفاقم العنت الإسرائيلي الصهيوني وجرائمه، والصراعات العنصرية والإثنية والطائفية، وتهديد الفاشية لأكثر من بلد، والعودة إلى حضن الدين في صورته « السلفية والرجعية، وانتشار الخرافات وكل مظاهر اللاعقلانية ونفي العقل، يزكيها تعطيل العقل.
واستبعاده لدى حل المشكلات وتنحيته في مواجهة الأزمات على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الأمم وعلى مستوى العلاقات الدولية، واستبداله بالعنف واللجوء إلى القوة في فرض الحلول، وحسب الباحث هناك أكثر من مؤشر على تصاعد العنف والعدوان مقنعا أو صريحا من جانب الإمبريالية، وخاصة الإمبريالية الأمريكية في السنوات الأخيرة.
وكان ذلك يتم من قبل تحت غطاء الحرب الباردة والصراع بين العملاقين، حيث أصبح العدوان سياسة ثابتة في ظل الريغانية بوجه الخصوص.ومن هنا يرى ديمتري بأن العالم اليوم وحضارته أصبحت تجمع بين العقل ونفي العقل، العقلانية في عليائها وسموها، واللاعقلانية في صورتها الجهنمة والمنحطة.
وأشار ديمتري إلى حرب الخليج كمثال واضح للتناقضات والصراعات التي تهز العالم اليوم من الأعماق، حيث فضحت هذه الحرب محاولات الإمبريالية؟ الإمبريالية الأميركية ـ استغلال الظروف الجديدة لمزيد من النهب للعالم الثالث الغني بثرواته، ويأتي على رأسها الثروة البترولية المستخرجة والمختزنة، والتي بدونها تتوقف آلة الغرب الصناعي وما بعد الصناعي وترسانته العملاقة التي توسعت
حتى شملت بسوقها العالم كله، عن طريق شركاتها متعددة الجنسيات وفوق الجنسيات وهي تتطلع إلى المزيد من التوسع والانتشار في غير ما حدود.
ويعتبر الكاتب ان الحشد الهائل من القوة العسكرية، والتحالف الإمبريالي الأطلسي وتوابعه لم يكن ليبرر هذا التدمير الشامل للعراق، شعبا وبنية أساسية وصناعية فضلا عن كافة المرافق الحيوية والحياتية.
وفي هذا الإطار يذهب ديمتري إلى أن الهدف الأميركي الأطلسي الصهيوني المدبر هو انتهاز الفرصة لتدمير العراق نفسه كقوة عربية اقتصادية وعسكرية نامية، من بلدان العالم الثالث المتخلف تتطلع إلى الخروج من طوق التخلف وامتلاك أسباب التكنولوجيا الحديثة بما يهدد بخلل في ميزان القوى في المنطقة المشمولة بالحماية والرعاية الأميركيتين، بين الدول العربية وإسرائيل .
ومن هنا يعتبر المؤلف الهيمنة عن طريق القوة هو دليل ضعف مشيرا إلى الاقتصاد الأميركي منذ منتصف السبعينات الذي لا يكاد يخرج من كساد حتى يسقط في ركود، حيث أخذت أزماتها الاقتصادية أبعادا عالمية فهي المقدمات الضرورية لصعود الفاشية والعرقية وسائر أشكال اللاعقلانية التي أدت إلى الحرب العالمية الثانية .
ويعتبر ديمتري خطر الفاشية الجديدة في عصرنا حقيقة ماثلة سواء في بلدان العالم الثالث أو البلدان المتقدمة التي تتطلع إلى الهيمنة العالمية ولا تستطيع أن تلجم نزعاتها العدوانية، أو مغامراتها غير المحسوبة في ظل أزمة اقتصادية عالمية تتفاقم في عالم مشحون بأسلحة الدمار الشامل، وسوق السلاح النشط والمفتوح.
ويؤكد ديمتري على ظهور الفاشية كخطر مع الانفصام القائم بين العلم والتكنولوجيا وأسباب القوة وأسلحة الدمار الشامل، وبين الروادع الأخلاقية والقانونية والنظامية، حيث تبرز العنصرية أيضا في عصرنا وتصعد من جديد مع تزايد الهوة بين الشمال والجنوب وبين الغنى والثروة والمجاعة التي تهلك الملايين.وتطرق ديمتري إلى موضوع العنصرية والفاشية القديمة والجديدة والقمع والنظم القمعية في بلدان العالم الثالث المتخلف.
كما عالج الفكر العرقي والفاشي مثل نيتشه وستنجر معتبرا جميع هذه الظواهر من منشأ أوربي وذلك منذ مرحلة الصعود والثورة في النصف الأول من القرن التاسع عشر، مرحلة الديمقراطية وتشكيل الأمم واندماج الطوائف والإصلاح الديني المسيحي واليهودي، ثم مرحلة الهبوط بهزيمة الثورات الديمقراطية عام 1830 وبخاصة هزيمة ثورة 48 الديمقراطية التي شملت أوروبا أقصاها إلى أقصاها، الأمر الذي ولد الصهيونية والفكر الصهيوني، كما ظهر الفكر الفاشي الهمجي الصريح عند نيتشه.
وكان ذلك حسب ديمتري بصعود الإمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وصعود العرقية والفاشية في الحرب الثانية، حيث يصعب فهم ولادة الصهيونية من الرحم الأوربي ومعها العنصرية والفاشية إلا إذا تم إتباع ذلك التاريخ الأوربي في مراحله المختلفة.
وفي السياق نفسه يعتبر الكاتب قضية الصهيونية، والكيان الصهيوني وإسرائيل أعقد وأعمق كون هذا الإدعاء كان ولا يزال حركة بعث وانبعاث قومي نشأت من أحضان القوميات الأوروبية في القرن التاسع عشر، متسائلا: ما هي حقيقة الصهيونية والكيان الصهيوني وإسرائيل، هل هي مجرد قاعدة استعمارية ووجود إمبريالي استيطاني طاردأليس لها كيانها الذاتي.
وأهدافها ومراميها الخاصة في المنطقة والجواب الذي يتعين تقديمه للرأي العام العالمي في رأي ديمتري هو أن تحدد هويتها منذ ولادتها في الرحم الأوروبي الذي جاءت منه، والذي يقتضي منهجا جديدا في المعالجة هو المنهج التاريخي لدراسة التاريخ الأوروبي باعتبار الصهيونية فصيل من فصائله، وتيار من تياراته الرجعية نشأ في إطار اليهودية الأوروبية كأي من تياراته.
وتطرق المؤلف إلى الإصلاح الديني اليهودي وهو عصر العقل والاستنارة في اليهودية، عصر البرجوازيات الثورية والتقدمية الصاعدة، عصر يقظة الشعوب وتشكيل القوميات وبناء الأمم وقيام الدول الوطنية.
وكان سلاحها هو العقل والأنوار في مواجهة ظلام الإقطاع وكابوس الكنيسة والبابوية وجدران الجيتو، وقد انعكس هذا كله في الإصلاح المسيحي والإصلاح اليهودي على حد سواء، حيث كانت حركة الشعوب تترجم نزاعاتها إلى الوحدة والتحرير في كافة الميادين:الاقتصادية، والسياسية والفكرية والأدبية والفنية والدينية، وتستبدل سلطان الملوك والكهنوت والحاخامين بسلطة الشعوب.
صعود القومية
يذهب ديمتري إلى تحول الفكر ليصبح التعبير الصادق عن واقع الحركة الاجتماعية والسياسية، وتحوله إلى أداة رئيسة في التصدي لموجة الديمقراطية المهزومة في وقت كانت فيه أعلامها ما زالت ترتفع في بدايات القرن ونصفه الأول امتدادا لموجة القرنين السابع عشر والثامن عشر الليبرالية التقدمية، لتتراجع وتسقط بعد منتصف القرن التاسع عشر إثر هزائم ثورات 1830 و1848.
ويؤكد ديمتري على أن الصهيونية والرجعية السوداء في أوروبا قد أسفرت عن حقيقتها من خلال بروز تيار فاشي صريح لا يتخفى وراء أقنعة أو شعارات اشتراكية زائفة ، وهو التيار التنقيحي بزعامة جابوتنسكي حيث كان المعبر الأصدق للصهيونية .
ناهد رضوان
الكتاب: نفي العقل عصر الفاشيات وهزيمة العقل
تأليف: أديب ديمتري
الناشر: دار الكتاب العربي دمشق القاهرة 2008
الصفحات: 235 صفحة
القطع: المتوسط

