كان لفرقة «إنانا» سبق الريادة في إطلاق ما بات يُعرف اليوم على الساحة السورية بفن المسرح الراقص، فمع تقديم عرضها الأول «هواجس الشام» عام 2000 كان الحضور شاهدا على ولادة لغة مسرحية جديدة تقاطعت في رحابها مفردات الرقص والموسيقى والغناء مع النوايا الجادة والموهبة اللافتة، ومنذ تلك الإطلالة الطموحة حاولت الفرقة أن تنتج هويتها الخاصة وأسلوبها المميز في العلاقة مع سيمياء الجسد وقوانين الفضاء المسرحي.
وذلك باعتماد التناغم والانسجام ما بين مقولات التأصيل وروح الحداثة عبر قائمة مطولة من العروض كانت من أمتع العروض التي شهدها المسرح السوري ومن أكثرها جذبا للجمهور، ليس هذا فحسب بل إن «إنانا» غدت واحدة من أشهر الفرق العربية، وقد قدّمت عروضها في مختلف أنحاء العالم، الأمر الذي يحيلنا إلى الحديث عن جملة من الخصوصيات الفنية الجمالية التي أفرزتها هذه التجربة المهمة في سياق تحولاتها ومحطاتها العديدة. عشر سنوات من المخاض والأحلام والقلق والعرق المنثور لمجموعة من الشباب الطموح، كانت وراء الولادة الجميلة التي شهدتها العاصمة دمشق مع أول عروض فرقة «إنانا للمسرح الراقص» (هواجس الشام 88 ـ شعائر الطرد والهذيان) الذي قدّمته على مسرح معرض دمشق الدولي في صيف عام 2000، ولم تنقض ثلاث سنوات من إطلالتها الأولى حتى كانت الفرقة قد جالت معظم الدول العربية، كما قدّمت عروضها في الهند والصين وتركيا، ثم انتقلت إلى أوروبا وأميركا.
أسس الفرقة ويديرها الفنان جهاد مفلح، وهو مجاز من مدرسة (Body Wave) للرقص الكلاسيكي ببيروت عام 1996، خضع لعدة دورات عالمية في مجال الرقص المسرحي التعبيري في معهد غوته والجامعة اللبنانية، كما اشترك في بعض عروض فرقة كركلا. تضم الفرقة عددا من الكفاءات الفنية والأدبية والتقنية في إطار المسرح الراقص والدراسات التراثية والموسيقى الشعبية، وكانت قد بدأت نشاطها بخمسة وعشرين راقصاً وراقصة، تضاعف عددهم في السنوات اللاحقة ليصبح بحدود السبعين، وجميع هؤلاء يخضعون لتدريبات يومية لا تقل عن الست ساعات، وخلال سبع سنوات من الجهد الدؤوب قدّمت «إنانا» أربع مسرحيات مستقلة، هي: «هواجس الشام»، «أبناء شمس»، «جوليا دومنا» و«زنوبيا ملكة الشرق» إلى جانب مجموعة من العروض التي قُدّمت خلال احتفاليات أو مهرجانات ثقافية رسمية في سوريا، وهي: «عاشقات المجد»، «أجراس القدس الدمشقية»، «الرايات»، «القلعة.. يرحلون وتبقى»، «السندباد»، «شام شريف»، «ليالي أحمد بن ماجد»، «ليلة مرصعة بالنجوم»، «عين اليقين» «ضيفة خاتون»، و«حكاية بطل».
تأصيل الهوية الفنية... استقت «إنانا» اسمها من آلهة السوريين القدماء، ربة الخصب والحب وراعية الأدب والفن، وسعت منذ البداية في إطار مشروعها الفني نحو تأصيل هوية محلية في الإطار العربي القومي، فقد استلهمت عروضها تاريخ المنطقة السورية بكل ما أفرزته من أساطير وموروث شعبي وفنون وطقوس، مع الإلحاح على الإسقاطات المعاصرة، والتأكيد على الفعل المقاوم وتلك الشخصيات النسائية اللاتي هززّن العالم، منذ الملكة الحمصية جوليا دومنا التي تربّعت على عرش روما، وحتى الشهيدة ثناء محيدلي التي فجّرت جسدها دفاعا عن كرامة الوطن، مرورا بزنوبيا وضيفة خاتون، وبذلك فقد تميزت عروض «إنانا» ببعدها الملحمي.
قدّمت الفرقة عروضها المستقلة في إطار الأسلوب الكلاسيكي، فالعروض تنتمي إلى المسرحيات ذات الفصليّن، والفصول تبدأ بفتح الستارة وتنتهي بإسدالها، وتحتفي بالتشكيلات الضخمة، وتضم الجوقة، وتروي قصص الأبطال التراجيديين، كما أنها تتكئ على شخصية الراوي لتفسير بعض الخطوط الدرامية، وإلى ذلك فهي جميعها تنتهي بلوحة راقصة تمثّل فنون الدبكة والرقص والغناء العربي من المحيط إلى الخليج، وهذه العروض معدّة عموما للعرض أكثر من مرة وفي أكثر من مكان وبلد.
أما عروض «إنانا» التي تخص مناسبات بعينها فهي وإن كانت تنهل من المعين نفسه، لكنها تتكون عادة من فصل واحدة ومن مجموعة من اللوحات، أي تقدّم بالأسلوب الحديث، وسوف نقف فقط عند عروض الفرقة المستقلة لإعطاء صورة أوضح عن طبيعة الموضوعات المطروقة وأساليب المعالجة الفنية والكفاءات العاملة.
هواجس الشام
تدور الأحداث في «هواجس الشام» ضمن بيئة دمشقية تعود بنا إلى الفترة الممتدة ما بين عامي 1880 و1916، حيث يجري تصوير المظالم والصراعات التي شهدها المجتمع إبان اندلاع الثورة العربية الكبرى، مع التركيز على إبراز العادات وطقوس الأفراح والأحزان والتقاليد السائدة والصراع بين القديم والجديد.
وهذه الأحداث المكونة من أربعة وعشرين مشهدا تتابعت في فضاء مسرحي شكلته خلفية أنيقة تشي بشكل «المشربيات» في البيوت الدمشقية القديمة، بينما ظلت المساحة الكبرى طليقة، تشكّلها وتعيد صوغها في كل مشهد حركة الأجساد الرشيقة بتعبيراتها المختلفة وكلامها الجسور، وقد امتزجت في تصميم الرقصات فنون إيقاعية وحركية متعددة، ينتمي بعضها إلى التراث وبعضها الآخر إلى الحداثة، فالدبكة والرقص الشرقي والباليه والرقص التعبيري وحضرة الدراويش، كلها اندغمت في وحدة عضوية متجانسة لها خصوصية فنية على الصعيد الدرامي والحركي والموسيقي.
كذلك استمدت الأزياء خطوطها العريضة من هذه الخلطة التي أفادت من الموروث، ولكن ضمن صيغ معاصرة تنسجم مع الحاجات الروحية والجمالية الراهنة للمتلقي العربي، فالفنانة سحاب الراهب أبدعت فعلا في تصاميمها الأنيقة إن كان على مستوى المزج ما بين الأزياء الشعبية والخطوط العريضة لزي الباليه، أو كان عبر مزج فنون التطريز والشك والتوشيح على نسيج الحرير أو عبر اختيار الأقمشة والألوان الشفافة المطواعة التي غذت المشهد العام وحركة الراقصين بجماليات حقيقية.
أبناء شمس
تقول إحدى الأساطير السورية القديمة: إن ملكة الظلام كانت قد خطفت ملكة النور شمس من على الأرض، وأسرتها في مملكة الليل، وكي تنعم الأرض ثانية بالضياء، لابد من أن تجتمع ألوان قوس قزح السبعة، وتحرّر الشمس من أسرها.
وعلى أرضية هذه الأسطورة الجميلة بُنيت مشاهد «أبناء شمس»، المسرحية الثانية لفرقة «إنانا»، وقد كتبها المؤلف والناقد المسرحي محمد عمر، وهي تحمل بنية رمزية مركبة متعددة المستويات، تسير في سياق خطين متوازيين، الأول يستلهم أسطورة الشمس، والثاني يستلهم التاريخ العربي المعاصر: واقع الاحتلال، اغتصاب فلسطين والجولان وجنوب لبنان، أشكال الاعتداء على الشعب العربي، إن كان في العراق أو في باقي الدول العربية والمقاومة الشعبية، ويتفرع عن هذين الخطين الرئيسيين خطوط فرعية تحكي قصصا قصيرة، تعمّق وتوضح الدلالات الرئيسة في العرض، ويتلاقى خطا الصراع على المستوى الرمزي عند اجتماع ألوان قوس قزح، أي اجتماع الأشقاء العرب وبدء تنظيم المقاومة، وتنتهي المشاهد باستمرار المقاومة التي يجد فيها فريق العمل الطريق الأفضل للخلاص.
قُدّمت مشاهد العرض في ست وعشرين لوحة تعبيرية راقصة، فصلت بينها وقفات إظلام ضمن فضاء مسرحي حر أطّرت خلفيته الستائر السوداء ولوحات تشكيلية كبيرة متحركة تغيرت موضوعاتها حسب موضوع المشهد، والافتتاحية كانت مع الأسطورة في مملكة الظلام ولوحة اختطاف شمس، تلتها لوحة آهات وفيها ظهر الفنان تيسير ادريس بدور الراوي الذي تصدّر الجانب الواقعي من العرض، وقدّم الشخوص الرئيسيين، وجسّد دور الشاهد على مأساة الشعب الفلسطيني، ثم تتالت اللوحات لتعمق وتصعّد مسار الخطين الدراميين، وترسم صور الصراع بين قوى الخير وقوى الظلام.
حاول الفنان جهاد مفلح الذي صمم اللوحات الراقصة، أن يمزج هذه المرة ما بين فنون رقص الباليه الحديث وبين أشكال الرقص الشرقي التي عرفتها المنطقة العربية عبر تاريخها الطويل من دبكة وسماح ورقص خليجي وما شابه في إطار توليف معاصر يعتمد الحركة الحرة المفتوحة الزوايا التي تمنح الجسد حريته الكاملة في التعبير عن هواجسه وأحلامه وقلقه.
أما التأليف والتوزيع الموسيقي فقد قام به الفنان محمد هباش وجاء عمله منسجما مع روح النص، حيث استطاع أن يولّف مادة موسيقية وغنائية غنية، استقى معظمها من تراث الموسيقى والغناء الشعبي: الموّال والطقطوقة والأهازيج مع إعادة توزيعها وصياغتها بشكل متناغم ومعاصر، كما أُضيفت إلى هذه المادة بعض المقاطع الكلامية المقتضبة جدا، وتم تسجيل الكل على شريط سار بالتوازي مع الصورة مانحا إياها مداها البيئي والشعوري.
جوليا دومنا
حين نفتح صفحات تاريخنا بحثا عن النساء اللاتي شاركن في صنعه، تحضر صورة جوليا دومنا في مقدمة السطور، تلك الأميرة الحمصية التي تربعت على عرش روما، واهتمت بالثقافة والفنون والرياضة، وأصدرت قوانين ذات طابع إنساني مثل قرار منع المصارعة حتى الموت، وقوانين رفعت الظلم عن المرأة، نظمت الجيش الروماني وطهرته من الفساد، أقامت المجالس وشاركت في المعارك، عاشت سنتين في الإسكندرية هي وزوجها وابنها كركلا وغيتا فقط كي تتطلع على الحضارة الفرعونية، وذهبت إلى اليونان لنفس الغرض، بمعنى أنها كانت تؤمن بمقولة التعايش بين الحضارات والتبادل الثقافي منذ أكثر من ألفي عام خلت.
هذه الشخصية الآسرة شغلت «إنانا» في عرضها الرابع، وبطقس تعبدي تقيمه جوليا لإله الشمس، مهدت الفرقة للدخول في تفاصيل الحكاية التي شملت الفترة الزمنية من حياة الإمبراطورة ما بين لقائها بالقائد الروماني سيبتيموس سفيروس (ذي الأصول الفينيقية) أثناء استعراض جيش الشرق له في مدينة إيميس (حمص)، مرورا بزواجها منه وانتقالها إلى روما، وصولا إلى اغتيال الزوج سيفيروس على يد مكرينيوس، وحداد الإمبراطورة عليه، ثم عودتها إلى مسقط رأسها، وتعود فكرة العرض للزميل خالد مجر، أما الإشراف الدرامي فقد قام به المخرج العراقي جواد الأسدي، والكريوغرافيا تولاها مدير الفرقة جهاد مفلح، والتدريب على الرقصات تعهدته الخبيرة الروسية ألبينا بيلوفا.
سار العرض على شكل لوحات راقصة مستقلة، فصلت بينها مقاطع شعرية مقتضبة ألفها محمود عبد الكريم، وجسدت كلام الراوي الذي قامت بأداء دوره الفنانة إيمان كيالي، وقد تم تصميم اللوحات على أساس مزج شكلين من الحركة: الأولى حادة تتم ضمن صفوف منتظمة عبرّت عن روما والرومانيين، والثانية كانت حركة لينة ولولبية مثلّت العرب.
وقد أطّر اللوحات الراقصة فضاء تراثي جميل قوامه الأعمدة الرومانية القديمة والجداريات وتماثيل الآلهة وغيرها من الديكورات الموحية بالقدم والعراقة التي تكاملت في تصميمها فنون النحت والرسم والتعشيق التي كانت سائدة في المنطقة من قبل ألفي عام وحتى اليوم، كذلك انسحبت هذه الفنون على الأغراض المستخدمة داخل العرض من سيوف وتروس وأوان وما شاكل ذلك، وقد عمل على تنفيذ هذه الديكورات أكثر من خمسين فنانا، أما التصميم فلمعد الراهب، في حين قام الفنان أكثم عبد الحميد بنحت تماثيل الآلهة التي حضنها المعبد.
زنوبيا ملكة الشرق
زنوبيا، الملكة التدمرية التي فضّلت الموت على أن تركع لإرادة الغاصب، كانت محور أحدث عروض فرقة إنانا «النخلة والعاصفة»، الذي قُدّم للمرة الأولى بمناسبة افتتاح دار الأسد للثقافة والفنون بدمشق عام 2004، والعرض من تأليف وأشعار محمد عمر، ديكور موفق السيد، وأزياء فيكتوريا الطنجي، أما الإشراف الموسيقي فلرعد خلف، والتدريب لخبيرة الرقص ألبينا بيلوفا.
انفتح المشهد الأول على لوحة تراثية راقصة، مثّلت طقوس جني البلح وعصره بمباركة الملك أذينة (منار يوسف) والملكة زنوبيا (بولا بنيات)، ثم تتالت اللوحات الراقصة لتعبّر عن المكائد التي حاكها الحثيون لتهديد العرش التدمري وإبعاد الملك عن الملكة، لكن بعد انتصار أذينة على خصومه ينكشف أمر تلك المكائد، ويتصالح الزوجان، وفي حفل الصّلح يشرب الملك كأس الخمرة المسمومة، ونشهد موته ومراسيم دفنه وأحزان زنوبيا على فقده، وبهذا ينتهي الفصل الأول من العرض.
في الفصل الثاني تصحو زنوبيا من أحزانها، تمسك بزمام العرش، تخوض معاركها الداخلية والخارجية، وتنتصر على أعدائها، ما يثير حنق الرومان، فيبعث إليها الإمبراطور أورليانوس (محمد طرابلسي) برسالة تدعوها للاستسلام، وترفض الإذعان له، فيحرك جيوشه باتجاه تدمر، ويحاصرها، ثم يأسر ملكتها الشرعية، ويقتادها مكبلة بالسلاسل الذهبية، لتمثل أمام المحكمة الرومانية، حيث فضلت الموت على العيش الذليل.
لا شك أن هذا العرض الجميل بشخوصه وفضائه وكل مكوناته الأخرى، لاشك أنه حمل الكثير من الدلالات والإسقاطات المعاصرة، شأنه في ذلك شأن باقي عروض الفرقة التي لم تتعامل يوما مع الجسد بوصفه أداة للإمتاع والترفيه، بل جعلته يغدو إحدى علامات فن رفيع يؤمن بمسؤولية المسرح تجاه القضايا المصيرية، ويعزز الصور النبيلة في الحياة، فليست مصادفة أن يتزامن توقيت اختيار هذه الشخصية التراجيدية التي تحدّت جبروت الرومان مع المرحلة التي يتعرض فيها العالم عموما والمنطقة العربية خصوصا لأعتى أشكال العدوان والغطرسة الأميركية، وليست مصادفة أن يُثار في هذه المرحلة تحديدا سؤال الحرية والكرامة الوطنية.
تاريخ راقص
قدّمت «إنانا» أربع مسرحيات مستقلة، هي: «هواجس الشام»، «أبناء شمس»، «جوليا دومنا» و«زنوبيا ملكة الشرق» إلى جانب مجموعة من العروض التي قُدّمت خلال احتفاليات أو مهرجانات ثقافية رسمية في سوريا، وهي: «عاشقات المجد»، «أجراس القدس الدمشقية»، «الرايات»، «القلعة.. يرحلون وتبقى»، «السندباد»، «شام شريف»، «ليالي أحمد بن ماجد»، «ليلة مرصعة بالنجوم»، «عين اليقين» «ضيفة خاتون»، و«حكاية بطل».
تهامة الجندي



