يعتبر فدريكو غارسيا لوركا أحد أهم شعراء اسبانيا في القرن العشرين، ولد بالقرب من غرناطة في إقليم الأندلس عام 1898. درس الأدب والقانون في مدينة غرناطة، حيث شرع في الكتابة حول مناظر قصر «كاستيا». في عام 1919 انتقل إلى مدريد حيث عاش بضع سنوات محاطاً بدائرة من الكتّاب والنقّاد ورجالات الليبرالية الثقافية. خلال سنوات العشرينيات من القرن الماضي كرس نفسه لكتابة الشعر.
يمكن القول إن سائر عناصر الثقافة الإسبانية تتعايش في أعمال لوركا الأدبية، فهو يوائم المعرفة في ميدان ما هو إسباني من الأدب الكلاسيكي مع قصائد الغجر القرويين بغية خلق لغة تقليدية وحداثية وشخصية في آن.
أشعاره الأولى بسيطة ومفعمة بالعاطفة والرغبة، لكن شعره النثري واقعي وغنائي في آن أيضاً إلى درجة يبدو معها أحيانا بدائيا وعنيفا مع أن كل شيء فيه يصب في خانة الإيمان بعالم الجمال والعاطفة والحب، مفردات تعكس حياة معاشة بجوار طبيعة خلابة جذورها ضاربة عميقا في مسقط رأسه، الأندلس.
تعرض لوركا لأزمة عاطفية ربما كان مردها القناعة بأنه ما كان بوسعه المحافظة على شعبيته الكاسحة والحالة الأدبية طالما بقي يعيش في اسبانيا.
لهذا السبب غادر لوركا في يوليو 1936 موطنه الأندلسي متوجها إلى نيويورك للدراسة في جامعة كولومبيا. وإثر اتصاله المباشر مع أميركا، كتب لوركا «شاعر في نيويورك» وهي مجموعة من القصائد يبين من خلالها حالة الهلع التي انتابته عندما ألقى نظرة على حضارة ميكانيكية. وعندما عاد إلى اسبانيا كتب العديد من الأعمال الدرامية، لكن الحرب الأهلية الإسبانية اختطفت لوركا عندما قامت القوات القومية الفاشية التابعة للجنرال فرانكو بقتله بدم بارد بالقرب من غرناطة وهو في قمة عطائه الأدبي.
في واقع الأمر إن وصول لوركا إلى مدينة نيويورك في صيف 1929 كان قد أخذ الشاعر الرقيق إلى بيئة غريبة تحتضنها مدينة متقدمة تكنولوجياً لكنها تفتقر للتواصلِ مع الطبيعة حيث لا وجود لأي منظر ريفي في مدينة تتقلص فيها تلك الطبيعة متحولة إلى ناطحات سحاب تفضي إلى شوارع ضاقت بفعل غياب ضوء النهار في أنفاق القطارات وتعاقب فصلي الخريف والشتاء اللذين يحجبان نور الشمس والقمر عن الأفق ويجردان الأشجار من أوراقها ويغطيان الأرض بالثلوج والأمطار خلال جزء لا بأس به من السنة.
بالنسبة إلى لوركا تعتبر مدينة نيويورك رمزاً للاستلاب الروحي حيث لا يستطيع الإنسان التحكم باختلاجات الجسد والروح لأن طبيعة المكان تحجب الرؤية وتبعد صاحبها عن الطبيعة الحقيقية.
إن حالة الكاتب الذي يجد نفسه على حين غرة في مكان ما يجهله من دون معرفة لغته هي بالذات تجربة فدريكو غارسيا لوركا في نيويورك خلال عامي 1929 و1930.
فالعالم هناك مختلفٌ بشكل جذري عن مسقط رأسه، ولذلك يقدم لنا نظرة تأملية حول طريقة خاصة للإحساس بالبيئة الجديدة والتأثير المحتمل على عمله الأدبي على حد سواء.
