منذ عام 1979 قال دينغ هواي بنغ: ينبغي أن نبني اشتراكية بلون الصين: أي بشكل يتناسب مع أصالتها التاريخية وهويتها الدينية وثقافتها وجذورها. وقد قال ذلك لتبرير الإصلاحات الاقتصادية الرأسمالية التي كان يريد أن ينتهجها. ومعلوم أن الجناح الراديكالي الموالي لماوتسي تونغ داخل الحزب الشيوعي كان يشتبه به ويتهمه بالتحريفية البورجوازية: أي الانحراف عن خط القائد المؤسس العظيم، ماو تسي تونغ. ولذلك فقد كان بحاجة إلى تبرير نفسه والتوجهات الانفتاحية على الغرب. وبالتالي فالشعار الذي طرحه دينغ شياوبنغ منذ بداية عهده كان بمثابة العودة إلى القومية الصينية بعد ثلاثين سنة من الغياب عن المسرح بسبب هيمنة العقيدة الشيوعية والثورة الثقافية التي تريد أن تجبّ ما قبلها من رجعية وأفكار بورجوازية وإقطاعية، الخ.

ثم يردف المؤلف قائلاً: أما الاتجاه الليبرالي في الصين فكان يتمثل في مجموعة من المثقفين المتأثرين بالغرب والذين يريدون الخروج من الايديولوجيا الشيوعية والايديولوجيا القومية على حد سواء. نذكر من بينهم المفكر ليو كزياوبو الذي ولد عام 1955 والذي يخوض معركة الفكر الحر في الصين حاليا بالإضافة إلى آخرين بالطبع. ومعلوم أنه يخوض معركة حقوق الإنسان ضد الحكومة الصينية. ولذلك فإنه اعتقل أكثر من مرة. ومعروف عنه إعجابه بالغرب وحضارته منذ زمن طويل. وكان قد نشر عام 1986 عدة مقالات ينتقد فيها بشدة الأدب الصيني المعاصر والثقافة التقليدية المهيمنة عليه. هذا وقد واصل نضاله حتى عام 1989 من أجل تحديث الفكر الصيني بشكل جذري عن طريق التأثر بالحرية الفكرية الغربية.

وفي عام 1989 قطع هذا المفكر الصيني الاحتجاجي إقامته في نيويورك وعاد إلى الصين لكي يترأس الحركة الطلابية المضادة للنظام. ولكن تم سجنه بعد القمع العسكري للحركة، ثم أطلقوا سراحه بعد فترة. ولكن بعد أن نشر مقالة في هونغ كونغ يدعو فيها إلى الإصلاحات في الصين سرعان ما سجنوه مرة أخرى عام 1996.

ولكن مقالاته الأولى كشفت عن انبهار بالغرب وإعجاب ساذج بحضارته. والسبب هو أنها كانت ناتجة عن معرفة نظرية لا عملية بالغرب. وبعد أن أتيحت له إقامة مطولة نسبيا في نيويورك اكتشف نواقص الحضارة الغربية ولم يعد يدعو إلى تقليدها حرفياً في الصين. وبالتالي فقد مر بمرحلتين: مرحلة الانبهار، ومرحلة الإعجاب النقدي بتحفظ. وهو مسار كلاسيكي بالنسبة لمثقفي العالم الثالث. فللوهلة الأولى تبهرهم الحضارة الغربية ببهرجاتها ورونقها وأضوائها السطحية البراقة. ولكنهم بعد أن يتعرفوا عليها في العمق يزول انبهارهم ويصبح إعجابهم أقل مشروطية وأكثر نقدية.

هذا لا يعني بالطبع أنهم لا يعودون معجبين بالحضارة الحديثة. ولكنهم يكتشفون نواقصها وليس فقط ميزاتها. وعندئذ لا يعودون راغبين في نقلها إلى بلادهم بدون شروط. في الواقع أن الرجل ظل معجبا بالفكر النقدي الحر في الغرب. وظل يعتقد بأنه إذا لم يتحرر الفكر الصيني من القوالب الإيديولوجية فإن النهضة الصينية الموعودة لن تتحقق.

وبالتالي فهذا المثقف نهض ضد كل التيار الإيديولوجي الذي يحكم الصين منذ عهد ماو تسي تونغ وحتى اليوم. وهو تيار ديماغوجي في رأيه لأنه قائم على شيء واحد: معاداة الحضارة الغربية. ولهذا السبب فإنه أدان التيار القومي الشوفيني الذي سيطر على المثقفين الصينيين بعد التسعينات في عهد دينغ شياوبنغ وأتباعه. فهذا التيار الذي انقلب على تيار ماو الشيوعي السابق لم يفعل إلا أن زاد من كراهية الغرب وحضارته بدلا من أن يستفيد من إيجابياتها وأفضل ما أعطته. إنه لم يستفد منها إلا في المجال الاقتصادي والتكنولوجي رافضا جانبها الفلسفي والسياسي.

وفي رأيه أن الحضارة الغربية قدمت للعالم بعضا من أجمل الأفكار والتجسيدات الحضارية. وأهمها حرية الضمير والمعتقد، أي أن تؤمن أو لا تؤمن على الإطلاق. ثم بشكل أخص، ألا يستطيع أحد أن يفرض عليك ما ينبغي أن تؤمن به أو لا تؤمن. ضميرك هو وحده الحر في ذلك.

ثم قدمت الحضارة الغربية للعالم فكرة التعددية السياسية والعقائدية والصحافية والدينية. وهذه هي الفكرة الثانية الرئيسية. وهي التي تجذب مثقفي العالم الثالث الذين ملّوا من نظام الحزب الواحد، والقائد الواحد، والجريدة الواحدة. من هنا الانبهار بالحضارة الغربية. وهو انبهار مشروع في الواقع كمرحلة أولى، ولكن ينبغي تجاوزه إلى ما هو أبعد منه لاحقا.

وأما الفكرة الثالثة التي قدمتها الحضارة الغربية والتي ينبغي على المثقفين الصينيين أن يأخذوا بها فهي بالطبع الديمقراطية ودولة القانون. وهي ناتجة عن الفكرة السابقة مباشرة. فلا ديمقراطية بدون تعددية أو بدون حق الاختلاف في الرأي السياسي.وهناك أخيرا فكرة حقوق الإنسان التي ينبغي إجراء بعض التعديلات عليها لكي تتناسب مع المجتمع الصيني والخصوصية الصينية. وباختصار فإن هذا المفكر يدعو إلى أن تتخلص الصين من الفكر الإيديولوجي الديماغوجي وتدخل في مرحلة الفكر النقدي العقلاني المسؤول.

المؤلف في سطور

مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب الانجليزي المعروف مارك ليونارد المختص بشؤون الشرق الأقصى عموماً والصين خصوصاً. وهو هنا يقدم لنا صورة عامة عما يفكر به الكتاب والصحافيون والمفكرون الصينيون. فالصين لا يمكن اختزالها إلى الماركسية والحزب الشيوعي الذي يحكمها. وإنما فيها تيارات فكرية وسياسية عديدة. وهناك نقاشات حادة تجري بين مختلف التيارات القومية والماركسية والليبرالية والأصولية الكونفوشيوسية، الخ.

هذا الكتاب

يرى مارك ليونارد مؤلف كتاب «بم تفكر الصين»؟ إلى أن العشر سنوات الماضية شهدت انبعاثاً للفكر القومي في الصين. وهو انبعاث لفت انتباه العالم الخارجي. فالعقيدة الصينية الأساسية، أي الكونفوشيوسية، أخذت تزدهر أكثر فأكثر بعد أن كانت تعتبر رجعية، تراثية، متحنطة، من قبل الماركسيين والشيوعيين. ولكن النزعة القومية يمكن أن تتصالح مع الكونفوشيوسية لأنها تمثل الأصالة العميقة الجذور بالنسبة للصين.