تنطلق إيزابيل فونسيكا، مؤلفة الكتاب الكلاسيكي عن الغجر »ادفنوني واقفاً«، مع القراء في روايتها الصادرة مؤخراً بعنوان «ارتباط» لترتحل بالقراء من المحيط الهندي إلى لندن ونيويورك ومن ثم العودة إلى جزيرة سان جاك الاستوائية النائية، لتسبر في غمار هذا كله أعماق القلب الإنساني الأكثر غموضاً وإثارة للحيرة.
في هذه الرواية يجد القارئ نفسه على موعد مع جين هو بارد، خريجة جامعة أوكسفورد العتيدة، والتي تعمل كاتبة لمقال صحفى ينشر بالتزامن في العديد من المطبوعات على امتداد العالم، وكذلك على موعد مع زوجها مارك، المسؤول التنفيذي الناجح في وكالة إعلانات بارزة، وهما بعد أن أمضيا عشرين عاماً معاً يتمتعان الآن بعطلة مدفوعة الأجر في جزيرة سان جاك الخيالية الرومانسية. لكن جين تكتشف رسالة حب ملتهبة موجهة إلى زوجها، وتدرك أنها أساءت فهم بعض الأعراض المرضية في حياتها، وهكذا تنتهي إلى الأبد السهولة المتبادلة في التعامل بينهما، ويبدأ للتو سعي آخر متوهج بالحيوية وبالحركة. تنطلق جين في رحلة للعثور على إجابات عن الأسئلة التي تؤرقها، فترد على الرسالة الموجهة إلى مارك عبر العديد من الرسائل الإلكترونية التي تمضي بها مغامرات مثيرة للانزعاج وكاشفة للأسرار والحقائق المروعة حول الهوية وحول الآخر في كل من لندن ونيويورك.
هذه الرواية المفعمة بالثقة بالنفس والرقة والطرافة والاستفزاز أيضاً لا تتردد في توصيف الرغبة والمسؤولية التي تقبل مع الايغال في العمر ومع بناء العائلة وإلقاء الضوء على الدوافع التي تلون حياتنا حتى في غمار الكشف بمزيد من الوضوح عن طبيعة الحب.
إذا كان اكتشاف جين لرسالة الحب الموجهة إلى مارك من حبيبته الشابة جيوفانا والصور المرفقة بها قد بدد شعورها بالثقة واليقين، فإن ذلك سيأتي على طريقة المصائب التي لا تأتي فرادى، حيث تكتشف في الوقت نفسه احتمال إصابتها بسرطان الثدي، بينما يعاني أبوها من آثار عملية في القلب.
تحتفظ جين بهذا كله سراً، وتعود إلى لندن، حيث تنزلق على نحو يصعب تفسيره في علاقة حميمية مع نائب مارك في مكتب وكالة الإعلان، وتمضي إلى مانهاتن لتتابع حالة أبيها التي ازدادت تراجعاً.
ونلاحظ، على امتداد الرواية، أن فونسيكا تعتمد على تأملات جين الداخلية كأداة رئيسية للسرد، ولكن هذا الأسلوب لا يوجد بصورة ناجمة ذهن بطلة الرواية مع أفعالها وتصرفاتها، التي تثير حيرتنا في كثير من الأحيان، على نحو ما نرى في ليلة لقائها بنائب مارك في مكتب وكالة الإعلان.
ومن المحقق أن هذا العيب الهيكلي ليس العيب الوحيد في رواية فونسيكا، وإنما هناك العديد من الهنات والمآخذ التي يتعين الوقوف عندها وتأملها طويلاً، ومنها على سبيل المثال المردود الغريب لسلبية جين، عندما يجلب دفقا من الكشف المتتابع للأسرار إعادة تحديد لكل من الماضي والمستقبل.
وتؤخذ على الرواية أيضاً محدودية الأحداث فيها مقارنة بامتدادها النسبي، حيث تتجاوز صفحاتها الثلاثمئة صفحة، الأمر الذي قد يجعلها تبدو مضجرة بالنسبة لبعض القراء.
ومن عناصر ضعف الرواية أيضاً أن خاتمتها ترقي إلى أقل مما يتوقع القراء بصورة ملحوظة، فضلاً عن ان بطلتها جين يصعب على شريحة ليست بالقليلة من القراء أن تتعاطف معها.
غير أن هذه العيوب، وربما الكثير غيرها مما لا يسمح المجال بإيراده، لا يمنع من الإقرار بأننا أمام رواية مكتوبة بقلم رشيق عن الايغال في العمر والآباء والأبناء والآخر، وهي تبدأ على نحو مدهش انطلاقاً من مفهوم سرقة الهوية، عندما ترد جين على الرسالة الموجهة إلى زوجها. وقد كان هذا جوهر قصة قصيرة اعتزمت فونسيكا كتابتها، لكنها ما لبثت أن تتحول إلى رواية لا تفتقر إلى الامتداد.
هذه العيوب العديدة في الرواية التي أشرنا إلى بعضها لن تمنع الروائي الأميركي الكبير ريتشارد فورد من الإشادة بهذا العمل، حيث يقول في ختام مقال مطول كتبه عن الرواية ومؤلفتها: «تحظى فونسيكا بقدر يعتد به من موهبة كتابة الرواية، بعين مدهشة، وبتراكيب ترصد العالم الذي يمكن ملاحظته، وبموهبة طبيعية في رسم الصور، وفي بعض الأحيان بلماحية مقيتة فيما يتعلق بالشخصيات التي لا يُراد لنا أن نحبها.
وهي تلاحظ بانتظام أموراً قد لا يرغب الرجال في أن تلاحظها النساء، وذلك على الرغم من أنهم في ظروف أخرى قد يرغبونا في أن تلاحظها النساء. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا كله مناسب بصورة تامة لموضوعها المركب، وهو موضوع جدير بالتناول بصورة جدية، وهو صعوبة تحب شخصاً أنت واقع بالفعل في حبه والنتيجة الطبيعية المترتبة على ذلك، عدم القابلية الحجرية للاختراق الخاصة بالآخرين».
ومن المحقق أن ريتشارد فورد ليس الكاتب الأميركي الكبير الوحيد الذي يبدي هذا القدر من الحماس لرواية فونسيكا، فها هو تشارلز ماكجراث في مقال مطول نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يبادر إلى الإعراب عن الإعجاب برشاقة الأسلوب الذي كتبت به هذه الرواية وعمق الموضوع الذي تتصدى لتناوله، وهو يلفت نظرنا إلى أن هناك شيئاً محدداً تشترك فيه فونسيكا مع بطلتها جين، وهو الافتقار إلى الجذور، فجين في الكتاب ترتحل من سان جاك إلى لندن ونيويورك من دون أن تكون على يقين إلى أين تنتمي على وجه الدقة، وحتى في النهاية ليست هناك إجابة سهلة على سؤال الانتماء الصعب هذا، وليس من الواضح ما الذي سيصبح عليه مصيرها.
وفونسيكا التي لم تتخلص بعد من لكنتها الأميركية تقول إنها تشعر بالحنين إلى نيويورك طوال الوقت، وأنها تذهب إلى هناك مرات عديدة كل عام استجابة لهذا الشعور. وبالمثل تصف مطبوعة «ببلشرز ويكلي» هذه الرواية بأنها إظهار درامي فريد لقيود الارتباط وحدوده.
وتقول مطبوعة »كيركوس« المتخصصة أيضاً عن رواية »ارتباط« انها رواية لماحة وذكية، وإن كانت تفتقر إلى التوازن في بعض جوانبها.
وتظل رواية ايزابيل فونسيكا عملاً شديد الجاذبية، على الرغم من عيوبه العديدة، ولعل هذا هو على وجه الدقة ما يدفع الكثير من القراء إلى انتظار صدور روايتها الثانية التي أوضحت أنها تعكف الآن على تأليفها آملة الانتهاء منها في المستقبل القريب.

