يختلط مفهوم التطبيع لدى النخب الإسرائيلية مع مفهوم إسرائيل عن التسوية وأهدافها، ويختلف حيال كل حالة من حالات التسوية، وتحول في نهاية الأمر إلى هدف في حدّ ذاته يدور في فلك مستقل عن التسويات.

ويأتي صدور كتاب «مقاومة التطبيع ـ ثلاثون عاماً من المواجهة» في مناسبة مرور ثلاثين عاماً على زيارة أنور السادات الرئيس المصري السابق الصادمة إلى إسرائيل في نوفمبر عام 1977، والتي فتحت باب «التطبيع» مع إسرائيل على مصراعيه، فدخلت منه العديد من النظم العربية، فرادى وجماعات، عبر المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف، ومن خلال الاتفاقيات والتفاهمات التي أبرمت مع إسرائيل. وفي هذه الحقبة من الزمن بدأت بـ «بشارة» السلام الزائف، ووهم الرفاه الاقتصادي المفقود، اللذين أطلقتهما إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية والنظم السياسية العربية المسماة ب«المعتدلة» مقابل النظم «المتشددة»أو «الممانعة». ويهدف هذا الكتاب إلى تقييم أبعاد التطبيع الحاصل بين بعض البلدان العربية وإسرائيل، والمدى الذي بلغه على المستويين الثنائي والإقليمي، وتطور آلياته، وجهود الحركة الشعبية لمناهضته، والتحديات التي تواجهها هذه الحركة. وقد تناول الكتاب موضوعه عبر خمسة فصول، تعرض ثلاثة منها لأبعاد التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي، ويعرض الفصل الرابع لمخاطر التطبيع على الأمن القومي العربي، بينما يتناول الفصل الخامس قضية المقاطعة ومقاومة التطبيع الغاية من الكتاب هو تقديم جردة حساب شاملة للعملية التي عرف باسم «التطبيع» ، من خلال تقييم أبعاد التطبيع الحاصل بين بعض البلدان العربية وإسرائيل، ومعرفة المدى الذي بلغه على المستويين الثنائي والإقليمي، وتطور آلياته، وجهود الحركة الشعبية لمناهضته، والتحديات التي تواجهها هذه الحركة. وعليه يستعرض الكتاب مختلف أبعاد التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي، وكذلك مخاطر التطبيع على الأمن القومي العربي، وقضية المقاطعة ومقاومة التطبيع.

وفي جانب التطبيع السياسي يتناول مفهوم التطبيع لدى النخب الإسرائيلية الذي يختلط مع مفهوم إسرائيل عن التسوية وأهدافها، ويختلف حيال كل حالة من حالات التسوية، ومن وقت إلى آخر، حيث بدأ في بداية الأمر في زعم أصحابه كإجراء من إجراءات الثقة، لكسب القبول به داخلياً، تحول في نهاية الأمر إلى هدف في حدّ ذاته يدور في فلك مستقل عن التسويات. كما أنه تطور من مفهوم فرض قبول إسرائيل كدولة من دول المنطقة إلى محاولة فرض قبول الأساس الصهيوني للدولة الإسرائيلية بكل ما يترتب على ذلك من معطيات ونتائج.وبالرغم من جهود منظّري التطبيع في إسرائيل لإضفاء طابع منطقي على خطاب التطبيع يستند إلى نماذج دولية للتدليل على صحته، فإن الواقع أنه لا يكاد يصمد لأي قدر من التمحيص، كونه يظل في جوهره دعوة صريحة إلى الاستسلام لغطرسة القوة الإسرائيلية، فهل يستقيم القول إن إسرائيل كانت دائماً طالبة سلام، ولم يكن لديها أي شكوك حول الاعتراف بالدول العربية، وأن الرفض العربي ذو طابع أيديولوجي؟

وهل يمكن المطابقة بين العلاقات بين فرنسا وبريطانيا، وبين علاقات إسرائيل بكل من فلسطين أو سوريا أو لبنان؟ وعلى مستوى التطبيع الثنائي، يبدأ الكتاب ببلدان المواجهة، مصر وفلسطين والأردن، والمشروع الإسرائيلي للتطبيع مع سوريا، من تبيان واقع ما عبّرت عنه المفاوضات، إلى التطبيع مع العراق في ظل الاحتلال، ثم يتتبع حال التطبيع السياسي مع البلدان العربية التي أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل.

وهي المغرب وتونس وموريتانيا وعُمان وقطر. وقد شهد التطبيع السياسي على المستوى الإقليمي منظومة من المشروعات المتعلقة بتغيير واقع المنطقة، والتي بدأت بالمشروع الإسرائيلي الأميركي، الشرق الأوسط الجديد والشرق أوسطية، وكذلك المشاريع الأميركية الرامية إلى تغيير خرائط المنطقة ونظمها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وأهمها مشروع الشرق الأوسط الكبير عام 2004، وآخرها مشروع الشرق الأوسط الموسع الذي كان ثمرة إدماج مشاريع الإصلاح الأوروبية في المشروع الأميركي، والذي أقرته قمة مجموعة الثماني الكبار في عام 2004 أيضاً.

وقد اختلفت نقاط التركيز من مشروع إلى آخر، واختلفت اللافتات والشعارات والوسائل، لكن ظل خيط واحد يجمع بينها جميعاً، وهو القضاء على النظام الإقليمي العربي وإبداله بنظام شرق أوسطي، وفي أدنى الأحوال محاذاته بنظام إقليمي تكون إسرائيل الفاعل الأساسي فيه.

أما آليات التطبيع الاقتصادي فقد تعددت بفرضها في صلب اتفاقيات التسوية مع مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وعقد عشرات الاتفاقيات والبرتوكولات في مختلف المجالات الاقتصادية والنقل والمواصلات والسياحة والبيئة، ومؤسسة العلاقات من خلال القنصليات واللجان المشتركة الدائمة والمؤقتة، وتنظيم برامج التعاون الفني من خلال المؤسسات الرسمية أو استحداث مؤسسات لهذا الغرض، وتوظيف الجاليات اليهودية في بعض البلدان العربية كجسور للتواصل والتطبيع.

وتطوير هذه الآليات بدمجها في آليات العولمة والتعاون الدولي من أجل تكريس التعاون الإقليمي مثل مؤتمرات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن بعدها مؤتمرات المنتدى الاقتصادي العالمي في المنطقة «دايفوس»، واتفاقيات التجارة الحرة، والمناطق الصناعية المؤهلة«الكويز» واستخدام آليات مكافحة الإرهاب ومكافحة غسيل الأموال.

ويعتبر التطبيع الثقافي جوهر عملية السلام في الفكر الإسرائيلي، حيث يبدو لدى بعض المفكرين الإسرائيليين أكثر أهمية من نزع السلاح والمناطق العازلة. وإذا كان من المفهوم أن تتطلع إسرائيل في إطار التسويات لإشاعة ثقافة سلام، فإن عملية التطبيع الثقافي تبرز مشكلتين، الأولى تتجسد في أنها ترغب في إحداث التغيير الثقافي على الجانب العربي، بينما تحتفظ هي بمنظومتها القيمية بكل أبعادها العنصرية والعدوانية، بل تطالب أيضاً بأن يتقبلها الجانب العربي على ما هي عليه.

والثانية تتجلى في رغبتها الاحتفاظ بثمار اعتداءاتها المدعومة دولياً باحتلال الأراضي وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني، وثمار السلام معاً، وهو أمر لا يمكن أن يمر إلا عبر قبول حكومات ومجتمعات البلدان العربية لمفهوم إسرائيل عن أنفسهم، أي أن يقتنعوا بأنهم ضعفاء ومتخلفون وإرهابيون، وأن خلاصهم في تصحيح أوضاعهم ونبذ الإرهاب وتشجيع إسرائيل على السلام.

المشاركون في الكتاب

إشترك في تأليف كتاب «مقاومة التطبيع» ثلاثة باحثين، هم محسن عوض باحث متخصص في دراسات حقوق الإنسان والديمقراطية، وعضو مجلس أمناء المنظمة العربية لحقوق الإنسان في مصر، والدكتور ممدوح سالم الخبير بمركز دراسات الشرق الأوسط للدراسات الإستراتيجية، والباحث الدكتور أحمد عبيد.

عمر كوش