لا يعيب المشط سوى اسمه المتداول، صورته الحسية، فالمشط هذا أكبر من اسمه، إنه المسمّى لما لا يُسمى واقعاً، الواقع خارج نطاق الأشياء المرئية تماماً، كما هو الإيقاع المتجاوز لحركاته المتتابعة، بمسافات زمنية واحدة، إيقاع المشط لا يقتصر على الشعر، وإنما يشمل كل ما يمكن النفاذ فيه: أرضاً وسماءً، وما بينهما.

يقول رودان ببلاغة مأهولة بإيقاع جدير بتخيُّله (عندما تمشط امرأة شعرها، فإنها تقلّد حركات النجوم)، هنا، وأبعد من «هنا» تلتفت الأرض، مثلما تتنبه السماء بكامل نجومها اللامتناهية حدوداً وعدداً، إلى أن ثمة ما ينفذ عبرها، ما يتخللها، ما يوحد ويفرق، وينظّم على طريقته. ما الذي يمثله شعر يشير إلى امرأة، وامرأة تقع في مركز الكون، وربما تمتد في الجهات الأربع بكامل جسدها المتخيَّل، كما هو وضع المشط الذي يرفع من شأن الشعر، كما يليق بمقامه إذ يفترش فراغاً ويبث فيه ظلاله، إذ يرتقي قاعياً بما يحتويه، فتكون السماء، لا الأرض مهاده المنبسط!؟

ينذكر المشط، المشط الأكبر من حدود تسميته، يحضر بعدّته تلك التي تستشرف نهاياته العظمى، وهو يمارس تقطيعاً للزمان والمكان، إذ الحركات تتقطع داخلاً، والمساحات تنتظم بين أصابعه ذات الرهافة، جامعاً بين الخفاء والمنظور.

ثمة من يمشط الأرض، يمشط البحر، يمشط الأجواء، كما أن ثمة من يمكنه تمشيط المساحة الورقية، صفحات انترنتية، الكلمات بحذافيرها، بداعي التهوية هنا، بحثاً عن نظام، يستطلع الفراغات الحاصلة، مثلما يحيل الممشوط إلى مستوطنات للنظر والمقايسة، مثلما لا يعود في وسع أي مكان، مهما اختلفت الأسماء، في أن يشكل استثناءً، ألا يخضع لحركية المشط، وهو يترك بصمات أصابعه ـ أنامله النحيفة ذات الذؤابات الشعرية، أو الجذور القادرة على إيصال مؤثراتها إلى أصداء بعيدة.

تختلف الأمشاط في أشكالها، وفي صورها، والمواد المصنَّعة، ولكن ما يبقى حاضراً دون غياب، على مستوى المتصور هذه المرة، هو تجلي سحر المشط، رغبة امتلاكه ليظهر قيافة التوزيع الأوركسترالي لأعضائه، سحر السرد في تلمس الجسم الهش، والذي يخترقه برضى ما، ويترك في الأثر، ما يشير إلى قيامته، إلى حسن تكوين، يستدعي الكثير من مناخات الذاكرة المكانية، وما هو مقروء أسطورياً، فالمشط حاضر فيما نقوله ونكتبه، فيما يعتمده الفنان بريشته، إذ يمشط ألوانه، مثلما يمشط تحولات الألوان في مجتمعها ذي الصبغة المائية، أو القابلة لتوليد المزيد من الألوان، كما هي البلاغة في اللغة، وفي الإبداع الأدبي، كما هي أنامل النحات، باعتبارها المشط الذي يحوّل بخامٍ في متناوله إلى شكل هندسي، شكل يلتقي الملء والفراغ، على طريقة التاوية، ليكون الكوني ملء النظر الروحي.

نعم جل ما فيه، يتخذ الهيئة المشطية، بدءاً من الصرخة الأولى لحظة الولادة، إذ يستحيل الصراخ الواقع بين فراغ الرحم المتحصل والفراغ الخارجي، إلى عنصر تمشيطي يمهد لكينونة روح، مثلما أن جسد الأم، بدءاً بالأصابع المنبسطة مشطاً ملؤها الحنان، وانتهاءً بكل جارحة فيها، هي ذاتها صنيع مشطي في ترتيب العالم المنتظر لشهقة روح الكائن الجديد، ليكون القاسم المشترك هذا المشط الذي يسلك سبيل معرفة تحوز المكان داخلاً وخارجاً، طالما أننا في كل ما نقوله ونكتبه، أو نفعله، نستعيد فينا، ودون توقف حركة المشط في امتلاك ما نريد، أو التفاعل معه، بترك بصماتنا عليه، كما هو فعل الهندسة الفراغية في أقصى تجلياتها الرياضية، وانتهاءً بأبعد نجمة تمشَّط كونياً.

المشط على مستوى المنظور الحسي والتمثيلي، يقوم مقام الفرجار كدور، في رسم دوائره، لكن المشط، يمثل الفرجار المتعدد، في بسط الممشوط، وتعريضه للضوء.

إنه صلة وصل بين اليد الحاملة له والشعر الممسَّد، ناقل أحاسيس الجسد إلى الشعر الذي يسترسل، أو يسترخي، أو يحلق كلٌّ في اتجاه، كما لو أنه ينبّه الشعر الميت في المنظور البصري، إلى طاقة الروح المتوثبة داخله، وهو ينفلت من عقاله المائي.

بين الشعر الممشوط، وهو في تداعيات ذؤاباته، أو ضفائره، أو دوامات جدائله، إذ يرمق في الأعماق، كما هو الشعر الذي يرمق في لجة الخفاء، إذ يرسل ذبذبات الحركة المنبثقة من استرسالات أفرع المشط الدقيقة أو الرهيفة، في تساوي أبعادها، إلى حيث يمكنه الوصول أو تدوين خطابه، كما تقول فراغاته المحيطية، بين الشعر الممشوط، وقد عبر حدود الشَّعري فيه، واليد، وقد عبرت حدود اللحمي فيها، تبزغ المسافات القصية، استقصاءات الأعماق، في الحراك المركَّب: المشطي واليدوي، يتوزع المؤثر المتفعل في المكان المسكون باللامرئي كثيراً، كما يقول المبدَع عبر متخيَّل المرء، إذ كل تمشيط لفكرة، استيلاد لجميل منتظر عملياً!

المشط، كما هي هيئته، كما هو صنيع فعله المادي، لكم ينجلي بجماليات مكامنه، إذ تتبدى الأشياء، وما أكثرها، في محيطنا المادي والذهني، مشطيَّة القوام والعلامة:

يمكن استساغة تجلي حركة الشجرة الشاهقة، باعتبارها معلومة بجذور هي خاصية المشط الممتد باستشعاراته والمستطلعة بعمق، ان الأغصان حزم مشطية، تفترش الفراغ، مثلما تقلد حركات الأوردة في اقتسام جسد المكان اللامرئي، ان ذات الماء شبيه المشط بعروقه، وهي تنفذ في جسد الشجرة، سافلاً وعالياً.

يمكن للأرض أن تكون مشطية الهوى، وهي تميد، وتسترسل في المحيط الكوني، مؤثرة فيه، أن يكون كل ما على الأرض مدموغاً بإيقاعات مشطية تناغماً وتنظيماً.

أن يكون الكاتب الموهوب مالك مشطه الكوني، في احتواء المجهول، بتصفيره، أن تتخذ الكلمات هيئة الشعر المضفور على الورق، والورق جسداً محلقاً بالكتابة المبدعة، قصة، أو رواية، أو قصيدة، أو نصاً تنثره حركات المشط في نطاق المعنى!

لهذا، عندما نمشط أمكنتنا، كما نمشط أزمنتنا، فإننا نقلد حركات الأبدية فينا بامتياز!

إبراهيم محمود