لكل عمارةٍ وظيفة اجتماعية وسياسية؛ لكن على أن يخرج تصميمها من رحم الأفكار؛ فيأتلف الهندسي التشكيلي فيها مع الفضاء ويندمج فيه، فلا ينشر ذعراً، فتصير عمارةً تهيِّج الأحاسيس. فندق« بارون» البناءُ الثقيل من الحجر، أو مسكنُ- سكنُ المَلِكْ؛ والذي شيَّده الأخوان «مظلوميان» في حلب على تخوم؛ حواف نهر« قويق» زمن الحكم العثماني لسوريا، حيث كنتَ من شبابيك غرفه تصطاد البطَّ؛ هو كذلكَ.. فلم يسمِّمِ الطبيعة. وصار يُمارَسُ فيه الترف. فالنوم- الحياةُ المعيشيةُ في فضائِه صارت امتيازاً، وصار يجذبُ إليه أصحاب الثروات- المشاريع- الأفكار- الأحلام.

أكثر من قصة حب ... وصارت المصالح تتشابكُ فيه بما فيها تلك «الغرامية» التي تنشأ من عاطفة، فأكثر من قصَّة حبٍّ قامت في أروقته أو بين جدرانِ غرفه وصالاته، بل إنَّ أحدهم انتحرَ، وهو رئيس خَدَمِ الفندق الألماني باول حين تعلَّق بحبِّ الراهبة «أنَّا»، التي كانت تعمل في روضة الأطفال الملحقة بالفندق، والتي كان يُرسِلُ إليها خطابات حبِّه وهيامه بها، ولمَّا لم تكترث به وترد عليه خطياً أو شفهياً؛ قام بوضع المسدَّس على رأسه، وأطلق منه رصاصة أودت بحياته في سرداب الفندق. وَ لِمَ لا وحلب حتى القرن التاسع عشر وهي تمارس دوراً تجارياً وثقافياً دولياً: قلعتها، أسواقها، خاناتها. هذه الخانات التي جاء فندق «بارون» ليُزيحها، ليُعطِّل العمل فيها؛ حيث كان النزيل يحلُّ بها مع خدمه ودوابه ومتاعه، ولعلَّها لا تزال باقية؛ ومن أكثرها شهرةً: خان الوزير، وخان الجمرك، وخان الحرير. وأظنُّ أنَّ هذا ما دفع الأخوين «مظلوميان» لبناء فندقهما، فأقاما الطابق الأول منه عام 1909، ثمَّ أكملا الطابق الثاني عام 1911، فالثالث عام 1940.

يقع الفندق الآن في مركز مدينة حلب في الشارع المسمى باسمه «شارع بارون»،وأوَّل ما تدخل البهو تواجهك في قسم الاستقبال فاتورة توماس إدوارد لورنس؛ المعروف بـ «لورنس العرب» معلَّقة فيه، وهو الضابط والجاسوس الانجليزي الذي تمَّ وصفه ب«ملك العرب غير المتوَّج» وكان جاء إلى سوريا وفلسطين ولبنان وسيناء عام 1911 كعضوٍ في بعثةٍ أثرية تدرس القلاع الصليبية، فخدعَ العربَ، وعملَ على تحطيم قوى الجيش العثماني، ولمَّا دخلَ الجنرال «غورو» دمشقَ ووقفَ على قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً له: ها نحن قد عدنا. قام لورنس بسرقة إكليلٍ من الذهب من على قبر صلاح الدين كان قد وضعه له الإمبراطور «غليوم» يوم زار دمشق..

رفع الظلم عن الجمال

البناء مازال على حاله كما بناه الأخوان «مظلوميان»، لذا لابدَّ من ترميمه خاصَّةً الجدران الخارجية، ليأتلف مع جدران جيرانه من الفنادق التي غسلت أو بيّضت جدرانها بالضرب بالرمل، حيث بدت كأنَّها مشيَّدة الآن بحجَرٍ جديد؛ ليس من قبيل التمرُّد؛ ولكنَّ التزيُّن يرفع الظلم عن الجمال، فلا يعيش تلك الحياة المأساوية العنيفة. من الداخل معظم الأثاث المجهَّز به يعود إلى زمن التأسيس؛ إلى العشرينات من القرن الماضي.

أما غرفة «أجاثا كريستي» الكاتبة الروائية الانجليزية؛ فالكرسي فيها من طراز«تونيت» وهو يواجه خزانة قديمة ذات مرآة مصقولة، فيما أعمال خزفية محفورة وموزعة بشكل دقيق على جدرانه. الحياة في الفندق وفي جوانب منها خاصَّةً تلك التي ذهبت إلى الماضي - التاريخ، قد نجد فيها مسرحياتٍ كثيرة؛ أبطالها واقعيون لم يصنعهم يوربيديس ولا شكسبير ولا بيرانديللو ولا آرتو أو بريخت.

مسرحياتٌ غنية بالصراع ؛ بل كلُّها جرأة؛ يتداخل فيها الجنون مع العقل، وتنطحن فيها الحياة مع الموت. وكأنَّها من صنع روَّاد الفندق، شخصيات مثَّلت أو عاشت دورها فيه ومن ثمَّ مضت. ربَّما بعضها كان يضع قناعاً مثل «لورنس العرب» وغيره من الجواسيس، فيما البعض الآخر فرجانا وجهه كما نعرفه وهو يؤدي دور البطولة الحقيقي كالجنرال ديغول ورائد الفضاء السوفييتي يوري غاغارين.

حكايات تشبه ألف ليلة وليلة

فندق « بارون» ليس بناءً غامضاً. ثمَّة أسرار، وثمَّة حكاياتٍ وحكايات من تلك التي تشبه حكايات «ألف ليلة وليلة»، قد يحكيها لنا أحدٌ ما في يومٍ ما عنه. وثمَّة أيضاً قيمة نفعية في السكنى -النزول فيه، وهذا لاشكَّ مرتبطٌ بالجانب الغريزي في الإنسان.

لكنَّه مع ذلك فقد يتسرًّبُ من مسامات حجارته التي يميل لونها إلى الأسود من كثرة مالوَّثته أدخنة عوادم السيارات ؛يتسرَّب بعضٌ من سحرِ وصوفيةِ الشرق الروحية؛ التي تجذب إليه هؤلاء الحالمين بقضاء ليلة أو ليالٍ فيه وكأنَّه الفردوس المشتهى.

حلب ـ أنور محمد