الفكرة الشائعة عن جرّاحي التجميل هي أنهم أقرب إلى ممارسة «الاحتيال» مما هو إلى الطب بالمعنى الدقيق للكلمة وأنهم على استعداد لإجراء عمليات «غير ضرورية طبيا» مثل «شدّ»وجه أو «نفخ» شفة. وفي أغلب الأحيان تنقلب البرامج الإعلامية والتلفزيونية إلى نوع من الكاريكاتير، مما ينبغي أن تكون عليه جراحة التجميل التي تبقى أسيرة «بعض الأفكار والأحكام الجاهزة».
ولا يتردد المؤلف في القول انه في كل مرّة شارك فيها ببرنامج تلفزيوني وجد نفسه في مواجهة مجموعة من «الاتهامات» والآراء غير الدقيقة، بل والمغالطات، التي تتحدث عن مهنته وكأنها «حقائق». حقيقة جراحة التجميل تتطلب، كما يتم تقديمها، 14 سنة من الدراسة ومن اتباع القواعد الصارمة ومئات العمليات الجراحية ـ التجميلية وآلاف الساعات التي يقضيها الأطباء في المستشفيات. وهذا كله يصب في إطار السعي لبعث الأمل في قلوب بعض البائسين وترميم، ما أمكن، من أجساد الأطفال الذين جعلتهم أوراما خبيثة «أسرى» أمكنة مغلقة، وإعادة بعض «النظام» إلى وجوه مشوّهة محكوم عليها أن تبقى على هامش المجتمع إذا لم يعمل بها مصنع الجرّاح، جرّاح التجميل.
هذه الحقيقة التي تتأسس عليها جراحة التجميل لها استثناءاتها التي يشير لها المؤلف، إذ هناك حفنة من الأطباء الجشعين الذين تركهم «نوازعهم التجارية» والذين يستخدمون «مباضعهم» أولا من أجل ملء جيوبهم. لكن هؤلاء لا يشكّلون القاعدة، كما يشاع، وإنما هم مجرّد استثناء، لكنه استثناء «يقلل من قيمة المهنة»، بل وتصل إساءة هؤلاء إلى حد دفع العديد من جرّاحي التجميل إلى الإحساس ب«الخجل» عندما «يعترفون» بممارسة هذه المهنة التي تعني قبل كل شيء «إصلاح التشوهات»، ويشارك في «سوء سمعة» جراحة التجميل واقع أن بعض ممارسيها يتركون جانبا «الجراحة الترميمية»، بل ويرفضون استقبال أي حالات معقّدة أو طارئة. التعريف الذي يقدمه المؤلف ـ جراح التجميل لمهنته هو أنها «جراحة الحساسية».
ويقول بهذا الصدد انه من القسوة الشديدة وصف الجدة الكبيرة بالسن مثلا بأنها مثل «ديك الحبش» وبسبب تدلّي الجلد تحت رقبتها، بينما أن عملية بسيطة تستمر لمدة ساعة فقط تخلّصها من تلك الزوائد الجلدية المتدلية وبالتالي تتوقف عن أن «تصدم حساسية» أحفادها وتستعيد بنفس الوقت انسجامها مع نفسها. يقول المؤلف ـ الطبيب: «عندما يُبدي أي مريض أنه متألم لسبب ما فإن من واجب الطبيب أن يفعل كل ما في وسعه من أجل تخفيف ألمه» وإذا كان للجرّاح الذي يستأصل ورما مصداقية كبيرة جديرة بالاحترام فإنه ينبغي إعطاء نفس المصداقية، لجراّح التجميل إذا كان « يستأصل» بدوره ألما يعاني منه مريضه.
ما يتم التأكيد عليه أيضاً هو أن الجراحة التجميلية تعالج دائما صيغة شخصية من الألم. ويرفض المؤلف الفكرة القائلة ان أولئك الذين يلجأون إلى إجراء «تجميل» ما إنما يفعلون ذلك من أجل «لفت انتباه» الآخرين. هذه فكرة سائدة ولكنها «خاطئة» يقول المؤلف ـ الطبيب الذي يرى أن «أغلبية الحالات تؤكد أن اللجوء إلى الجراحة التجميلية لا يتم من أجل الآخرين وإنما من أجل التصالح أكثر مع الذات».
ويرى المؤلف أن البشر لا يطرحون اليوم على أنفسهم مسائل تخص التغذية والقواعد الصحية، فهذه غدت من «المكتسبات». وبالتالي يؤكد أن العمليات التجميلية ذاتها سوف تصبح بعد سنوات في إطار «الممارسات العادية». ثم إن هذه الاهتمامات «التجميلية» ليست وليدة الأمس القريب فالفراعنة كانوا يقومون بعمليات تجميل للأنف كما تدل الكتابات الموجودة على أوراق «بردي» عثر عليها في مصر. كما دلّت بعض الكتابات الهندية القديمة على أنه كانت تتم في الهند أيضاً ممارسات شبيهة. ثم إن البشر منذ القديم عرفوا مفهوم «التجميل».
هناك فكرة شائعة تقول ان الجراحة التجميلية تسمح لأشخاص »طبيعيين« بتصحيح شيء ما «غير طبيعي». بالمقابل يقال أيضاً أن الجراحة «التصحيحية» تتم ممارستها على أشخاص «غير طبيعيين» من أجل أن تنطبق عليهم المعايير السائدة «الطبيعية». مثل هذه «الآراء» يرى بها المؤلف نوعا من «اللعب على الألفاظ».
ذلك أن الجراحة التجميلية هي ذات طبيعة ترميمية «تصحيحية» مثلما ينبغي أن تكون الجراحة «العلاجية» ذات طابع تجميلي. ففي جميع الحالات هناك «خلل» ينبغي إصلاحه.
الطب أصبح في خدمة الموضه
النماذج التي يقدمها باتريك كنيبر في كتابه «وجوه الحزن: الجراحة التجميلية في خدمة الإنسانية» يجمع بينها كلها هدف واحد مشترك من إجراء جراحة التجميل هو «التأقلم مع الوسط المحيط بشكل أفضل». هكذا انتقل المؤلف بين العديد من البلدان الأفريقية الفقيرة برفقة فريق من جرّاحي التجميل الذين لم تجذبهم المرابح والمكاسب المادية وإنما اعتبروا أن «أي عمل طبي هو قبل أي شيء آخر عمل إنساني».
الكاتب في سطور
باتريك كنيبر، مؤلف هذا الكتاب، هو طبيب تجميل فرنسي ورئيس «الهيئة الدولية لجراحة التجميل الإنسانية». موضوع هذا الكتاب، كما يدل عنوانه الفرعي، هو «الجراحة التجميلية في خدمة الإنسانية» وذلك بمعنى الابتعاد عن الفكرة الشائعة القائلة ان هذا الفرع من الطب قد أصبح « في خدمة الموضة» بكثير من الأحيان والحالات.

