الخطوة الأولى التي يقوم بها المؤلف هي محاولة صياغة بعض «التعريفات» في منظور التمييز بين مفهومي «الكوني» و«الموحّد النمط» و«العالم المشترك» الذي لا يزال بناؤه مطلوبا. إنه على وجود تمايز، بل خلاف حقيقي، بين هذه المفاهيم الثلاثة وذلك من حيث مضمونها، كما من حيث أصلها.

ف«الكوني ـ اليونيفرسال» يتضمّن «التوجه نحو كينونة كليّة واحدة» يلتقي حولها العقل البشري مهما كان السياق الذي يتواجد فيه وتنتج قيما «كونية» ذات طابع مطلق وتتأسس عليها «الهوية الإنسانية» القائلة بالخير والحب والجمال. ومن ميزات هذه القيم هو أنها لا تقبل أي نقص أو تخاذل في تطبيقها.

لكن المؤلف يرى أن هذه القيم «الكونية» التي تعتبر الحضارة الغربية السائدة أنها هي صاحبة «الامتياز» في إنتاجها، تشكل «ميدان الخصومة الكبرى» في عالم اليوم. ذلك أن العولمة وهيمنة قواعد السوق العالمية تزامنت في الواقع مع صعود قوي ل«الهويات الخاصة» والحاجة للانتماء إلى مجموعة بشرية ما، الأمر الذي يشكّل تهديدا حقيقيا لإمكانية قيام «أفق إنساني مشترك» يمكنه أن يجمع في بوتقة واحدة جميع الخصوصيات بكل مشاربها الاثنية أو القومية أو الدينية. ثم إن مفهوم «الكونية» يواجه أيضاً «اتهامات» عديدة ترددها ثقافات مختلفة وفحواها أنه جرى استخدام هذا المفهوم الكوني من أجل فرض القيم الغربية التي ولّدت في واقع الأمر الاستعمار والعبودية ونهب الشعوب الأخرى والعديد من الشرور الأخرى.

وبناء على هذا كله يطالب فرانسوا جوليان بضرورة القيام بقراءة نقدية «لتاريخ المفهوم الكوني».إن الرؤية النقدية المطلوبة تستدعي بالضرورة، حسب رأي المؤلف، التمييز بين «الكوني» و«التوحيد النمطي» الذي تسعى العولمة إلى فرضه على الجميع. فثقافة «الموحّد النمط» ليست في الواقع سوى «فرض كونية السلع». وبالتالي هو نتاج اقتصادي ومرتبط بظرف زمني راهن، أو «معولم» في السياق الراهن. وهو بهذا المعنى يمكن أن يشكّل تهديدا للمفهوم الكوني «المطلق».

أمّا ما هو «مشترك» والذي «يمكن للبشر أن يتقاسموه» فهو بالأحرى ينتمي إلى عالم «السياسة» منذ أن شهد بداياته الأولى في المدن اليونانية القديمة وعلى رأسها اثينا. وكان محصورا لفترة من الزمن ب»المحاربين« ثم انتشر شيئا فشيئا ليشمل مختلف نواحي الحياة في المدينة اليونانية، وانتقل بعد ذلك إلى خارجها ليتم الحديث عن « العالم المشترك». ويقوم المؤلف بالتمييز بين ما هو كوني وما هو مشترك من خلال فرق أساسي يحدده بالقول أن «الكوني» ينطبق بالتعريف على جميع البشر دون استثناء، أما «المشترك» فإنه ينطبق حصريا على أولئك الذين يقبلون به. بهذا المعنى »يستثني« هذا «المشترك» البعض منه، مما يشكل أساس «الفكرة الطائفية».

وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يطرح مفهوم «الكونية»، حسب التعريف الأوروبي، للنقاش فإن ذلك تحديدا بقصد مواجهته مع نفس المفهوم لدى الحضارات الأخرى غير الغربية. وفي مقدمتها الحضارة الصينية التي يعرفها جيدا، وهو يدخل هنا في «عالم الأفكار»كي يبحث بما قدمته الفلسفة اليونانية القديمة وبعدها المسيحية لأوروبا في مجال مفهوم «كونية» الإنسان، وباسم هذا المفهوم أخذ الغرب يفرض نفسه على العالم كله.

ويؤكد المؤلف أن الثقافة الأوروبية وعت تدريجيا أنها ليست الوحيدة في العالم، وأنها تعاني من نقاط ضعف كبيرة. ويستحضر في هذا السياق الكلمة الشهيرة التي قالها ذات يوم فاليري وجاء فيها «أيتها الحضارات، إننا نعرف اليوم أن مصيرنا هو الموت». ويؤكد فرانسوا جوليان أن الحضارة الغربية اليوم تحاول أن تصدّر قيمها وأنماط عيشها بعد أن فقدت الإيديولوجيات السياسية والدينية التي كانت تفرض بواسطتها نفسها على العالم. كما يتم التأكيد في هذا السياق أن الغرب «يزعم» في قدرته على فرض قيمه على ثقافات »أكثر صلابة« من ثقافته، لاسيما أن هذه الثقافات تتمتع ب«وعي كبير بالانتماء إلى هويتها».

لكن هذا لا يمنع الغرب من «التظاهر» أنه يجهل حقيقة «عدم مساومة أية ثقافة على قيمها». وبهذا المعنى يتم التأكيد على أن الصين والهند واليابان تمتلك كل منها «حضارات فريدة» لديها قيمها الخاصة البعيدة عن مفهوم حقوق الإنسان الذي تقول به الحضارة الغربية.

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول إنه ينبغي القيام بمراجعة حقيقية لمسألة محاولة الغرب فرض مفهومه لحقوق الإنسان على الثقافات الأخرى. ذلك أن إرادة فرض القيم الغربية على الآخرين لا مبرر لها. لكن مجرّد التأكيد على حقوق الفرد يعني »ضمنا« غياب هذا الحق في الكثير من الثقافات الأخرى.

وإذا كان المؤلف قد اختار التركيز على الثقافة الصينية فإن هذا يعود لاعتبارها من وجهة نظره، تمثل «الثقافة الأقصى» بالقياس إلى الثقافة الغربية إذ ليس بين الثقافتين أي أساس تاريخي مشترك. ولا شك أن فرانسوا جوليان «مأخوذ» إلى حد كبير بالثقافة الصينية ويقدّم لها صورة «مثالية» بالقياس إلى الثقافة الغربية، وأن «النزعة الإنسانية الرخوة» على حد تعبيره.

مفهوم الآخر

تنوّعت الميادين التي ألّف فيها مع التركيز على مفهوم «الآخر» في الفكر الصيني وفي ميدان الأخلاق والفن والإستراتيجيات والإبداع الأدبي. من أهم أعماله التي تمّت ترجمتها إلى عدة لغات عالمية: «حوار حول الأخلاق» و«اندفاع الأشياء من أجل تاريخ للفعالية في الصين» و«حول الزمن، عناصر فلسفة للحياة»...

في هذا الكتاب الجديد حول «الكوني ـ يونيفرسال ـ والموحّد النمط والمشترك والحوار بين الثقافات» يحاول المؤلف تقديم إجابات على أسئلة مطروحة على الساحة الفكرية اليوم في كل مكان تقريبا تحت عنوان عريض هو «حوار الثقافات»، أو «حوار الحضارات»، وهذا بمقابل «صدام الحضارات». إنها أسئلة مثل: هل هناك قيم كونية ـ يونيفرسال؟ أين يمكن تحديد موقع ما هو مشترك بين البشر؟ وكيف يمكن تصور إمكانية قيام حوار حقيقي بين الثقافات اليوم

المؤلف في سطور

يعمل فرانسوا جوليان أستاذا في جامعة السوربون وهو مدير لمعهد الفكر المعاصر في باريس فيلسوف ومختص بالشؤون الصينية حيث أمضى عشرين سنة من حياته في دراسة الفكر الصيني انطلاقا من النصوص الكلاسيكية الصينية وعبر الدراسات التي قام بها في جامعة بكين. عمل خلال سنوات 1990 ـ 1998 مديرا للمعهد الدولي للفلسفة.