امتد الحوار طويلاً بين محرري موقع «بورزوي ريدر» الثقافي الالكتروني والكاتبة الأميركية إيزابيل فونسيكا، وذلك بمناسبة صدور روايتها «ارتباط» التي أثارت ضجة كبرى في صفوف النقاد والقراء مؤخراً، حيث أشارت بداية إلى كتابها الكلاسيكي الصادر قبل ثلاثة عشر عاماً بعنوان ادفنوني واقفاً: «الغجر ورحلتهم».
ألقت الرواية الضوء على روايتها، مشيرة إلى أنه على الرغم من أوجه التشابه العديدة التي توقف عندها النقاد طويلاً بينها وبين جين، بطلة الرواية، فإن الرواية لا علاقة لها بسيرة حياتها الذاتية، وأكدت على أن الكتابة بالنسبة لها تنطلق من رغبتها العميقة في اكتشاف آفاق شيء يزعجها أو يثير اهتمامها، وقالت إنها تعكف الآن على انجاز رواية جديدة. وفيما يلي نص الحوار:
كان آخر كتاب صدر لك والذي يحمل عنوان »إدفنوني واقفاً« عملاً غير روائي يدور حول الغجر، ما الذي جعلك ترغبين في الانطلاق إلى عالم الكتابة الروائية؟
إنني أكتب، شأن كل الكتاب، لكي استكشف وأتفهم شيئاً يزعجني أو يثير اهتمامي، ومثل الكثيرين منهم فإنني أنظر إلى كتابتي سواء أكانت كتابة روائية أو صحافية بعيدة عن الرواية والقصة على أنها تحقيق واحد متواصل، وإن كان يتعرض للانقطاع بصورة مستمرة. وربما كنت في العمل غير الروائي كمن يقوم بتفصيل بدلة وفي الرواية بتفصيل فستان سهرة، ولذا فإن من الطبيعي أنني سأقص من قماش مختلف.
ولكن العمل غير الروائي يتضمن معظم المهارات ذاتها المتعلقة بالكتابة وبالخيال تماماً مثل كتابة الرواية التي يتعين عليك فيها أن تنصف حقيقة الأشياء وتعطيها حقها. ولكنك في كتابة الرواية تتاح لك، بالطبع، حرية رائعة، والمزيد من العمل يتم انجازه وأنت نائم من خلال لا وعيك. وأيا كان قالب العمل الذي أنجزه فإن من المهم أنني أعتقد أن به صوتاً واحداً، هو صوتي.
تمضي بنا رواية »ارتباط« إلى حياة كاتبة مقال في الصحة تدعى جين هو بارد، والتي تتمتع بعطلة مدفوعة في جزيرة استوائية بعيدة مع زوجها مارك، عندما تنقلب حياتها رأساً على عقب من خلال وصول رسالة حب موجهة إلى مارك. من أين جاءت الفكرة الأولية لهذه الرواية.
إن وصول الرسالة ـ ذلك العنصر العنيف الذي يدفع إلى الهاوية ـ هو شيء يأتي إلينا من خارجنا ويجبرنا على تأمل أعماقنا، وربما لا يكون أداة روائية بعيدة عن المألوفة. أما الأمر غير المألوف فهو أن جين، الشخصية الرئيسية في الرواية، تختار الرد على الرسالة، كما لو كان هذا الرد صادراً عن زوجها.
وهي في غمار محاولتها فهمه وفهم قصة الحب التي يبدو أنه يعيشها فإنها تضع نفسها مكانه، وتمضي في طريق حافل بالمخاطر. وقد أردت في هذه الرواية أن استكشف فكرة الهوية الشخصية، التي تدور بالطبع حول الزمن بسرعات مختلفة وفي اتجاهات متباينة وبصفة خاصة في سياق الزواج.
إننا نسمع الكثير عن سرقة الهوية. هل يمكن أن تستعار؟ هل يمكن أن تجرب؟ هل يمكن تبادلها ـ هي التي تشكل الجانب الأقل قابلية للتفاوض والغامض مع ذلك على نحو مدهش من الذات؟ إلى أي حد تعرف الناس الذين تحبهم حقا؟ ليس بمقدوري إيضاح متى طرأ هذا السؤال على ذهني لأول مرة، ولكنني لدي حاجة ملحة للرد عليه، أو لمحاولة الرد عليه.
تنقسم رواية »ارتباط« إلى أقسام وتجري أحداثها في ثلاثة أماكن هي نيويورك ولندن وجزيرة سانت جاك الخيالية. ما الذي كان يدور في ذهنك لدى بناء هيكل الرواية على هذه الشاكلة؟
لم أنطلق من ناحية مخطط الرواية لأنقل أي نزعة رمزية محددة عن طريق المكان الذي تجرى فيه الأحداث، لكن مكاناً، واحداً، نيويورك، مهد طفولة جين، بطل الرواية، ولندن موطنها خلال زواجها ومرحلة نضجها، أما جزيرة سان جاك فهي مكان »آخر«، وبالتالي فهي مكان لا ترتبط فيه بعادات المكانين الآخرين والتوقعات المتعلقة بهما.
وقد لاحظت نوعاً من وضوح العين الباردة عندما أسافر ومجدداً عندما أعود إلى الوطن، واعتقد أن ذلك يحدث لنا جميعاً بدرجات متفاوتة. وفي أحيان كثيرة فإن مغادرة المكان المألوف تمنحنا البصيرة، فنحن مخلوقات قلقة في الحياة وفي الروايات على السواء وهو أمر يدور بكامله حول الحياة.
والكتب غالباً ما تدور حول السفر ثم الجهد الهائل الذي يبذل للعودة إلى الوطن، سواء أكان هذا الوطن هو نارنيا أو أرض العجائب أو أوز، وجين بطل رواية »ارتباط« تحاول أيضاً الوصول إلى الوطن. وعلى الرغم من أنها لا تعرف جلية الأمر دوماً فإنها في غمار بحثها عن الحقيقة ترتحل إلى مهد طفولتها وإلى لندن التي تقيم فيها مع عائلتا.
ومن المؤكد أن البحث عن جنة عدن، وربما عن مستقبلنا أو عن جنة عدن بديلة، هو موضوع هذه الرواية. وتقدم سانت جاك، وهي جزيرة خيالية استوائية، عينة جيدة من جنة عدن، بل عينة كلاسيكية منها، ولكن بوسعك أن تتكهن بأن الماضي، والزمن الذي سبق كل أنواع المعرفة، هو فردوس. ومن الميلاد إلى المراهقة أو النضج يمكن لحياتنا أن تبدو كما لو كانت رحلة بعيداً عن جنة عدن والرغبة في العودة إلى هناك، ومن الطبيعي أن الرواية تميل إلى اقتفاء أثر هذه المسيرة.
واقع التقدم في العمر هو موضوع آخر في رواية »ارتباط« هل تعتقدين أن الخوف من الايغال في العمر هو في المقام الأول قلق أنثوي؟
بقدر ما أن جمال الشباب أمر يحظى بالتقدير بشدة في النساء فإن التراجع الحتمي يكون بوضوح أكثر قسوة وايلاماً بالنسبة للنساء، وبصفة خاصة الجميلات منهن، ولكنني أعتقد أن الجميع يستشعر القلق حيال الايغال في العمر، وقد يكون هذا هو الشيء الذي يميزنا أكثر من غيره عن الحيوانات الأخرى التي لا تعاني من القلق حيال التقدم في العمر. إنني أعتقد أن الوعي بالموت، بل الإحساس به، لا يختلف كثيراً عن الحنين إلى الوطن.
قرب نهاية »ارتباط«، تقول إحدى الشخصيات في غمار وصف جين: »رحلتك الطويلة بعيداً عن الواقع«. وفي حقيقة الأمر فإن جانباً كبيراً من الكتاب يتضمن إيماء بأن جين في حالة مفارقة للواقع.
لقد تعرضت حياة جين المريحة للارتباك والاضطراب، على نحو ما رأينا وكل ما كانت تنظر إليه على أنه أمر مسلم به يوضح موضع المساءلة علي حين غرة، زواجها، صحتها، جاذبيتها، قيمة العمل الذي تؤدية، بل وحتى استمرار وجود أبيها الحبيب. لقد أصبح الواقع مفهوماً منزلقاً. وربما كانت هناك لحظات في غمار مثل هذه الأحداث التي تسيطر عليها الفوضى يتاح لنا فيها الوصول إلى الوضوح، حيث تتألق أمامنا في لمحة طبيعة الأمور. وجين تجد نفسها في مثل هذه اللحظة من دون أن تختار ذلك أو تريده، وباقي الوقت نجدها تحاول فهم ما تعنيه المعلومات المتعلقة بما يتعين عليها القيام به.
محطات في مسيرة فونسيكا
ـ ولدت الكاتبة الأميركية إيزابيل فونسيكا في نيويورك لأب يعمل مثالاً وأم تحترف الرسم، والتحقت في عام 1984 بكلية وادهام في جامعة أوكسفورد، وعملت في الملحق الأدبي لصحيفة «التايمز اللندنية» إلى أن أصبحت نائبة لرئيس تحريره.
ـ خلال عملها في الملحق الأدبي للتايمز قدمت كتابها الأول «ادفنوني واقفاً» الذي يعد تأريخاً شاملاً لارتحال الغجر أنجزت في غمار تأليفه رحلات ميدانية في شرقي أوروبا، على امتداد أربع سنوات كاملة، ولدى صدوره في عام 1990 حظي بتقدير النقاد والقراء، وأعيد طبعه عدة مرات، وشكل الأساس الراسخ لشهرتها.
ـ صدرت روايتها الأولى مؤخراً بعنوان «ارتباط»، وتعكف حالياً على انجاز تأليف روايتها الثانية، وتقدم مساهمات عديدة في الكثير من المطبوعات البارزة، ومن بينها «وول ستريت جورنال» و«نيشن» و«أميركان سكولر» و« الايكونوميست» و«فوج» وهي متزوجة من الروائي البريطاني الشهير مارتن اميس، وتقيم في لندن.
منى مدكور
