ولعل هذا الكتاب هو نتيجة تلك المرجعية التي تعتمد عليها باحثة أكاديمية، وبالتالي فنحن هنا أمام شهادة غير مجروحة لعلم من أعلام الأدب الشعري في الدولة، ووجه آخر من وجوهها الثقافية، هنا نجمع في هذا الكتاب بين الأسلوب العلمي ـ البحثي، وبين الروح المبثوثة في الكتاب والتي هي امتداد لعوشة بنت حسين، التي أهدت لهذا الوطن مجموعة من الأبناء المؤثرين في الحياة الثقافية والسياسية والفكرية والعلمية والأدبية، وهو أيضاً كشف لشاعر من الشعراء المعروفين والمؤثرين في الحلقة الأولى من الريادة « قصائد جدي شوقتني لمعرفته، وحديث الناس عنه دفعني لمعرفة ما هو أبعد وأجمل من الشعر، لقد تشوقت أن أعرفه أكثر من هو؟ ولماذا أثر في بناته كل هذا التأثير، ولماذا أعتز به كل من عرفه من الرجال والنساء، ولماذا يستدعي الحديث عنه كل تلك الذكريات الجميلة».
الدكتورة رفيعة غباش بعد أن بدأت في جمع ديوان الشاعر حسين بن ناصر آل لوتاه، وجدت نفسها تتابع خط حياته التي شكلت الشاعر وكونته وبدأت مسيرة طويلة شملت العديد من مناطق الإمارات التي تواجد فيها الشاعر بتاريخه، فقدمت الباحثة للقارئ فصلاً عن شخصية الشاعر المولود عام 1885م في دبي، ومن ثم نتعرف على حياته في عجمان التي انتقل إليها مع أسرته عام 1911 وأقام فيها حتى عام 1940. في أبواب أخرى نقرأ عن الشاعر حسين كونه رجلا سياسيا واقتصاديا فهو متعدد المواهب، يمتلك شخصية مؤثرة في الحياة العامة إلى جانب كونه شاعرا وبالتالي فالباحثة رفيعة غباش تقدم لنا وثائق رسمية لدوره السياسي والقيادي في العلاقات بين شيوخ الإمارات في تلك الفترة، كما نقرأ من خلال هذا الفصل أيضاً عن خبرته في أنواع اللؤلؤ وطبيعته وشكله وتسمياته، تقول رفيعة غباش « من المعروف عن حسين إلى جانب فراسته في معرفة اللؤلؤ وتقدير ثمنه أنه كان رجلاً محباً لحياة الصحراء وفضائها ويستمتع برحلات القنص ويحرص عليها، ومما يروى عنه أنه كان يأمر بحفر بئر ماء في كل مكان ينزل به ويقيم فيه وهذا ما يفسر لنا وجود أكثر من طوي (بئر ماء) يحمل اسم (حسين) وقد اعتاد الشاعر على أن ينزل هو ورفاقه أرضاً صوب العوير تسمى (شرف بن لوتاه) وأكثر ما اشتهر به ولعه بسباق الهجن في أيام العيد والاحتفالات».
تنتقل الباحثة د. رفيعة غباش لتحليل شخصية الشاعر من خلال قصائده وأبيات شعره، فتجده الرجل المؤمن بالله والمعتمد عليه:
غدا وقت الشراعة يا الحبيب
ودع ربك عسى لك يستجيب
وتواصل تحليل قصائد الشاعر لتكشف للقارئ ميزاته وشخصيته، فكما تراه يمتلك بوحاً جميلاً، ومزاجاً مرحاً، ونجده أيضاً محباً للفرح والبهجة والتفاؤل وهو رجل متواضع متسامح، وأعياده كثيرة في حب الخير والناس ومعرفة أمورهم وتصنيفهم، وهو الشاعر المحب الذي يذوب شعوره رقة ورومانسية:
الحب له ليعة وغصات
ولي ما درى به يعله أييه
وحسين لوتاه ليس شاعراً يذوب رقة في قصائده الوجدانية فحسب بل ويزداد رقة حينما يخاطب المرأة، وهو صريح في البوح عن علاقته العاطفية بالمرأة، يصفها بعين الفيلسوف الذي يتمتع بفلسفة الجمال، لا يتذوق الجمال فحسب بل ويضع له القياسات التي قد تبدو غاية في الدقة في التعامل مع المرأة وجمالها:
مدماي ساقه وجدمه والعراجيب
وألا الخصر بقياس فترين حطيت
أو كما يقول في قصيدة أخرى :
عندي على خصره شهادة
هايف وقايسناه شبرين
وبعد هذا التحليل العلمي الذي استنبطته الباحثة من قصائد الشاعر تقدم لنا وبجرأة الباحثة كشفاً بأسماء زيجاته المتعددات وقد بلغ عددهن عشر نساء يمثلن علاقات اجتماعية مع عوائل معروفة على أنها تقدم لنا أيضاً ما استطاعت أن تجمعه من قصائد متناثرة وهي لا تكتفي بنقل النص الشعري إنما تكتب عن الظروف التي أحاطت بكل قصيدة من القصائد، لتروي لنا حكايات طريفة وضرورية للكشف عن الوجه الآخر لأيام زمان.
ثم نقرأ عن الدور السياسي والاجتماعي للشاعر ناصر ومرونته، وقدرته على التدخل والإصلاح بين قبائل وشيوخ تلك الفترة، كذلك دوره التنموي، التنويري لا على المستوى المحلي فحسب بل ويتعدى ذلك إلى مناطق أخرى في الجزيرة.
نتعرف بعد ذلك على أسرة ناصر وأبناؤه، ووفاته، وشهادة الطبيب هريسون، ووثائق عن توزيع ميراثه لأبنائه والتي تحمل عام 1941، ثم نتعرف بقسم آخر على رفيعة بنت ثاني بن قطامي والدة الشاعر وما قيل فيها من شعر، خاصة قصيدة راشد الخضر فيها:
إن يكن وصف النساء
كنجوم في السماء
فهي شمس الجلساء
كل شيء له دليل
أما المشهد الأخير.. فهو رحيل الشاعر بعد مرضه.. وشعوره بدنو أجله، وهو المحب للحياة، والتي جعلها أغنية، وحياته سلسلة من نجاحات غير محدودة، وشهرة عرف بها إضافة إلى وجاهته بين أهله وعشيرة «اجتمعت ظروف قاسية على الشاعر حسين، ابتلائه بمرض شديد وصف بأنه نوع من الاستسقاء، فقد تورم جسده، وأقعده ثم خلاف إخوته معه على الميراث وضياع أمواله ومدخراته في السفينة، واحتجاز ابنه من قبل الإنجليز، كلها أمور ضغطت عليه وأثرت على قدراته النفسية».
توفي الشاعر في صيف عام 1948، رثاه علي بن سلطان وهو حي، إلا أن أحفاده كما تقول الدكتورة رفيعة قد عادوا يرثونه اعتزازاً به فيقول الشاعر حسين بن علي بن عبد الرحمن آل لوتاه:
يا حسين بن ناصر تسمو بك كثار
كم واحد فينا يسمونه حسين
يا كثرنا يا حسين يا واحد صار
ماله مثيل في جميع الميادين
في ذيل الكتاب، نقرأ شهادات لعدد من الكتاب في البحث الذي أنجزته د. رفيعة عن جدها الشاعر المفكر الإنسان، وهي شهادات مهمة ومكملة للبحث مثل شهادة الدكتور غسان الحسن، والشاعر مبارك العماري، وشاعرة من الإمارات والدكتور محمد عارف.
بقي أن نذكر إلى أن هذا الكتاب يمتلك أهمية علمية مستنبطة من طروحات الكشف عن شاعر لم يكن مجهولاً، وكان علماً،إلا أن الأجيال التي لم تتعرف على هذه القمم تحتاج إلى مثل هذه الأبحاث للتعرف على صورة الماضي المشرقة من خلال المبدعين الذين يشكلون الريادة الحضارية للدولة.
عبد الإله عبد القادر

