ضم الكتاب المقالات الشهيرة لسوزان سونتاغ مثل «ملاحظات حول ظاهرة التكلف» و«ضد التأويل» إلى جانب تحليلها المفعم بالشغف لسارتر وكامو وسيمون فايل وغدوار وبيكيت وليفي شتراوس وأفلام الخيال العلمي والتحليل النفسي والفكر الديني المعاصر. كما تضم هذه الطبعة للكتاب خاتمة بعنوان «بعد ثلاثين عاماً» تعيد فيها المؤلفة التأكيد على المعركة التي تخوضها ضد خشونة الذوق والضحالة الأخلاقية واللامبالاة. وتمثل المقالات التي يضمها الكتاب قسماً لا بأس به من النقد الذي كتبته المؤلفة بين عامي 1962 و1965 ورغم تطرق المؤلفة في الدراسة إلى أعمال فنية محددة، فإنها وفق ما تذكر تعد القليل مما يضمه الكتاب يعد نقداً بكل معنى الكلمة.
في «ضد التأويل» تتلخص الفكرة الأساسية لسونتاغ في التعبير عن قلقها من أن التحليل النقدي يتدخل في ما يمتاز به الفن من قدرة سحرية. وهنا تؤكد المؤلفة على أن أول تجربة فنية كانت أشبه بالرقية أو السحر، فالفن، كما تذكر، كان أداة طقسية وهو وفقاً لنظرية الفلاسفة الإغريق محاكاة وتقليد للواقع.
وتستعرض سونتاغ آراء أفلاطون وأرسطو حيث يذهب الأول إلى أن الفن عديم الجدوى، فيما يتمتع بقيمة ما وفقاً لهذا الأخير لأنه شكل من أشكال العلاج. وتنتهي إلى أن الفن في الوعي والتفكير الغربي لم يتجاوز الحدود التي رسمتها النظرية الإغريقية بوصفه محاكاة أو تمثيلاً. إلى أن بادر فنانون ونقاد إلى إهمال نظرية الفن بوصفه تمثيلاً لواقع خارجي وتبنوا نظرية الفن بوصفه تعبيراً عن الذات.
وفي سياق تناولها لقضية الفن تشير إلى المقصود بالتأويل وتعرفه في معناه العام بأنه خطة جذرية للاحتفاظ بنص قديم من خلال ترقيعه. وتضيف أن التأويل ليس كما يفترض أغلب الناس قيمة مطلقة وحركة ذهنية تقع في مملكة من القدرات غير الخاضعة للزمن، وإنما على التأويل نفسه أن يخضع للتقييم ضمن رؤية تاريخية للوعي البشري.
وتشير إلى أن اليوم هو عصر مشروع التأويل فيه رجعي إلى حد كبير، وأنه على غرار الغازات المنبعثة من عوادم السيارات والصناعة الثقيلة التي تلوث أجواء المدن فإن فرط إهراق التأويلات الفنية اليوم يسمم رهافة حسنا، في ثقافة تتجلى معضلتها الكلاسيكية أصلاً في تضخم الفكر على حساب الطاقة والقدرة الحسية، فالتأويل هو انتقام الفكر من الفن، وهو بالنسبة لسونتاغ يعني الإفقار، استنفاذ العالم.
وتشير إلى أن خشونة التأويل تتفشى في الأدب أكثر من أي فن آخر. كما تقرر أن التأويل استناداً إلى النظرية المشكوك فيها للغاية والتي مفادها أن العمل الفني يتألف من عناصر مضمونة ينتهك الفن، إنه يحول الفن إلى سلعة للاستعمال تصلح للترتيب ضمن ترسيمة ذهنية من الأصناف.
وفي مقالها «مفكرات كامو» الكاتب والفيلسوف الفرنسي المعروف تقول: إن الأدب الحديث يعاني إفراطاً في العباقرة المجانين فلا عجب إذاً أننا حين نلقى كاتباً فذ الموهبة لا تبلغ مواهبه بالتأكيد حد العبقرية يبرز ويتحمل بشجاعة مسؤولية التعقل يتوجب علينا الاحتفاء به في ما يتعدى قيمته الأدبية الخالصة. وتوضح فتقول: أعني بالطبع ألبير كامو الزوج المثالي في عالم الآداب المعاصرة الذي اضطر لكونه معارضاً أن يتاجر بموضوعات المجانين كالانتحار وتبلد الأحاسيس والشعور بالذنب والرعب المطلق، وإن كان يفعل ذلك بتعقل وأناة وبدون جهد وبتجرد جميل مما يضعه بمعزل عن الآخرين.
وتضيف أن الكتابة عن كامو تعني تأمل ما يجري بين صورة كاتب وبين عمله الأمر الذي هو بمثابة العلاقة بين الأخلاق والأدب. ثم تتناول بالتحليل مفكرات كامو والتي تضم تشكيلة من الأمور: دفاتر أدبية ومقاطع لكتاباته دون فيها أولاً جملاً ونتفاً من أحاديث سمعها معتبرة أن التجرد هو أبلغ سمة في المفكرات.
ثم تتطرق في مقال آخر ضمن الكتاب إلى الناقد المجري المعروف جورج لوكاتش المنظر الشيوعي وصاحب نظرية الواقعية في الرواية فتقول انه بوسع أشخاص غير ماركسيين أذكياء أن يأخذوا هذه الشخصية الجليلة والتي تتكلم بماركسية على محمل الجد. ثم تتناول بالتحليل أعمال لوكاتش ووصول أعماله إلى أميركا مختتمة بالإشارة إلى أن أعظم خدمة يمكن تقديمها للوكاتش من أجل جمهوره الأميركي الجديد تتجلى في ترجمة مؤلفاته الأولى «الروح والشكل» وهو يتضمن أطروحته الأولى حول المأساة و «نظرية الرواية» وبالطبع «التاريخ والوعي الطبقي».
ومن لوكاتش تصحبنا سونتاغ إلى تحليل كتاب القديس جينيه الكاتب الفرنسي والناشط السياسي المثير للجدل ـ لسارتر فتشير إلى أنه كتاب أشبه بالورم السرطاني مطنب إلى حد القرف، تحمل حمولته من الأفكار المتألقة نبرة من الإجلال اللزج والتكرار المروع.
وعلى المنوال نفسه من الحدة تتناول أعمال أيونسكو ـ كاتب مسرحي فرنسي من أصل روماني من رواد مسرح العبث أو اللامعقول. وفي هذا الصدد تقول المؤلفة من الملائم أن يكون كاتب مسرحي تجسد أفضل أعماله التفاهة قد أصدر كتاباً عن المسرح يحفل بالتفاهات.
وتضيف إن مسرحيات ايونسكو كما يتراءى لي لا تحتاج إلى الكثير من الشرح ولئن رغب أحدهم بالإطلاع على دراسة حول أعماله المسرحية فعليه بالكتاب الموجز الممتاز الذي ألفه ريتشارد عن ايونسكو والصادر عام 1961 فهو يقدم دفاعاً أكثر تجانساً وتراصاً عن المسرحيات.
ثم تتساءل: ما هو الإنجاز الذي حققه ايونسكو؟ وتجيب: لو حكمنا من خلال أكثر المعايير دقة لتبين لنا أنه ألف مسرحية واحدة متميزة حقاً وجميلة هي «جاك أو الخضوع» ومسرحية أقل تميزاً هي «المغنية الصلعاء» .
ثم تنقلنا سونتاغ ضمن كتاباتها النقدية إلى قضايا أكثر تعقيداً متناولة قضية «موت التراجيديا»، فتشير إلى أن النقاشات الحديثة حول إمكانيات التراجيديا ليست تمارين في التحليل الأدبي بل هي تمارين مقنعة إلى هذا الحد أو ذاك في التشخيص الثقافي. وتضيف ان التساؤلات حول موت الأشكال الأدبية باتت أكثر أهمية ومن ذلك التساؤل حول: هل مازالت القصيدة السردية المطولة ممكنة أم أنها ماتت؟ وماذا عن الرواية؟ والمسرحية الشعرية؟ والتراجيديا؟ وتقرر أن دفن شكل أدبي هو فعل أخلاقي وإنجاز عظيم لأخلاق الصدق الحديثة وبوصفه فعلاً تعريفاً ذاتياً فإنه أيضاً دفن ذاتي.
وفي مقالة أخرى تحت عنوان «ارتياد المسرح.. إلخ» تشير المؤلفة إلى أن للمسرح تاريخاً طويلاً بصفته فناً عمومياً ولكن القليل من المسرحيات اليوم خارج أقاليم الواقعية الاشتراكية يتعاطى مع المشكلات الاجتماعية والمحلية وأفضل المسرحيات الحديثة هي تلك المكرسة لإعادة العذابات الخاصة بدلاً من العامة إلى الأذهان، إن صوت الجمهور في المسرح اليوم فظ وأجش وفي أغلب الأحيان سفيه.
وفي خاتمتها التي كتبتها بعد ثلاثين سنة تقول المؤلفة في رؤية شاملة تقدم خلالها جانباً من تصورها لما قدمته: كنت معجبة بكثير من الأمور وكان هناك الكثير مما يثير الإعجاب نظرت من حولي ورأيت أهمية لم يكن أحد يعطيها حقها لعلني كنت مهيأة جيداً بصورة خاصة لرؤية ما رأيت، ولإدراك ما أدركت بفضل نهمي للمطالعة وعشقي لأوروبا والزخم المتوافر لدي في البحث عن البركة الجمالية، إلا أنني فوجئت للوهلة الأولى بأن الناس وجدوا ما أقوله جديداً ـ لم يكن جديداً إلى هذا الحد عندي ـ كما ساد الظن بأنني من طليعة مذهب الحساسية ورقة الشعور، واعتبر انطلاقاً من هيئة مقالاتي الأولى صانعة ذوق.
المؤلفة في سطور
سوزان سونتاغ (1933 ـ 2004) روائية ومخرجة وناشطة سياسية أميركية درست الفلسفة وعلوم الأدب في جامعة بيركلي وشيكاغو، ونالت الدكتوراه من جامعة هارفارد في العام 1955. أصدرت مجموعة من الكتب، كان أغلبها مثار جدل واهتمام وانتقاد في مجتمعها الأميركي، بسبب ما كانت تسوقه من أفكار مناهضة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية، ومن إصداراتها «المرض كمجاز»، «الإيدز وتحولاته»، «صناعة الأدب»، «أنماط من الإرادة الراديكالية» وفي مجال الروايات أصدرت: »الُمحسن«، سجُعبة الموتء، «عاشق البركان»، «في أميركا»، وفي مجال المسرح أصدرت مسرحيتين: «أليس في السرير»، و«سيدة من البحر».
