مؤلف هذا الكتاب هو الباحث مجدي كامل عضو اتحاد الكُتاب المصريين، ومن إصداراته الحديثة: «بي نظير بوتو.. وقائع موت معلن»، و «أشرار التاريخ»، و«جمهوريات الموز»، و«بلاك ووتر»، ومن مؤلفاته السابقة نذكر منها كتاب «مجوهرات العائلة»، وترجمة كتاب »في قلب العاصفة« الذي كتبه مدير المخابرات الأميركية السابق جورج تينيت

للمؤلف كتاب «عماد مغنية.. الثعلب الشيعي» وهو الكتاب الوحيد الذي تحدث عن شخصية عماد مغنية القيادي في حزب الله اللبناني، وفي كتابه الحالي «نزار القباني ـ شاعر المرأة والحب»، يؤكد المؤلف أن نزار قباني هو شاعر المرأة بلا منازع، وما من شاعر تناول حوار الأنثى من جميع زواياها وأبعادها وبأدق تفصيلاتها كما فعل هو، ولكن نزار كان دائماً محل خلاف بين أوساط النساء.؟ يذكر الكاتب إنه منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها نزار شاعراً إلى الوجود، وهو يثير حوله الخصومات مع كل قصيدة كان يكتبها وتثار زوبعة، وتقوم ثورة، ويسبه البعض، ويهاجمه آخرون، ومع هذا كله لم يمنع هذا الأمر ملايين العرب في شتى أنحاء المعمورة من التعلق بشعر هذا الرجل لدرجة انه لم يقيض لشاعر من قبله أن يحظى بما حظي به هذا الشاعر.

ويلقي الكاتب الضوء على قصيدة «خبز وحشيش وقمر» التي خرجت بنزار إلى دائرة الضوء، وقدمته إلى القارئ العربي بطريقة صاخبة، التي هاجم فيها نزار بقسوة طبائع الشرق في الاستسلام إذا جاء القمر، وكأنه يمسك بأزميل يحطم به كثيراً من الأفكار العزيزة على الناس، ثم نشر قصيدة «حبلي» التي أحدثت ثورة هائلة، وتحكي قصة فتاة استسلمت لفتاها، حتى إذا جاءت تبلغه بأن هناك ثمرة للخطيئة قادمة في الطريق أنكر الجنين، ثم أنكرها، وراح يحاول تهدئتها بخمسين ليرة.

في فصل آخر يتحدث الكاتب عن نتائج معركة نزار مع المرأة، قائلاً: بعد زواج نزار واستقراره عاطفياً ونفسياً ومع تفاقم الأحداث السياسية في العالم العربي، واحتدام الصراع العربي الإسرائيلي تغيرت نظرته للمرأة، وانعكس ذلك على شعره، فلم تعد المرأة ذلك الكائن السلبي الذي يقبع في مكانه في انتظار إشارة الرجل، مشيراً إلى موقف نزار من المرأة من خلال كتابه «المرأة في شعري وفي حياتي».

فيقول: «المرأة لم تكن في يوم حلم الرجل العربي، ولكنها كانت رهينة، والمزرعة التي يمارس عليها إقطاعه التاريخي، لو كانت المرأة حلماً عربياً، لكان المجتمع العربي حديقة وقمراً»، ولكن الرجل العربي لا يتعاطف مع الحلم، ولا يستطيع في علاقته مع الأنثى أن يكون شاعراً، إن جذوره القبلية والإقطاعية تملي عليه أن يتصرف مع المرأة.

كما يتصرف مع الأرض والبذور والثروة الحيوانية، ولا تؤاخذني إذا قلت أن أكثر رجالنا في علاقاتهم مع الفساد هم مباحثيون، أما بالنسبة لي كشاعر تورط مع المرأة، ووصل معها إلى نقطة اللارجوع، لا أستطيع أن أقول إنني لم أكن رجلاً عربياً، فأنا أيضاً ذرة رمل في هذه الصحاري التي تجتر عطشها، ولكنني على أقل تقدير لم أكن مباحثي، ولم تدخل إلى معتقلاتي امرأة دون محاكمة.

ويشير الكاتب إلى الفتاة التي أحبها نزار، قائلاً: لم يحظ نزار الذي كان تقدم للزواج في سن السادسة والأربعين بموافقة بلقيس ـ التي أنجبت له ولداً وبنتاً ـ رغم تحول موقف أسرتها لصالحه، وعندما جدد طلبه لم تتعجل بالموافقة، وكانت مترددة في الموافقة على الزواج، وكان سبب رفضها وترددها هو خوفها من كونه شاعراً مشهوراً وله حكاياته ونزواته مع النساء.

يرى الكاتب أنه من الخطأ والظلم أن يتم اختزال نزار قباني كظاهرة شعرية متفردة، لها خصوصيتها في مجرد أنه «شاعر الجسد» كما يتهمه البعض، ممن يقصرون تقييمهم لشعره ومكانته في أنثى يتغنى فيها بمفاتن الجسد، بينما يسقطون من عملية التقييم نتاجه العظيم من قصائد حبه الرمزية والحسية والروحية، ناهيك عن ثرائه الشعري في القصائد السياسية.

ويتناول الكاتب المرحلة الثانية من رحلة نزار مع المرأة نظرة وشعراً، وهى مرحلة «المرأة الرمز» التي تعبر عن نضج نزار من حيث التجربة الإنسانية، وانعكاسها على نضج تجربته الشعرية، فقد أصبح نزار من أكثر من تصدوا لقضايا المرأة العربية، ليس تحزباً أو تحيزاً إليها، ولكن انطلاقاً من إيمانه بقضية تحرر الإنسان بشكل عام.

يقول الكاتب، لم يكن نزار مجرد شاعر يكتب قصائد تغنى وإنما كان يتخير من يترجم أعماله بصوته، ولم يكن يتقاضى مالاً عنها، وإنما كان يقدمها بصفة شخصية، وبطريقة تعتمد على حجم العلاقة الحميمة التي تجمعه بمطربة كنجاة الصغيرة أو فيروز أو عبدالوهاب أو عبدالحليم، ولنزار طريقة فريدة من نوعها في كتابة شعره الغنائي، فقد كان شعره يخضع للتفعيلة حين تسمعه.

ولكن إذا ما حاولت أن تقرأه يخيل إليك انه ينتمي للقصائد المقفاة، والموزونة، التي يلتزم فيها الشاعر قواعد بحور الشعر، ومن أكثر المطربين العرب الذي تغنوا بروائع نزار من الشعر الغنائي العندليب الأسمر الراحل عبدالحليم، وكان أول لقاء جمع بينهما في أغنية «رسالة من تحت الماء».

ويضيف الكاتب قائلاً: كما كان هناك لقاء مثير جمع بين نزار وأم كلثوم وكان الموسيقار عبدالوهاب هو الوسيط بينهما، والذي ترجم ما قاله نزار إلى نغم ساحر، وصوت ثائر، كان العرب في حاجة إليه لكي ينهضوا لنجدة الوطن المغتصب، وقد كانت له قصة معها عندما قدم لها قصيدة «اغضب كما تشاء»، قائلاً: كنت أقرأ القصيدة لأم كلثوم في فيللتها بالزمالك، وكانت تصغي إليّ بذوق شعري رهيف، وعقل مفتوح، وعندما فرغت من قراءة القصيدة، قالت لي السيدة العظيمة: «قصيدتك جميلة جداً يا نزار، ولكنها ـ تتعارض مع مبادئي، ومواقفي، ونظرتي إلى الحب».

بلقيس الام

مع بلقيس شعر نزار أنه يعيش في حضن أمه، فقد أدركت بلقيس أن نزار مثل كثير من الرجال يحتاج إلى امرأة تكون في المقام الأول أماً، ثم بعد ذلك زوجة فظلت تعامله كطفل، وتعوضه عن بعده عن أمه، وكانت بلقيس تمنح نزار كل يوم أملاً جديداً، واستطاعت بحسها المرهف أن تصل إلى أعمق أعماقه فتخاطب أحاسيسه ومشاعره، ولكن الأقدار أقوى من الحب والأعمار فكانت فاجعة نزار بمقتل رفيقة حياته بلقيس.

نزار الكاتب

يذكر المؤلف أن نزار كان كاتباً من الطراز الأول، وإن نثره لا يقل أبداً إبداعاً عن شعره، ومن أعظم كتاباته نثراً ذكرياته عن ولادته وطفولته وأسرته وبلده سوريا في قطعة نثرية بليغة غاية في البلاغة يقول نزار فيها: «يوم ولدت في 21 آذار (مارس) 1923 في بيت من بيوت دمشق القديمة كانت الأرض هي الأخرى في حالة ولادة، وكان الربيع يستعد لفتح حقائبه الخضراء، والأرض وأمي حملتنا في وقت واحد، ووضعتنا في وقت واحد»، وعندما أطلقت دمشق اسمه على أحد شوارع المدينة الجميلة كتب نثراً من أروع ما يكون، وقد سجل نزار قبل وفاته بعام مشاعره تجاه هذا التكريم نثراً.؟