تطرق المؤلف إلى الغموض والالتباس الذي طغى على اتفاقات أوسلو منذ البداية، بحيث قام على ثلاث مبادئ وهي الاعتراف المتبادل والتعايش والسلام وحملت للطرفين معاني متباينة فسرها الطرفان بحسب نواياهم، فإسرائيل تفهم من الاعتراف بحقها في الوجود اعترافا بحقوقها التاريخية في فلسطين والتي قامت على أساسها دعاوى الصهيونية.

أما بالنسبة للفلسطينيين فهو احترام لقرارات الأمم المتحدة والتعايش فهو للإسرائيليين يعني الأمن وللفلسطينيين يعني الاحترام لحقوقهم ووجودهم على قدم المساواة وإلغاء أحادية الهيمنة على أساس حق الأقوى.

وأما السلام في رأي الباحث فهو يعني للإسرائيليين سلاما شاملا ودائما يضمن للدولة اليهودية اعترافا نهائيا أيا كان الوضع النهائي بالنسبة للفلسطينيين. أما الفلسطينيون فهم يرون ضرورة أن يأتي سلاما عادلا يضع في اعتباره جذر الصراع ونتائجه الكارثية بعد النكبة.

وهكذا كل عنصر من عناصر الاتفاق يحمل للطرفين معان متضاربة ومتصادمة وكل يفسرها كما يريد.وأشار ديمتري إلى هدف أوسلو الذي كان وقف الانتفاضة أولا ثم عزل الفلسطينيين في معازل منفصلة غير متصلة لا تقوى على الحياة اقتصاديا ومحاطة بالقوات العسكرية الإسرائيلية تقوم بينها مستوطنات وطرق التفافية تنتهك في الأساس وحدة الأراضي الفلسطينية وتكاملها.

ويعتبر الكاتب خلفية عملية السلام في العقل الإسرائيلي والأميركي عبارة عن فرضية أن الفلسطينيين وهم يعانون ما يعانون من العقاب والضرب والإهانات سيستسلمون في نهاية الأمر ويقبلون بالتنازلات التي تفرض عليهم، وفي الوقت نفسه استمرت إسرائيل بكل قوتها العسكرية وترسانتها النووية تتخذ موقع الضحية، وتطالب بالتعويض عن المحرقة المعادية للسامية في أوربا.

ويرى ديمتري بأنه بعد مضي سنوات في تطبيق أوسلو بالتفسيرات والمفاهيم الإسرائيلية وبالنوايا المبيتة وراء الاتفاق منذ البداية، يتكشف الأمر بأنه لا خلاف في الحقيقة بين الاتجاهين والخطين يسار ويمين، عمل أو ليكود حيث يتفق كلاهما على الخطوط الرئيسية للتسوية الدائمة التي ستفرض على الفلسطينيين والتي تسقط بالكامل قضية اللاجئين وتحافظ على المستوطنات الكبرى أرضا وتبعية لإسرائيل.

ويرى الباحث بأن خلال »عملية السلام« ساد تشريعان:أحدهما لليهود والآخر للفلسطينيين بحيث لليهود حق اغتصاب الأرض والبناء عليها بينما الفلسطينيون لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم، وليس لهم الحق في البناء إلا بتصاريح. ومن جهة أخرى تطرق المؤلف إلى الفصل العنصري «الأبارتيد» الذي اكتمل بالفصل الاقتصادي الذي لم يخلف للفلسطينيين سوى البطالة والمزيد من الفقر والمجاعة، فخلال ثلاثين عاما من الاحتلال ـ حسب الباحث ـ قبل أوسلو وبعدها ظل الاقتصاد الفلسطيني تابعا.

واستعرض الكاتب أزمة إسرائيل الوجودية بعد سنة 1967 حيث استولت على كامل التراب الفلسطيني وهي رغبة شملت المجتمع الإسرائيلي كله في ضم أراضي إسرائيل التاريخية في الضفة الغربية دون سكانها وهو برأي ديمتري ما أوقع إسرائيل في الدائرة الحقيقية، والتناقض الوجودي والمصيري للمشروع الصهيوني نفسه بإنشاء دولة يهودية نقية، فمع ضم هذه الأراضي والاستحالة الراهنة على الأقل في ترحيل سكانها وإجلائهم، تهددت الصفة اليهودية للدولة النقية وهنا تصطدم الاعتبارات الأيديولوجية والنوايا السياسية والاقتصادية مع حقائق الديموجرافيا السكانية.

ويؤكد الباحث بأن سلسلة اتفاقات أوسلو الغامضة الملتبسة بعملية غش ما إن بدأت حتى تحولت إلى سيرك دبلوماسي حولت القضية الفلسطينية التي هي القضية الأعدل والأكثر مأساوية في القرن العشرين إلى معركة مبتذلة حولت السطو على وطن واغتصابه وتحويل نصف شعبه إلى لاجئين، وإخضاع النصف الآخر للاحتلال إلى مجرد نزاع عقاري.

وذهب ديمتري إلى المعاناة القاسية بعد سبع سنوات وسبع اتفاقيات ثنائية بلا جدوى، عم في فلسطين شعور قاس بالظلم والخيانة أدرك الفلسطينيون أن هدف «السلم الدائم» كان هو «عملية سلام لا تنتهي».

وفي السياق نفسه استعرض ديمتري مفاوضات كامب ديفيد الثانية يوليو 2000 والتي جاءت كمحاولة إنقاذ وصورت على أنها نقطة تحول في العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية، وأن باراك كسر كل التابوهات أو المحرمات وأنه قدم من التنازلات ما لم يقدمه أحد من رؤساء الوزارات الذين سبقوه.

الميثولوجيا الصهيونية

يذهب الباحث أديب ديمتري إلى أن القتل السياسي للفلسطينيين بمختلف صوره وأشكاله يأتي من ورائه الميثولوجيا الصهيونية التي تسيطر حاليا على الغالبية من اليهود في إسرائيل والتي رأت في غزو فلسطين في ظل الاستعمار البريطاني وبعدها في سيناء ومرتفعات الجولان دفعة جديدة لإسرائيل من حيث هي مجتمع كولنيالي لمهاجرين يعمرون أرضا جديدة تقع في قلب الممالك القديمة المحيطة بإسرائيل التوراتية، وهو ما يشكل عنصرا أساسيا في الوعي الميثولوجي اليهودي والصهيونية خاصة.

هذا الكتاب

يستعرض الباحث أديب ديمتري اتفاقية أوسلو وكيف استقبلت في الداخل (الأراضي المحتلة) في أيامها الأولى بتفاؤل وحماس كبير، حيث أعلنت في سبتمبر سنة 1993، أما في الخارج بالنسبة للفلسطينيين في المهجر فقد شعر الكثيرون في الخارج أنهم أهملوا وأن القيادة أسقطتهم من حسابها بالتفريط في حق العودة.

وحسب ديمتري أيضا اشتد القلق في المجتمعات على المصير كما رفضتها وعارضتها بشدة المنظمات الراديكالية الإسلامية واليسارية، وكشفت عما تنطوي عليه من تنازلات فادحة وبالأخص إنهاء الانتفاضة دون تحقيق المطالب الوطنية.

ناهد رضوان