بين البنفسجةِ والقرنفلة حديقةٌ زرقاء. نام تحت ظلالها شاعرٌ أزرق. وطافت حول قلمه عشر فراشات زرقاء، فكتب «والت وايتمان» على «أوراق العشب» أجمل قصائده؛ بينما جلجامش خدعته حيةُ الأسطورة فسرقتْ منه عشبة الخلود وقصيدة البقاء.
بين الياسمينة وأختها السوسنة تبرعمت حوريةٌ على أصابع القصيدة، بيضاء كعطر الأطلسي، تطاولت حتى أمطرت نرجساً وليلكاً في إشراقات الغيوم المفضضة.. هنا تكاثر الزعفران بين سطور الرواية الأخيرة ليلقي نشيد البرتقال السعيد؛ وهناك رستْ حفنةٌ من العنبر الأبيض على ضفاف البحيرة الوحيدة فتراقص العطر على أهداب الصباح. الفراعنة رقصوا على دخان معابدهم وابتكروا البخور والعطور من زهرة اللوتس، والأندلسيون حفظوا كيمياء المسك من فارس عربي سقط قبل دخوله غرناطة كفاتحٍ أخير، فجاء «أمين معلوف» في القرن العشرين بأنفٍ روائي من طراز تاريخي ليكتب أساطير قرطبة وغرناطة كباشق تركته سيوف التحرير ليؤرخ ذلك المجد الأحمر.
قريباً من جبال الهيمالايا تضوعت رائحة خشب الأرز وامتزجت بعطور الصندل الذي نفحته أفعى جبلية بجلجلة أجراسها وتوارت مع سقوط المطر، بينما طاغور ينمّي ذاكرته على رائحة السحب البيض والأعشاب الندية وأشجار البيبال.
أثناء بحثهم عن طريق للتجارة مع الهند اكتشف البرتغاليون أرخبيل العطور «جزر القمر» ووصفوا منها جزيرة «أنجوان» بالجزيرة المعطرة لكثرة غابات الزهور فيها. والهنود ضوّعوا المعابد باللّبان والنعناع البري فورثوا الحكمة الجليلة من الزنابق والأمطار الاستوائية وبخور الاحتفالات الدينية البهيجة.
دأب التجار العرب في الجزيرة العربية منذ القرن الثالث على البحث عن (العود) في مواطنه الصينية والهندية في قوافل منتظمة حتى بات ( درب البخور) لا يُعرف إلا بهم. والعود شجرة فطرية تسمى بالهندية «أكولاريا أغالوتشا» تفرز مادة دهنية «العود «وظيفتها مقاومة الأمراض التي تصيب الشجرة.
المتنبي تشبع برائحة الصحراء والأشواك البرية وبشار بن برد «يشم» القصيدة قبل أن يكتبها وسوسنة عنترة بن شداد مؤجلة حتى إتمام الشطر الأخير بنصل السيف لا بريشة الوردة.
عطر المساء للعروس التي تزوجها فارسٌ حالمٌ بجنينة أطفال ألوانهم مثل كناريات مدغشقر، وعطر الصباح لرجل أصلع أثقلته خمرةُ كرشه فتهدلت حياته على مشارف الخمسين. وعطر المرأة الأرستقراطية مذبحة أزهار..
أوروبا الباردة تنتج المسك البارد وأنثى الغزال البري تنتج من سرتها المسك الأسود والحوت الأزرق يقذف من جوفه عطر العنبر وقط الزباد يفرز الزباد القوي والقندس الكندي يفرز عطراً شرقياً، ولكن تبقى النحلة الشمّام الماهر في حفلة العطور التي لا تنتهي.
الحيوانات تتلاقح بالشم. تهيجها روائح الإناث النافرات. والشاعر تغذيه صورة صغيرة من صور الطبيعة ـ رائحة طفل كفيلة بإشعال الطفولة الماضية فيه ـ إفرازات الباتشولي الأندونيسي تستقدم له سفن الصيد التي تمخر عباب البحار والمحيطات ـ أشنة البلوط اليوغسلافية تحيي فيه أسفار الشباب المندحر ـ الشاعر يتأثر من انفلاق وردة، فالوردة تصنع سعادة بحجم حديقة.
من أجل تعطير عنق سيدة ارستقراطية متأنقة بقطرة الياسمين عليك أن تذبح 8000 ياسمينة وتستخلص من دمائها قطرة الأرق، فباحثو جامعة ويلبنج جيبوسيت الأميركية اكتشفوا أن الياسمين يساعد على النوم الهادئ.وأميرة نارولي الايطالية أول من بدأت موضة استعمال خلاصة زهرة البرتقال فسميت باسمها وزهرة الأيلنغ تبشر العشاق بنهاية تسونامي، ليكتب شاعر مجهول إن العالم يجب أن لا ينتهي بطريقة الغرق!
وعلى طرف آخر من العالم تكتب «نيلوفر بازيرا» عن الربيع الأفغاني الذي قتلته الحروب الجاهلية الجديدة في روايتها الرائعة «بساط من الزهر الأحمر» لكن فاطمة أوفقير مخادعة من طراز واقعي حينما كتبت «حدائق الملك» وكانت تعني «سجون» الملك، فالاستبدال الفني في المفردة جعلها تسخر من وقائع مريرة حقيقية عاشتها في سجون الملك لمدة عشرين عاماً.
قال «جان كلود» الذي يتخذ من أسماء الرسامين والأدباء والفنانين أسماء لصناعاته العطرية كبودلير وديبوس وسيزان «عندما أكتب عطراً فإن الرائحة هي الكلمات «محاولاً بألمعية شاعرية من استبدال الوظيفة الأساسية للمفردات بأخرى رديفة لها في الجوهر الفني وعميقة في تجلياتها المختلفة ف» الكتابة» هي «العطر» و«الرائحة» هي «الكلمات» في متوالية رباعية بارعة يمكن اختصارها إلى: الكتابة = العطر كثنائية شعرية برائحة مبدعة تتضمن قدراً عالياً من القيمة الإنسانية عالية المستوى إلى فعل «الكلمة» بوصفها نتاجاً عبقرياً للحضارة الإنسانية على مر تاريخها الطويل، ولو لم يكن السيد «كلود» في دائرة الشهرة المبدعة كصانع عطور من طراز رفيع لم يكن ليرتقي إلى هذا التوصيف الراقي الحافل بالخيال الفني البليغ.
في القرن السادس عشر الإنجليزي كتب شكسبير في مسرحية ماكبث «لا يمكن لكل عطور الجزيرة العربية أن تجمّل هذه اليد الصغيرة «منطلقاً من معرفة دقيقة لمواصفات الشرق بوصفه مصدراً لهذه البضاعة التي غزت الغرب الأوروبي بأكثر من وسيلة وليس آخرها الحملات الصليبية التي اجتاحت الشرق وتعرفت على مكوناته الجمالية والحضارية. ومن الثابت أن العرب بعد دخول الأندلس أدخلوا ثقافة العطر إلى أوروبا عبر اسبانيا بتصديرهم أنواع العطور كالعنبر والبلسم والبخور والكافور والورد الدمشقي.
تذكر مدونة تاريخية أن «نيرون» استهلك في جنازة زوجته كل ما أنتج من عطرٍ في الجزيرة العربية خلال عشر سنوات، وكان سقف قاعة دعواته الأسطورية في بلاطه العملاق يمطر رذاذاً من العطور وقصاصات الأزهار والورد؛ فيما كان بلاط الملك لويس الرابع عشر يسمى «البلاط المعطر» لكثرة العطور المرشوشة في زواياه ومنعطفاته، حتى أن رجال البلاط كانوا يغتسلون بالعطر بدل الماء والصابون!
كان نابليون يستهلك نصف غالون من العطور يومياً؛ وكانت مدام دي بومبادور الفرنسية تصرف أموالاً طائلة لشراء العطور لإغراء الملك لويس الخامس عشر؛ ولم تقتصر نساء الإمبراطورية الرومانية على تعطير أنفسهنّ بل كنّ يعطرنَ كلابهنّ وقرودهنّ.
أما في قصور الإمبراطور الروماني فكانت أسراب العصافير الصغيرة تغمس أجنحتها بالعطور الفواحة أثناء المآدب الكبرى ليتساقط الرذاذ المعطر على رؤوس المدعوين بخفة ورفق، فيشيع جواً من الروائح النفاذة التي تغمر الضيوف في مكان يتحول إلى جنينة أسطورية، وهذا المشهد يتكرر في أدبيات ألف ليلة وليلة في قصور الخلفاء لاسيما في العصور العباسية حيث بلغت بغداد مبلغاً من الترف والثراء لا يُضاهى، فأثناء الدعوات الرسمية النفيسة تُغمس أجنحة الحمائم والعصافير الملونة بالعطور المختلفة وتطير على رؤوس المدعوين لتنشر رذاذ أجنحتها عليهم وترفرف في أفنية القصور بما يجعل المناخ الصغير معطراً وعطراً على مدار اليوم.
كثير من الأعمال الأدبية استحوذت على ثيماتها «الرائحة» كموضوعة أثيرة لدى المبدعين لما فيها من رمزية وغموض وتشويق في تتبع الأثر غير المرئي للنص الأدبي، فالرائحة، عطراً شذياً كانت أم انتانة ونفايات، لابد أن تضفي على النص الأدبي لوناً فنياً مغايراً لما هو دارج في السرديات بشكل عام حتى أن رواية «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم استعارت عنوانها من هذا التكثيف اللامرئي مع انها تعد من رواية من أدب السجون.. وموضوعة العطور تثير بي شيئاً من الأسئلة النقدية في توصيف التلاقي الممكن بين صناعتين تختلفان في المواد ومنافذ التسويق ولكنهما تلتقيان في الهدف الفني والمسعى الجمالي المشترك؛ فهل يمكن لنا أن نوجِدْ تقارباً فنياً موضوعياً بين تركيب العطر وتركيب الرواية؟؟
العطر نتاج مئات الأزهار المختلفة المنشأ والروائح التي تدخل في مراحل كيميائية معقدة حتى يُستخلص النوع العطري الذي يُستهلك في نهاية الأمر، أما الرواية فهي مخاض عشرات ومئات القراءات والتجارب الإنسانية المعقدة، ولعل الرواية المعرفية المنتشرة في العالم في طبعتها الأخيرة تمكنت من أن تتمرد على جهوزية القوالب الروائية المتداولة، فَنَحَتْ لأن تجتذب إليها كل العلوم والمعارف من تاريخ وجغرافيا وفلسفة ودين وتراث وموسيقى وتشكيل وسينما، لتتوصل إلى خلاصات راقية من هذا الطيف العطري الشائك وتنجو من التقليد الدارج للكتابة الروائية و«شفرة دافنشي» تصلح نموذجاً تطبيقياً للحقل الروائي الجديد الذي مرّ بأنابيب اختبار ليست هيّنة في نهاية الأمر.
ثمة فيلم أميركي اسمه «شذى امرأة» ارتكز في بنائه العاطفي على الرائحة حيث يفتقد رجلٌ امرأةً ضاعت منه في زحام الحياة، لكنه يستدل عليها في نهاية الأمر من عطر خاص كانت تستعمله في حياتها.
أباطرة وأكاسرة ورؤساء ووزراء حفل التاريخ بأسمائهم حوّلوا حياتهم وقصورهم ورياشهم إلى بذخٍ من روائح عاطرة تكتظ بالأزهار والورد وأمطار العطور، ومنذ ان وعى الإنسان حضوره اليومي في مسرح الحياة وهو يبحث عن نطفة الجمال في مكونات الطبيعة، وقد يقودنا البحث إلى خمسة آلاف سنة حيث ترافق استعمال العطر مع نشوء المعابد وتعدد الآلهة بالمعتقدات القديمة، فالفراعنة المصريون كانوا يحرقون صمغ الراتينج كقرابين للإله (رع) كما استخدموا الياسمين واللوتس والّلبان والزعتر كمراهم ودهون، بل استخدموا العجائن المعطرة التي تساعد المرضى على تجديد نشاطاتهم النفسية، كما استخدموا العطور في تحنيط الموتى.
ولم تكن فكرة المعابد طارئة على الوجود الإنساني القديم، فهي البوصلة التي ظلت تشده إلى مختلف الظواهر الحياتية وبالتالي انصبّ اهتمامه على تمجيد معتقداته الروحية لإشباع غريزة العبادة الفطرية لديه للتقرب من ( الآلهة) عبر أول خط مباشر هو.. الرائحة من خلال رائحة العطور التي تعطر أجواء المعابد على مدار الساعة كأول مظهر غير مادي يبتكره الإنسان القديم لتعميد طقوسه وترسيخ معتقداته الدينية، وظل الفراعنة يتمسكون بهذه المعتقدات متضامنين مع واقع حياتي حتّم عليهم التمسك برموزهم الدينية وما يستخلصونه من الطبيعة من مظاهر وإشارات غامضة عليهم.
وربما كانت زهرة اللوتس هي النوع المفضل الذي استحوذ على رغباتهم بجماليات لا حصر لها فاستودعوا رحيقها في أوعية فخارية ودفنوها في حجراتهم ورسموها على جدران منازلهم ومعابدهم.هذا الإنسان الأول الذي أنتجته الحياة تعامل بحس جمالي خيالي غامض مع الطبيعة، منقاداً خلف شهوة الخلود العَطِر وسحره اللا مرئي، مشدوداً إلى قنوات أسطورية دينية، فحاجة البقاء تدفعه إلى الابتكار وهي حاجة ارتبطت بتشخيصه لمكونات الطبيعة ومكنوناتها السرية.
ولعل «الرائحة» هي إحدى هذه المكنونات السحرية التي قيدته في الحياة كوجود والموت كزوال جسدي، لذلك كان تحنيط الموتى وتعطيرهم برحيق اللوتس والراتنج وأنواع مختلفة من الزهور والأعشاب والأوراق هو لإبقاء نبض (الحياة) قائماً في الموت! فالإنسان القديم يتماهى مع الحياة بجدية ولا يعد الموت نهاية ثابتة؛ إنما هو نزول إلى عالم سفلي آخر.
أول العطور
أول صناعة عطور عرفتها أوروبا كانت في مصنع «جيكي غرلان» عام 1889 حيث تم تصنيع «عطر الورد» ثم ظهر عطر «النرجس الأسود» وفي عام 1920 عرفت سيدات باريس عطر «شانيل» وفي سنة 1940 ظهر أول عطر مخفف يعرف حالياً بالماء المعطر رافقه ظهور الصابون المعطر.
وارد بدر السالم

