لم يقم «محمد بن جبير» المولود سنة 540 هـ في «بلنسية» على مصب نهر الوادي الكبير في الأندلس، برحلة واحدة، بل قام بثلاث رحلات، قصد فيها جميعاً الحج، الذي كان مقصد كل الراحلين من الغرب إلى الشرق، والذي وهب الأدب العربي مجموعة من أجمل ما عرف من رحلات، وخاصة إذا أضفنا إليهما طلب العلم، ولم يدون «محمد بن جبير» أخبار هذه الرحلات كلها في كتابه «رحلة ابن جبير» بل قصره على الرحلة الأولى وحدها. وصرح «محمد» في صدر رحلته، أنه لم يكن وحيداً فيها، إذ كان »أحمد بن محمد القضاعي» رفيقاً له، وكان «أحمد» ممن درس الطب وأصدر فيه كتاباً مفيداً، وشارك في بعض العلوم الأخرى. شرع :محمد بن جبير» ورفيقه في الرحلة، بمغادرة غرناطة، في أول ساعة من يوم الخميس 8 شوال سنة 578هـ.

وأنهياها بالعودة إليها يوم الخميس 22 محرم سنة 581، فكانت مدتها عامين وثلاثة أشهر ونصفاً، قضيا منها في الأندلس 18 يوماً، وفي المغرب ثلاثة أيام، وعلى البحر الأبيض المتوسط شهراً، وفي العودة ثلاثة أشهر، وفي مصر نحو أربعة أشهر، وفي البحر الأحمر تسعة أيام، وفي شبه الجزيرة العربية نحو عشرة أشهر، وفي العراق نحو شهر ونصف، وفي الشام نحو ثلاثة أشهر ونصف، وفي صقلية نحو ثلاثة أشهر ونصف، وتعد الإسكندرية أول مدينة في رحلته، لأن المؤرخ لم يتعرض للأماكن السابقة التي زارها بغير التسمية، أما هي فأول مدينة طبق عليها المنهج الذي اتبعه في تدوين رحلته.

وعني في الكتاب كله بالغرباء. من الكتاب: معبد إخيم من مدن مصر: من أعظم الهياكل المتحدث بغرائبها في الدنيا، هيكل عظيم في شرقي المدينة المذكورة، وتحت سورها، طوله مائتا ذراع وعشرون ذراعاً، وسعته مائة وستون ذراعاً، يعرف عند أهل هذه الجهة بالبربا، وكذلك يعرف كل هيكل عندهم، وكل مصنع قديم، قد قام هذا الهيكل على أربعين سارية حاشا حيطانه، دور كل سارية منها خمسون شبراً، وبين كل سارية وسارية ثلاثون شبراً، ورؤوسها في نهاية من العظم والإتقان.

وقد نحتت نحتاً غريباً، فجاءت مركنة بديعة الشكل، كأن الخراطين تناولوها، وهي كلها مرقشة بأنواع الأصبغة اللازوردية وسواها، والسواري كلها منقوشة من أسفلها إلى أعلاها، وقد انتصب على رأس كل سارية منها إلى رأس صاحبتها التي تليها، لوح عظيم من الحجر المنحوت، من أعظمها ما كلنا فيه ستة وخمسين شبراً طولاً، عشرة أشبار عرضاً، وثمانية أشبار ارتفاعاً، وسقف هذا الهيكل، كله من ألواح الحجارة المنتظمة ببديع الإلصاق، فجاءت كأنها فرش واحد، وقد انتظمت جميع التصاوير البديعة والأصبغة الغريبة، حتى يخيل للناظر فيها، أنها سقف من الخشب المنقوش.

m_alfahed@yahoo.com