مؤلف هذا الكتاب هو الأديب والصحافي الأميركي فراي غايارد، وهو يقدم هنا صورة أخاذة عن الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر. إنها صورة شخصية وعامة في ذات الوقت، من هنا جاذبية الكتاب كما يقول الكثير من المعلقين عليه.
فمن هو هذا الشخص ذو الوجه الإنجيلي الطيب على عكس بوش وريغان؟ من هو هذا الرجل ذو الابتسامة الإنجيلية المحبة للسلام والوئام بين البشر؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: ولد جيمي كارتر في الأول من أكتوبر عام 1924، وهذا يعني أنه تجاوز الآن الثالثة والثمانين من العمر. ومع ذلك فلا يزال ناشطا في الحياة الدولية ويفعل كل ما يستطيع لإطفاء لهب الحروب بين البشر. وقد ولد في قرية صغيرة تدعى بلينز تابعة لولاية جورجيا الواقعة جنوب الولايات المتحدة الأميركية. وكان والداه مزارعان ومؤمنان ملتزمان بالمذهب البروتستانتي المسيحي الغالب في أميركا.
وقد تخرج من جامعة جورجيا عام 1946. وفي ذات العام تزوج فتاة تدعى روزالين سميث. وهي لا تزال زوجته حتى الآن، وتربطه بها علاقة حب نادرة استمرت أكثر من ستين سنة ولا تزال. وهذا شيء نادر في عالم السياسة حيث يكثر الطلاق وتعدد الزوجات والعشيقات والخيانات.
أما كارتر فلا يعرف شيئا من هذا القبيل لأنه رجل مؤمن ويطبق التعاليم الأخلاقية للدين حرفيا، وبالتالي فليس واردا أن يخون زوجته لأن الزنا حرام. ويبدو أنه كان طالبا موهوبا ومتفوقا، ويشهد على ذلك كل زملائه في الدراسة. ثم انخرط في سلاح البحرية لفترة من الوقت.
ولكن موت والده المفاجئ عام 1953 جعله يترك الجيش ويعود إلى قريته الصغيرة (بلينز) من أجل الإشراف على المزرعة العائلية وزراعة فستق العبيد أو الفول السوداني. ومنذ طفولته أبدى كارتر ميلا إلى الدين والقيم المسيحية، وقد راح يعلم العقيدة والعبادة على مدار حياته السياسية. وبالتالي فتدينه عميق وقديم على عكس بوش الذي اكتشف الدين فجأة وبعد أن تجاوز الأربعين.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن الشيء الذي يؤخذ عليه في البداية هو علاقته بالأوساط العنصرية المضادة للسود في ولاية جورجيا. ومعلوم أن الولايات الجنوبية في أميركا هي الأكثر عنصرية وتعصبا. ولكن والحق يقال هو أنه غيّر رأيه مباشرة بعد أن انتخب حاكما للولاية. وقد ألقى خطابا هاما قال فيه: لقد انتهى عهد التمييز العنصري في أميركا، وبالتالي فلا مستقبل له في ولاية جورجيا.
وبرهن بذلك على شجاعة سياسية حقيقية. فالواقع أنه خسر الكثير من شعبيته بعد هذا التصريح، ولكنه لم يتراجع عن رأيه. وكان أول رجل سياسة يتجرأ على قول مثل هذا الكلام أمام الجماهير. ولو أنه قاله قبل عشر سنوات فقط من ذلك التاريخ لخسر منصبه السياسي فورا.
وهذا دليل على تطور العقليات في أميركا. فما كان مستحيلا عام 1960 أو 1955 أصبح ممكنا عام 1970. ويشكل ذلك أكبر دليل على أن الأفكار العنصرية أو الطائفية ليست أبدية ولا من ثوابت الأمة، وأنه يمكن أن تزول إذا ما طرأ تطور على العقليات.
هذا وقد ظل جيمي كارتر حاكما لولاية جورجيا من عام 1971 إلى عام 1975: أي أربع سنوات. وعندما رشح نفسه عام 1976 لكي يصبح مرشح الديمقراطيين لرئاسة أميركا لم يصدقه أحد أو قل لم يحمله أحد على محمل الجد. فلم يكن معروفا إلا في ولايته، هذا في حين أن بقية المرشحين كانوا مشهورين على المستوى الوطني ككل ولهم صولات وجولات في العاصمة واشنطن.
ومع ذلك فقد استطاع أن ينال ترشيح الحزب له وأن يهزم الرئيس جيرالد فورد ويصبح الرئيس التاسع والثلاثين للولايات المتحدة وعمره اثنان وخمسون عاما. ثم يردف المؤلف قائلا: وأكبر إنجاز لكارتر طيلة مدة ولايته هو بالطبع كامب دافيد وتحقيق السلام بين مصر وإسرائيل بقيادة السادات وبيغين.
ولا يزال رؤساء أميركا الآخرون يحسدونه على مثل هذا النجاح الباهر لأنهم فشلوا جميعا في تحقيق مثيله. هو وحده استطاع تحقيق هذا الاختراق الكبير. فالرئيس كلينتون فشل في نهاية ولايته ولا يستطع تحقيق السلام بين عرفات وباراك، والرئيس الحالي بوش يحلم بمثل هذه الصفقة ولكن يبدو أنها بعيدة المنال وسوف يترك الحكم دون تحقيقها.
ولكن الشيء المهم الثاني في رئاسة كارتر هو أنه وضع احترام حقوق الإنسان في رأس أولوياته. وأصبح ذلك شعارا على سياسته الخارجية. فالدولة التي تحترم حقوق الإنسان تحظى باحترامه وإلا فإنه سيحاربها أو قل سيؤنبها ويشهّر بها على الصعيد الدولي. وهذا الاهتمام باحترام كرامة الإنسان ناتج عن إيمانه الديني العميق وتمسكه بتعاليم الإنجيل بالإضافة إلى تعاليم الفلسفة السياسية التنويرية الحديثة.
وهذا التوجه الجديد في السياسة الخارجية أذهل الناس وأرضاهم في ذات الوقت. فمن المعلوم أن سياسة نيكسون وكيسنغر لم تكن تولي أي اهتمام للمبادئ ولا لحقوق الإنسان. كانت فقط تبحث عن مصالح أميركا وتضع يدها في يد أي دولة تؤمن لها هذه المصالح حتى ولو كانت تنتهك حقوق الإنسان كل يوم.
ضد هذه السياسة الفجّة لنيكسون وكيسنغر نهض جيمي كارتر المثالي وأعطى بذلك وجها آخر لأميركا. ولهذا السبب أمر كارتر فورا بقطع العلاقات مع الديكتاتور الدموي سوموزا الذي كان يحكم نيكاراغوا بالحديد والنار.
وهناك مثل آخر على التناقض بين المبادئ والمصالح وكيف أن كارتر اختار المبادئ ألا وهو: قصته مع شاه إيران. فمن المعروف للقاصي والداني أن الشاه كان العميل رقم واحد لأميركا في الشرق الأوسط. ولكن كارتر لم يكن يحبه لأنه يعرف مدى استبدادية نظامه وتعذيبه للمعارضين السياسيين واعتماده على جهاز مخابرات خطير هو: السافاك. ولذلك فلم يحرك ساكنا لإنقاذه عندما اندلعت الثورة العارمة عليه بقيادة الخميني.
ولا يزال أتباع الشاه يلقون باللائمة على كارتر حتى هذه اللحظة ويتهمونه بأنه كان السبب الرئيسي لسقوط الشاه بمثل هذه السرعة. ثم يضيف المؤلف هذه العبارة المهمة: ولكن كارتر لم يصبح رئيسا حقيقيا إلا بعد انتهاء رئاسته. أما الآخرون فيقولون بأنه أفضل رئيس سابق لأميركا.
بمعنى أن الرؤساء السابقين يتقاعدون وينشغلون بأمورهم الخاصة بعد انتهاء ولايتهم. أما هو فلم يتقاعد على الإطلاق بل راح ينخرط في هموم العالم وقضاياه الكبرى أكثر مما كان يفعل أثناء رئاسته. وراح يتوسط في كل الصراعات والحروب من أجل تهدئة الطرفين ووضع حد لسفك الدماء.
وأثبت بذلك أنه شخص ذو نزعة إنسانية بالفعل ويحب خدمة الآخرين والسلام العالمي. وفي عالم 1982 أسس معهد كارتر في مدينة أطلنطا لحل مشاكل العالم وصراعاته ونشر الديمقراطية في العالم ومساعدة الدول الفقيرة على تحسين أوضاعها وتنمية شعوبها. وفي عام 1994 استطاع أن يحل مشكلة ذرية خطيرة بين أميركا ذاتها وكوريا الشمالية.
وفي ذات العام توسط لتحاشي الغزو العسكري لجزيرة هاييتي من قبل أميركا ونجح في الوساطة. وفي إفريقيا يقود جيمي كارتر برامج طموحة وضخمة من أجل التنمية ومحاربة الفقر وسوء التغذية والجوع. ثم ساهم في إطفاء الحرائق العالمية في أماكن أخرى من العالم. وهو الآن يحاول الشيء نفسه في فلسطين.
كل هذه الأعمال الخيرية والإنسانية جعلت الأكاديمية الموقرة في السويد تمنحه جائزة نوبل للسلام عام 2002. ولكن تحركاته أثارت استياءً كبيرا داخل أميركا وبخاصة في الأوساط اليمينية للحزب الجمهوري الحاكم. فقد أدان حربين على العراق عام 1991 و2003.
وأكثر من توجيه الانتقادات إلى الرئيس الحالي جورج دبليو بوش، ثم أثار عليه غضب الصهاينة في إسرائيل وخارجها عندما أصدر كتابه الشهير: «فلسطين: السلام لا التمييز العنصري»، وهو كتاب جريء جدا وعنيف ضد سياسة إسرائيل.
*الكتاب:رجل من بلينز جيمي كارتر وإرثه الأخلاقي والسياسي
*الناشر: مطبوعات جامعة جورجيا 2007
*الصفحات:144 صفحة من القطع الكبير
Prophet from plains: Jimmy Carter and his legacy
University of Georgia Press 2007
P.144

