عمل بريان ليتل ما بين عام 1964 وعام 1998 ضابطاً في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «سي.آي.ايه» وأصبح أحد الأخصائيين بكوبا وبالأخوين فيدل وراؤول كاسترو. أصبح ما بين عام 1990 و1994 مديراً لأجهزة الاستخبارات الأميركية لأميركا اللاتينية. ترك الوكالة الاستخباراتية المركزية عام 1998 ليتابع اهتمامه بالمسائل الكوبية ويقوم بأدوار «استشارية» لدى العديد من الرؤساء والمسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون».

أصدر بريان ليتل في عام 2005 كتاباً تحت عنوان: ما بعد فيدل: التاريخ الداخلي لجهاز كاسترو ولقائد كوبا القادم. وله كتاب آخر تحت عنوان: عين في السماء: قصة قمر التجسس الصناعي كورونا. ويعمل منذ عام 2006 باحثاً في معهد الدراسات الكوبية والأميركية اللاتينية في جامعة ميامي بفلوريدا. يصفه الكثيرون بأنه أحد أفضل الأخصائيين في العالم حول نظام كاسترو في كوبا. ما بعد فيدل: راؤول كاسترو ومستقبل الثورة الكوبية، هو عمل يتابع فيه المؤلف بريان ليتل ما كان قد تعرّض له في العديد من دراساته وأعماله السابقة عن نظام كاسترو في كوبا، لكنه يركز فيه على شخصية الرئيس الكوبي الجديد القوي منذ ما يزيد على 40 سنة وأنه كان الداعم الرئيسي لأخيه كي يستطيع الاستمرار على رأس الدولة، رغم الأزمات والعقبات الكثيرة.

إن المؤلف يعود بداية إلى سنوات الستينات، وتحديداً إلى الفترة التي أعقبت الفشل الكبير الذي لاقته عملية الإنزال البحري في خليج الخنازير بكوبا عام 1961 التي نظمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بالاعتماد على معارضين كوبيين كانت قد قامت بتدريبهم.

وهي العملية التي تبعتها في العام التالي أي في عام 1962، أزمة الصواريخ الكوبية التي كان الاتحاد السوفييتي قد نصبها فوق أراضي الجزيرة «سرا» وأرغمته إدارة جون كندي على تفكيكها وإعادتها إلى روسيا وحيث كادت تلك الأزمة أن تُدخل العالم في مواجهة «لم تكن نتائجها محسوبة».

وبعد أن يشير المؤلف إلى انخراطه في جهاز وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عام 1964 يؤكد على أن راؤول كاسترو كان يمثل آنذاك «لغزاً»، ولا يزال يمثل حتى اليوم «لغزاً» إلى هذه الدرجة أو تلك ولم تكن تتوفر عنه «تاريخياً» سوى بعض المعلومات النادرة في البدايات.

وهنا يشير المؤلف إلى أنه لاحظ، من موقعه السابق كضابط في جهاز الاستخبارات المركزي الأميركي، منذ سنوات السبعينات المنصرمة أن المراقبين الأجانب لم يولوا الأهمية الكافية لشخصية راؤول بينما صبّوا كل اهتمامهم على شخصية «الأخ القائد» فيدل.

هذا في الوقت الذي «اكتشف» فيه المؤلف، كما يقول، العديد من المؤشرات التي تؤكد على أنه لعب دوراً مركزياً في الثورة الكوبية نفسها، ثم إنه كان «الحليف الذي لا يمكن الاستغناء عنه» كي يستمر أخوه في السلطة تلك السنوات الطويلة.

ويؤكد بريان ليتل على أن نقطة القوة الأساسية لدى «الأخوين كاسترو» تتمثل في تكاملهما. ففيدل يتمتع بصفات القائد السياسي الجماهيري الذي يعرف كيف يشد الناس إليه من خلال «الصورة» التي استطاع أن يقدمها لنفسه مما جعله «محبوباً» لدى شرائح واسعة من الكوبيين، هذا فضلاً عن تمتعه بـ «موهبة خطابية» عالية سمحت له أن يتحدث دون توقف أمام الحشود لمدة ساعات طويلة. كذلك يتمتع الأخ فيدل بـ «رؤية استراتيجية» لابد منها بالنسبة لرجال الدولة.

أما نقطة الضعف الأساسية التي يتم التأكيد عليها في شخصية فيدل كاسترو فيحددها مؤلف هذا الكتاب، والخبير الاستخباراتي، بكونه فوضوي جداً وغياب الحس التنظيمي لديه. وهذه نقطة ضعف يمكن أن تكون «قاتلة» لولا وجود الأخ الآخر راؤول الذي يتمتع بـ «براعة عالية» على المستوى التنظيمي. ومن هذا الموقع بالتحديد كان هو «المهندس الحقيقي» لبنية النظام الذي لا يزال قائماً منذ نجاح الثورة الكوبية منذ حوالي نصف قرن من الزمن.

وكان راؤول كاسترو قد استطاع من موقعه كـ «وزير للدفاع» أن يبني «جيشاً حقيقياً» انطلاقاً من مجموعات من الميليشيات التي كانت قد خاضت حرب عصابات ثورية. واستطاع أن يجعل من هذه الميليشيات جيشاً منظّماً وفاعلاً يقوم بتأمين حماية النظام بكل انضباط وحزم ولكن أيضاً ينفّذ عمليات تدخل خارجي كما حدث في كل من انغولا واثيوبيا.

ونجح راؤول إلى جانب بناء الجيش ببناء أجهزة استخبارات مشهود لها أيضاً بالفعالية حيث نجحت في الكشف عن العديد من المؤامرات الرامية إلى إسقاط النظام والتي لم يكن السي.آي.ايه بعيداً عنها، ذلك أن إسقاط نظام كاسترو في كوبا كان دائماً من بين أولوياتها.ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أن راؤول كاسترو قد بنى منذ بدايات النظام الكوبي العديد من الشبكات التي ضمّت ضباطاً رافقوه في مسيرته الطويلة وأصبحوا اليوم جنرالات في الجيش الكوبي.

وهؤلاء الجنرالات يسيطرون تحت أمرته المباشرة على العديد من القطاعات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، وليس أقلها شأناً قطاع السياحة المزدهر في كوبا تاريخياً. ولكن في كل الحالات حافظ راؤول باستمرار على الإخلاص الكامل حيال أخيه الأكبر فيدل على قاعدة الاحترام والتقدير. وما يتم تأكيده في هذا السياق أيضاً هو أن راؤول لم يكن يتردد في تنفيذ جميع الأوامر التي يصدرها الأخ الأكبر، وهكذا لم يتردد في تنفيذ كل ما كان يطلبه منه بما في ذلك القتل إذا اقتضى الأمر ذلك.

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن راؤول كاسترو يمتلك وجهين. الوجه الأول هو ذلك الذي تعبّر عنه تسمية راؤول الرهيب، على غرار إيفان الرهيب في روسيا، ويسوق عنه المؤلف أنه قام عام 1963 بإصدار الأوامر لإطلاق النار على ضابط صف ضُبط وهو يدخّن الماريجوانا، وكان رفاقه في التدخين هم الذين نفّذوا الأمر.

وتوقف من يومها تداول الحشيش في صفوف الجيش. مثل واحد بين مئات الأمثلة، كما يشير مؤلف الكتاب.الوجه الآخر لراؤول هو أنه أيضاً رجل هادئ ويجيد الاستماع للآخرين. ولا يتردد في أن يعامل مساعديه على قدم المساواة معه ويطلب منهم النصائح. هكذا حافظ على العلاقات ضمن إطار الأسرة، وهي العلاقات التي كان فيدل قد قطعها، حتى مع ابنته وأخته وزوجته الأولى.

وبناءً على الخلاف بين الشخصيتين، فيدل وراؤول، يرى مؤلف هذا الكتاب أن أسلوب راؤول في الحكم سوف يكون مختلفاً عن أسلوب أخيه فيدل النرجسي والمحب للسيطرة ولـ «احتلال مقدمة المسرح». أما راؤول فإنه يفضل «تحريك الخيوط من وراء الكواليس». ثم إنه يميل، إلى هذه الدرجة أو تلك، لممارسة «قيادة جماعية».

هكذا بدأ فعلياً بدفع بعض الشخصيات الكوبية «المحيطة به» إلى الواجهة، ومن بينها «استبان لازو» عضو «المكتب السياسي» للحزب الحاكم، وكارلوس لاج الذي كان يتم النظر له كـ «رئيس وزراء» لدى كاسترو. وهذان شابان يتمتعان بشهرة أنهما «إصلاحيان» وهما أيضاً في الخمسينات من العمر، أي من «الشباب» قياساً إلى راؤول نفسه ابن ال75 عاماً.

وما يؤكد عليه المؤلف في المحصلة هو أن راؤول كاسترو يحظى بتأييد حقيقي وكامل من قبل أجهزة الدولة وجنرالات الجيش، لاسيما أنه في الموقع «الأقوى» عبر سيطرته على الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد. ولكن هذا لا يمنع وجود «أعداء» كثيرين. هنا يفتح المؤلف قوسين كي يؤكد أيضاً أن الولايات المتحدة لا تريد قيام مجابهات داخلية في كوبا قد تدفع عشرات، وربما مئات، الألوف من الكوبيين نحو شواطئ فلوريدا.

كتاب تتمثل إحدى رسائله الأساسية بالقول ان كوبا تعرف تغييراً في إطار الاستمرارية، مع إجراء إصلاحات اقتصادية وربما سياسية أيضاً.

*الكتاب: ما بعد فيدل

راؤول كاسترو ومستقبل الثورة الكوبية

*الناشر: توينتي فيرست سينشري بوكس ـ نيويورك 2007

*الصفحات: 160 صفحة من القطع المتوسط

After Fidl Raul Castro and the future of uba's revolution

Twenty-First CenturyBooks NewYork 2007

P.160