يعمل جان فرانسوا ماتيي أستاذاً في جامعة نيس الفرنسية وفي معهد الدراسات السياسية بمدينة اكس اون بروفانس، الواقعة في جنوب فرنسا. من مواليد الجزائر عندما كانت مستعمرة فرنسية. جرى انتخابه عضواً في الأكاديمية الأوروبية للعلوم. له العديد من المؤلفات من بينها: «البربرية الداخلية» و«أزمة المعنى» و«لغز التفكير»، الخ.

في هذا الكتاب الجديد يلقي المؤلف «نظرة» على الثقافة الأوروبية. ويرى أنها تعيش حالة من «القلق» الخاص بإمكانية الخمود والانطفاء. وهو يعرّفها على أنها «حالة فريدة للقلق في مجرى الثقافات». وهذه الثقافة مثل غيرها تتميز بتبني «نظرة ما على العالم». لكن إذا كان الهنود والصينيون والأفارقة لهم أيضاً نظرتهم على هذا العالم فإن الأوروبيين يتميزون عن الجميع بـ «طريقتهم» في النظر إلى العالم. وليس في «الطريقة» فقط وإنما أيضاً وأساساً، في «النظرة» ذاتها، والتي كانت وراء إنجاز «الأعمال الكبرى» التي يزخر بها المسار التاريخي الأوروبي المديد وشكّلت، إلى حد كبير، الخلفية التي قام عليها تفوقه.

ومن السمات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف في هذه «النظرة» الأوروبية هي أنها «تتجه نحو البعيد». وذلك بمعنى أنها «تأخذ المسافة الكافية» التي تسمح لها برؤية الأشياء بـ «عين نقدية». وهذا ما تتم ممارسته حيال «النظرة إلى الأسطورة» و«النظرة إلى العالم» و«النظرة إلى المدينة» و«النظرة إلى الروح».

كما تشير عناوين الفصول الأربعة الأولى من الكتاب، التي يليها فصل خامس وأخير يتحدث عن حالة «العماء في النظرة»، أو النظرة الفارغة، في إطار «النضوب» المحيط. ويشير المؤلف إلى أنه ليس وليد الصدفة أن يكون المسرح الذي يتميز بوجود قاعة ومتفرجين وخشبة «على مسافة»، هو فن أوروبي بامتياز.

وليس وليد الصدفة، برأيه، أيضاً أن يأخذ «المفكر الأوروبي» عامة موقع «المتفرّج» الذي ينظر ويتأمل كي يعطي لنفسه إمكانية امتلاك «النظرة البعيدة»، كما ينقل المؤلف عن مؤسس البنيوية كلود ليفي ستروس، أي النظرة الفاحصة، الناقدة، الباحثة فيما هو أبعد من الأفق.

هذه «النظرة البعيدة» الناقدة تتأسس، حسب التحليلات المقدّمة، على حالة من «القلق المستمر» الذي تعيشه أوروبا طيلة تاريخها بسبب التأرجح بين وزن إرثها التاريخي وبين محاولة تجاوز هذا الإرث. ويؤكد المؤلف أنه منذ القديم، ولدى كبار المفكرين الأوروبيين في القرن الماضي (العشرين) من أمثال سارتر وآرون وكامو وفوكو وبورديو وهايدغر وهابرماس وغيرهم حتى «أشباه المفكرين» في المرحلة الراهنة، كان يخيم على الجميع، إلى هذه الدرجة أو تلك، شبح الخوف من «انطفاء الثقافة الأوروبية».

ومثل هذا الخوف يتركّز اليوم أكثر من خلال النظرة التي يلقيها الأوروبيون على العالم. هذه النظرة «الثابتة والهلعة والفارغة». يتمثل أحد الأسباب الرئيسية التي يتم تقديمها لمثل هذه الحالة من الخوف من «النضوب»، هذا إذا لم يكن واقع أنه قد أصبح «واقعاً قائماً»، في التخلّي عن البعد الروحاني لدى الأوروبيين وغياب «المثل العليا» التي كانت النظرة الأوروبية تتحلّى بها.

ويعقد المؤلف في تحليلاته على مقولات الفيلسوف الألماني الشهير الذي يشكّل إحدى النقاط العلاّم في القرن العشرين، والتي أراد أن يبيّن فيها آليات انهيار العالم الثقافي القائم عندما ينهار عالم المثل. كما يعتمد أيضاً على شروحات شارل تايلور الذي قال انه عندما لا يعود العقل الأوروبي «مرتبطاً» بمثل أعلى فإنه يغدو مجرد التعبير عن «عملية إجرائية».

إن أوروبا، كما يصفها مؤلف الكتاب، هي وريثة اثينا وروما والقدس وبيزنطة وقرطبة. لكنها أبعد من هذا كله، وفوق هذا كله، تتسم، وهذه هي إحدى الأطروحات الأساسية في الكتاب، بـ «النظرة التي تلقيها على العالم، والتي سمحت لها أن تنشر «البعد الكوني» لثقافتها من هوميروس حتى كونديرا. وإذا كانت هذه النظرة «نقدية» في مراحل مديدة طويلة حيال «العالم» فإنها أصبحت تركز بالأحرى على «النقد الذاتي». إنها «نظرة فارغة على الحقبة القائمة».

وتتمثل إحدى الإشكاليات التي يركز عليها مؤلف هذا الكتاب، ويرى أنها ملازمة باستمرار للثقافة الأوروبية، في الفرق الشاسع «بين ما هو قائم» و«بين ما يمكن أن يكون قائماً، أو ما يُراد عمله». وهذا ما يتحدث عنه المؤلف «مجازاً» بالفرق بين «البعيد» و«القريب».

ويرى أن جان جاك روسو قد عبّر عن ذلك بشكل رائع عندما قال: «عندما يُراد دراسة البشر ينبغي على المرء أن ينظر حوله. لكن دراسة الإنسان تتطلّب تعلم النظر إلى الأفق البعيد». هذا البعيد لم يكن غائباً عن «النظرة الأوروبية»، بل كان هناك دائماً «مثلاً أعلى» يتطلع إليه الأوروبيون.

«المثل الأعلى» تبدّى في مختلف ميادين النشاط والفكر الإنسانيين كما تجسّدا في أوروبا، كما يؤكد المؤلف. فعلى الصعيد العلمي تمثل ذلك في مفهوم البحث عن الحقيقة القائمة، وعلى الصعيد الأخلاقي تمثّل في مفهوم الخير في نمط التفكير والسلوك وعلى الصعيد الجمالي في مفهوم الجمال.

ويرى المؤلف أن مثل هذه «المثل العليا» ليست بعيدة في الفكر الأوروبي عن مقولات الفيلسوف اليوناني القديم أفلاطون عندما تحدث عن «جمهوريته» المثالية التي أكّدت على وجود «فكرة مثالية» لما كل ما هو نسبي. الفكر اليوناني القديم يمثل أحد الجذور الأساسية للثقافة الأوروبية السائدة اليوم، لاسيما في البعد الذي يركّز على القول ان «الفكر الحقيقي» يهدف دائماً إلى بلوغ «اللانهائي». لكن بلوغ هذا «اللانهائي» يتطلّب أن تكون النظرة الموجهة للواقع المباشر، الآني، نظرة نقدية بالضرورة.

ومن السمات الأساسية التي يؤكد عليها المؤلف هناك الدور الذي لعبته المسيحية في المجال الثقافي الأوروبي. ويرى أنه من خلال «تلاقي» البعد الكوني «النظري» في ميادين العلوم أو الفلسفة والبعد الكوني «العملي» في ميادين الأخلاق والسياسة أوجد حالة فريدة تتسم فيها الحضارية الأوروبية عن غيرها من الحضارات.

ذلك أنه في الوقت الذي تؤكد فيه الحضارات الأخرى على «خصوصياتها» فإن الحضارة الأوروبية تؤكّد على «كونيتها». بالمقابل يؤكد أن الكونية الأوروبية تجسّدت في بعض الأعمال الفريدة مثل رواية «مدام بوفاري» لمؤلفها غوستاف فلوبير أو في «الكتابات اللاهوتية» للقديس توما الأكويني. هذان النصان يتم وصفهما على أنهما بنفس الوقت «وحيدين» و«كونيين».

لكن مؤلف هذا الكتاب، ورغم ما يؤكد عليه من «نظرة فارغة» في الثقافة الأوروبية الراهنة، فإنه يؤكد بالمقابل أنها «تتفوق على الثقافات الأخرى». ذلك أنه في الوقت الذي تمتلك فيه هذه الثقافات حروفاً وصوراً وكلمات، فإن الأوروبيين «اخترعوا المفاهيم».

ويقوم «التفوق الأوروبي»، حسب رأيه، على كون أن الطريقة الأوروبية من أجل اكتشاف العالم هي الطريقة التي سادت على صعيد العالم أجمع، خاصة فيما يتعلق بتبنّي الروح النقدية والتأكيد على أهمية «النظرة من بعد». والبرهان الذي يقدمه على التفوق المذكور هو واقع أن جميع مجتمعات العالم قد تبنّت فعلياً النمط التدريسي للمدرسة الأوروبية وللجامعة الأوروبية ولمناهج البحث الأوروبية بل وإلى حد كبير نمط المؤسسات الأوروبية.

ويتم التأكيد في السياق نفسه على أن جميع الاختراعات التكنولوجية القائمة على تقدم العلوم إنما كان مهدها في أوروبا، وهي التي كانت في أصل ترسخ «عالم الحداثة». ثم أن الأمر لم يقتصر على العلم والتكنولوجيا بل تعداه إلى المنظومات الأخلاقية ـ السياسية.

ويركز المؤلف هنا على «النمط الديمقراطي» في الحكم الذي يمثل اختراعاً أوروبياً و«مرجعية»، قد يتفق الآخرون معها أو قد يختلفون، في ميدان الحياة السياسية. ويتم التذكير هنا على أن أوروبا هي منشأ «الميثاق العالمي لحقوق الإنسان» الذي فرض احترامه على جميع الأمم والشعوب.

أما مصدر الخطورة الأكبر في الحقبة الراهنة في كون أن «النقد البنّاء» الذي قد يسمح لأوروبا بالخروج من العولمة العشوائية القائمة قد اختفى، وحلّ محله «نقدٌ موجّهٌ» من أوروبا لـ «نفسها» بنوع من «كره الذات». وعرفت السنوات الأخيرة اهتماماً حصرياً تقريباً بمسألة «الاعتراف بالآخر».

وجميع الهويات جرى اعتبارها أنها جيدة و«ينبغي الاعتراف بها» باستثناء هوية واحدة هي «الهوية الأوروبية». هذا ما يعتبره المؤلف بمثابة «جلد للذات». وما يجد مرجعياته لدى العديد من الفلاسفة من أمثال جاك ديريدا، الذين شجبوا باسم مناهضة الاستعمار «النزعة الأوروبية للتمركز حول الذات».

وفي المحصلة النهائية يطرح المؤلف السؤال التالي: أليست الثقافة الأوروبية هي الوحيدة التي «نظرت» حقيقة إلى الثقافات الأخرى؟

*الكتاب:النظرة الفارغة

دراسة حول نضوب الثقافة الأوروبية

*الناشر:فلاماريون ـ باريس2008

*الصفحات :290 صفحة من القطع المتوسط

Le regard vide essai sur l'épuisement de la culture européenne

Flammarion - Paris 2008

P.290