جورجيا مخلوف، كاتبة لبنانية تعيش بين بيروت وباريس، أصدرت سابقاً مجموعات شعرية ونصوصاً أدبية من بينها «تشظيات الطفولة في بيروت» الذي نالت عليه جائزة فرنسا ـ لبنان الأدبية. «الرجال المنتصبون» الذين يعنيهم هذا الكتاب هم الفينيقيون المعروفون بتسمية «أهل البحر». هؤلاء الذين يرى فيهم الكثير من اللبنانيين جذرهم التاريخي الأول. وهذا ما تشير إليه المؤلفة منذ السطور الأولى وأنهم قد علموهم القول: أجدادنا الفينيقيون.

وتضيف: وعن هؤلاء الفينيقيين، علمونا الشجاعة، وتذوّق المغامرة وإرادة الفعل. شعب سكنه التطلّع نحو البحر والحنين إلى الأفق البعيد. الحديث عن الفينيقيين يستدعي بالضرورة الحديث عن (صور وصيدا) حيث (لا غناء سوى ضجيج البحر)، ولكن أيضا (ضجيج التاريخ) بمعنى ما. إذ لا تتردد المؤلفة في التعبير عن انفعالها في كل زيارة تقوم فيها لصور.

تقول: إنني أقترب منها كعاشق نأى وغاب عن النظر مما يبعث الاقتراب منه شيئا من القلق عمّا إذا كان سينجح أيضا في إثارة المشاعر وهل سيفعل سحره من جديد. إنه الخوف من خيبة الأمل ولكن تبقى صور هي من بين تلك الأمكنة السحرية والمهجورة. المسألة تتعدّى المشاعر، فهذه العلاقة مع المكان تبدو في الوقت نفسه علاقة مع الزمان ومع التاريخ في هذا الكتاب.

الصورة التي ترسمها المؤلفة للفينيقيين تريدها «متفرّدة» في خصوصياتها وفي محيطها. إنهم يجيدون الإبحار أكثر من التجوّل على اليابسة. بكل الأحوال إنهم لا يحبّون حرث الأرض. يفقدون صبرهم بسرعة ولا يغريهم الانتظار. وإذا كانوا يتفحّصون السماء فمن أجل توقع أفضل لقوة الرياح. إنهم باختصار أهل البحر الذين يقتلعون الأشجار من أجل بناء مراكبهم. ويعرّون سفوح الجبال من غاباتها كي يتاجروا بخشب الأرز.

وهذا ما تسميه المؤلفة بـ «ثقافة اللحظة، ومتعات الأجل القصير. إنهم لا يريدون العيش سوى فيما يعبر وليس فيما يدوم». هذه الملامح تنطبق جيدا أيضا على فلسفة العصر الراهن وعلى طريقة العيش في مجتمعات اليوم. الفينيقيون هم إذن التاريخ الماضي ويمكنهم أن يكونوا أيضا واقع اليوم.

مؤلفة هذا الكتاب تبتعد عن إصدار أحكام القيمة، لكنها لا تتردد في إبداء عواطفها حيال أولئك الذين تحاورهم، و«تستحضرهم» وتتبنّى «خياراتهم» التي لم تكن في الواقع، كما تقدمها، خيارات وإنما السبل الوحيدة ذات الأفق المفتوح.

إذا كان الفينيقيون هم «أهل البحر» كما يقول ويردد الجميع، فإن تسميتهم، كما تؤكد مؤلفة هذا الكتاب، تعود إلى اليونانيين. وكلمة «فينيقي» تعني باليونانية في الوقت نفسه «شجرة ولون». أما الشجرة فهي «نخلة مثمرة»، أما اللون فهو «الأحمر القرمزي». الشجرة تشمخ عاليا ثم تنحني نحو الأرض بحركة مرنة. أما اللون القرمزي فهو رمز للفاتحين. الفينيقيون هم «فاتحون عابرون». ولعلّ هذا سرّ «عبقريتهم».

ارتبط تاريخ الفينيقيين بالمغامرة ومخر عباب البحر. ولكنه ارتبط أيضا بالكثير من «الحكايات الأسطورية»، مثل تلك التي تتحدث عن مغامرات أوروبا ابنة ملك صور، وأخيها «قدموس» الذي نُقشت صورته على قطعة نقدية تعود إلى القرن الثالث بعد الميلاد، ويبدو فيها وهو يعطي لفافة من ورق البردي لثلاثة يونانيين. وتقول الحكاية الأسطورية ان تلك اللفافة كانت تحتوي «حروف الأبجدية الفينيقية».

هذه الحكاية وغيرها من الحكايات الأسطورية أو قراءات الواقع واستقراء صفحات الماضي تصب كلها لدى مؤلفة هذا الكتاب في محاولة إيجاد أشكال من «التمفصل» بين ما مضى وما هو واقع. بين التاريخ والحاضر. ولكن أيضا، وأساسا، بين الشرق والغربز بين أوروبا التي تجد في جذور اسمها ما يعني الغرب وبين أخيها قدموس الذي يدل اسمه على الشرق. شرق... وغرب يلتقيان وأبجدية يتم نقلها.

لقد أُنجزت المهمة، ومغامرة الكتابة يمكنها الاستمرار، وقدموس يستطيع أن يموت بسلام، كما تقرأ مع الدعوة للإقرار بوجود الانتماء إلى عالمين أو الهوية ـ الجسر، جسر بين ثقافتين. مسألة «العبور» بين ثقافتين أو مكانين لازمت كثيرا مسيرة الفينيقيين. مرحلة الـ «بين» هذه أضفت الكثير على تاريخهم، لاسيما في ظل غياب «المصادر المكتوبة».

ذلك «إن الفينيقيين كتبوا على أوراق البردي التي جلبوها من مصر مقابل الأخشاب التي يفتقر إليها وادي النيل». لكن القسم الأكبر من تلك الكتابات، كلها تقريبا لم «تصمد» أمام رطوبة المناخ في لبنان. هكذا أصبحت المراجع المتوفرة عنهم هي كتابات الشعوب الأخرى مثل «حوليات الملوك الآشوريين» الذين يصفون حملاتهم باتجاه البحر المتوسط، وأيضا النصوص التي كتبها اليونانيون بعد حملة الإسكندر الأكبر وضم «الشاطئ الفينيقي» للعالم اليوناني.

لقد اخترع الفينيقيون الكتابة لكن لم يتركوا أي نص مكتوب تقريبا. إنهم غزوا العالم لكن لم يكن لديهم سوى القليل من الوقت كي يتأملوا بعالمهم، كما تقول مؤلفة هذا الكتاب لتشير إلى أن الصورة التي وصلت إلينا عنهم إنما تمثل وجهة نظر الآخرين عنهم. هكذا يمكن لـ «المهتم بهم» أن يرسمهم وأن يبني انتماءه لهم، حسبما يتخيلهم.

تقول أن الانتماء إلى هوية فينيقية كان لفترة طويلة، في لبنان، يعبر عن موقف سياسي صادر عن إرادة التميّز عن العالم العربي. أي أن يكون المرء فينيقيا كي لا يكون عربيا. والقول بالانتماء إلى أقلية من الفاتحين مع تأكيد صفة البحّار وتجاوز عدة قرون من التاريخ من أجل الاعتراف بالجذر التاريخي القديم والتأكيد على الرابطة بينه وبين القرن العشرين دون المرور بالمراحل التي يراد تبنّي إرثها.

إن مؤلفة هذا الكتاب تأخذ مسافتها من كل أشكال «التأطير» التي تقلّص هامش الحرية. ثم إن مفهوم «التأطير» نفسه لا نجده ملائما كثيرا لذلك الشعب «المنتقل» بين الشطآن. لكنه شعب «حاضر» عبر أساطيره وآثاره وأمكنته وفنونه ونقوشاته المكتوبة والتي يتمثّل الأكثر قدما بينها في الكتابات الموجودة على قبر ملك بيبلوس والعائدة إلى عام 1000 قبل الميلاد.

الأبجدية الفينيقية، كما تقدمها المؤلفة، تبدو أكثر تقدما من كتابات السومريين المصريين القدماء. وكان الفينيقيون قد لجأوا إلى التبسيط إذ كانوا بحاجة حيوية للتواصل من أجل فتح أبواب العالم أمامهم. ويتم التأكيد في هذا السياق على أن الأبجدية الفينيقية قد جرت أقلمتها للكتابة من قبل لغات كانت لها علاقات وثيقة معها مثل الآرامية والعبرية والعربية في شبه الجزيرة العربية واليمن ثم مع اليونانية.

وفي المحصلة: انتشرت الأبجدية الفينيقية بذلك نحو الشرق كما نحو الغرب. وولّدت جميع الأبجديات المستخدمة في العالم اليوم. وتحكي مؤلفة الكتاب على مدى عدة صفحات عن تلك العلاقة الحميمة التي قامت بين الفينيقيين والمصريين القدماء.

فـ «مصر سحرت العالم الفينيقي»، وكانت بيبلوس هي المرفأ الرئيسي للمبادلات التجارية مع وادي النيل. وباتجاه مصر سعى الحكام الفينيقيون المهددون طلبا للحماية والنجدة. وإذا كانت مصر قد شكّلت بلد «الكمال» و«الحكمة» بالنسبة للفينيقيين فإن هاتين الصفتين «لم تصلا أبدا إلى شواطئهم»، ذلك أن «حس المغامرة» و«رغبة البحر» كانا دائما أقوى وأعمق لديهم.

لا شك أن هذا النص يشكل قبل كل شيء «رحلة داخلية» من الشواطئ الفينيقية... وإليها. لكنه يقدّم في الوقت نفسه الكثير من المعلومات والتوصيفات لأولئك «الرجال المنتصبين» الذين تعطيهم الكلمات... حياة جديدة.

*الكتاب:الرجال المنتصبون : حوارات مع الفينيقيين

*الناشر: دار المنار ـ باريس 2008

*الصفحات :101 صفحة من القطع المتوسط

Les hommes debout, dialogue avec les Phéniciens

Al-Manar- Paris 2008

P.101