مؤلف هذا الكتاب هو أميركي من أصل إفريقي، من مواليد كارولينا الجنوبية. أنجز دراسات في المدرسة العليا لسانت هيلينا عام 1961 ثم انخرط في السلاح الجوي الأميركي. مارس اعتباراً من عام 1989 وبعد 20 سنة من العمل في حقل الإعلام التكنولوجي قرر استكمال دراساته العليا في جامعة بيركلي، حيث اختص بالتاريخ الإفريقي وإلى حد ما بالتاريخ الأميركي.
صبّ اهتمامه بالنسبة للتاريخ الإفريقي على دراسة جنوب إفريقيا ونيجيريا وغانا ومدغشقر وزيمبابوي وتنزانيا وكينيا وموزمبيق وأثيوبيا. وكان السؤال الذي شغل اهتمامه هو معرفة الأسباب والآليات التي سيطر فيها الأوروبيون على جنوب إفريقيا؟ هذا الكتاب عن التاريخ المختصر لجنوب إفريقيا، هو في الواقع محاولة للإجابة عن السؤال المطروح. ويحاول المؤلف أن يكشف فيه عن «المصادر الأولى» التي يعود لها جذر نظام التمييز العنصري «الابارتهايد» وكذلك أن يبرز النضالات الكبيرة التي خاضها الأفارقة من أبناء جنوب إفريقيا.
هذا بالتعاون والتعاضد مع بعض الأصوات من البيض الذين خاضوا بدورهم نضالاً حقيقياً من أجل العدالة والحرية. هذا كله ضد غياب المساواة في إطار النظام البرلماني بجنوب إفريقيا العنصرية وأيضاً في إطار المجتمع الذي كان قائماً في ظل ذلك النظام.
إن هذا الكتاب يحتوي على كم كبير من الرسائل، أو مقتطفات الرسائل، المأخوذة مما كان قد كتبه رجال فكر وسياسة أوروبيون ويثبت حقيقة وعمق النضال الذي خاضه الأفارقة. هكذا نقرأ من رسالة السير الفرد ميلنير الذي لعب دوراً مهماً في الحرب العالمية الأولى، بعد تجربة طويلة في جنوب إفريقيا.
وينقل عنه المؤلف كتابته في إحدى رسائله للحاكم البريطاني جيمس غرين: بالنسبة لأبناء جنوب إفريقيا الأفارقة، يبدو لي من الواضح أنه ينبغي التمييز فيما يخصهم بين الحقوق الفردية والحقوق السياسية. وسياسة المساواة بين الأبيض والأسود مستحيلة. لكن ينبغي أن تكون مصالح أبناء البلد من السود ممثلة في برلمان جنوب إفريقيا. ويمكن لهذه المصالح أن يمثلها بيض بشكل أفضل، وليس بالانتخاب وإنما بالتعيين بقصد القيام بهذه المهمة.
وفيما يخص حقوق الأشخاص، فإنني أرى أيضاً ضرورة أن تكون محددة بشكل دقيق وواضح، وأن تكون مصانة مثلها مثل مصالح الرجل الأبيض. مع ذلك لم يخطر لي أنه ينبغي، أو يُفترض، أن تكون نفسها بالنسبة للبيض والأفارقة.
ومن الشخصيات البريطانية الأخرى التي تشكل مرجعيات أساسية في هذا الكتاب «السير» جيمس روز اينيس الذي كان أحد أهم رجال القانون ذوي الأصول الانجليزية في جنوب إفريقيا وحيث عمل لفترة طويلة في منصب المدعي العام في مدينة «الكاب». وقد تميّز، كما يصفه المؤلف، بـ «حساسية سياسية عالية» ولم يتردد في اتخاذ مواقف واضحة تذهب في اتجاه احترام حقوق الإنسان.
ويمثل هذا الكتاب في أحد وجوهه «رحلة» مع أبناء جنوب إفريقيا الأصليين منذ «اللقاءات الأولى» مع المكتشفين الأوروبيين. كما يشرح المؤلف الآليات التي قامت بها المؤسسات السياسية الأولى للبيض الذين كانوا في موقع الغزاة الذين اجتاحوا البلاد.
وكانت تلك المؤسسات السياسية قد اتخذت أشكالاً عديدة، ولكنها التقت كلها في اعتبار أن الأفارقة من أبناء البلاد الأصليين هم من جنس أدنى ولا يمتلكون بالتالي أية حقوق. ويشرح هذا الكتاب الكيفية التي استطاع فيها الأوروبيون أن يقيموا شبكاتهم من القضاة والتجار والمبشرين.
بكل الأحوال بدأ التاريخ المكتوب لجنوب إفريقيا مع وصول هؤلاء الأوروبيين إلى جنوب إفريقيا في شهر فبراير ـ من عام 1488 ـ ومن هنا يأتي تحديد هذا التاريخ في عنوان الكتاب ـ حيث كانوا بصدد البحث عن طريق جديد نحو الهند وآسيا. وكانوا آنذاك تحت قيادة البرتغالي بارتولومي دياس.
وقد أطلقوا على منطقة «الكاب» التي نزلوا بها تسمية «رأس الرجاء الصالح» التي أطلقها البرتغاليون. وكان لا بد من انتظار عام 1497 كي يصل بحار برتغالي آخر اسمه «فاسكو دي غاما» ليدور عام 1498 حول إفريقيا قبل أن يتوجه نحو الهند.
توالت «الحملات الأوروبية» بعد ذلك وكي يتم في عام 1691 إعلان منطقة «الكاب» في جنوب إفريقيا كـ «مستعمرة» رسمياً. واحتلت المملكة المتحدة (بريطانيا) منطقة رأس الرجاء الصالح عام 1797 أثناء الحرب الانجليزية ـ الهولندية.
كانت هولندا آنذاك بصدد فقدان قوتها فخفّت انجلترا إلى احتلال المنطقة قبل أن تسبقها فرنسا، القوة الاستعمارية الأوروبية الكبرى الأخرى. وبعد استعادة هولندا لها لفترة قصيرة من الزمن قامت بريطانيا بضمّها «رسمياً» عام 1814.
كان يوجد في «المستعمرة الانجليزية» بجنوب إفريقيا آنذاك حوالي 20 ألف من المستوطنين البيض. وقد سيطر هؤلاء على السلطة وأصبحت الحياة العامة تقوم على أساس الانتماء إلى هذا العرق أو ذاك. وكانت منطقة الكاب تمثل آنذاك موقعاً استراتيجياً بالنسبة للمبادلات التجارية.
وفي عام 1820 وصل حوالي 4000 مستوطن انجليزي جديد حيث أقاموا في جنوب شرق منطقة الكاب وبنوا مرفأ «اليزابيث» الواقع على الحدود مع أراضي اثنية الكوزاس التي ينتمي لها رئيس جنوب إفريقيا الحالي «تابو مبيكي» والتي تعرف منذ تلك الفترة القديمة صدامات مع الاثنية الكبيرة الأخرى في جنوب إفريقيا أي «الزولو».
هذا إلى جانب «البوير» ذوي الأصول الهولندية الذين كانوا يشكّلون نسبة كبيرة في منطقة الكاب.وكانت الهوة قد بدأت بالتعمق بين هؤلاء «البوير» وبين البريطانيين منذئذ. ذلك أنه في الوقت الذي كان يسيطر فيه المستوطنون الأوروبيون، وخاصة البريطانيون، على ميادين السياسة والثقافة والاقتصاد، فإن الأفارقة من أبناء البلاد بقوا «محصورين» في المزارع.
ويشير المؤلف إلى أن عملية السيطرة الانجليزية على الكاب ثم على جنوب إفريقيا بدأت منذ مطلع القرن التاسع عشر وكان عام 1828 قد شهد فرض اللغة الانجليزية كلغة «رسمية» في الشؤون الإدارية والدينية. وفي ذلك السياق عرفت إمبراطورية الزولو أوج قوتها بقيادة رئيسها شاكاً الذي يعتبره المؤلف من كبار قادة جنوب إفريقيا في تاريخها الطويل، إذ بنى جيشاً قوياً محترفاً شكل العصب الأساسي للمجتمع مما كان بمثابة «ثورة» في البنى الاجتماعية التقليدية.
وفي عام 1910 سنّ دستور اتحاد جنوب إفريقيا حيث استعاد البوير، الذين اتخذوا تسمية «الافريكاني» جزءاً كبيراً من سلطتهم السابقة، ذلك أنهم كانوا يمثلون في «الاتحاد» الجديد نسبة تزيد على الثلثين من المليون أوروبي ومن أصل الثلاثة ملايين ونصف الذين كانوا يشكلون مجموع سكان جنوب إفريقيا آنذاك. وقد استمر صعود قوة البيض ذوي الأصول الهولندية طيلة النصف الأول من القرن العشرين تقريباً.
وتحظى فترة 1948ـ 1959 باهتمام بالغ في الشروحات المقدّمة ذلك أنها هي التي شهدت قيام حكم التمييز العنصري ـ الابارتهايد. وكان عام 1948 قد شهد تشكيل أو حكومة جنوب إفريقية جميع أعضائها من البيض. وعرفت المنظومة التشريعية والدستورية قوانين جديدة ذات طابع «عنصري» تقدم على أساس «العرق».وتمّ الشروع تدريجياً بـ «طرد السود» من أحياء كاملة قريبة من المدن وإرغامهم على العيش في مناطق بعيدة «مخصصة لهم».
في مثل تلك الأجواء ظهر «الخطر الأسود» وأصبحت «المسألة العنصرية» في قلب النقاشات السياسية. وتشكل حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي ناهض «الابارتهايد» منذ البداية وطالب بالمساواة. لقد منعت السلطات نشاطه واعتقلت في عام 1963 عدداً من قادته كان من بينهم نيلسون مانديلا ووجهت لهم تهمة «الخيانة العظمى» والتآمر ضد الدولية. وفي عام 1964 صدر الحكم بسجنهم مدى الحياة.
لكم نظام الابارتهايد سقط منذ ستة عشر عاماً. وفي المحصلة يقدم هذا التاريخ المختصر لجنوب إفريقيا منذ عام 1488 حتى اليوم رؤية شاملة لأهم محطات تاريخ جنوب إفريقيا قبل التمييز العنصري وأثناءه وبعده.
*الكتاب:كيف تناثرت الأشياء
تاريخ مختصر لجنوب إفريقيا من 1488 حتى اليوم
*الناشر:اوثور هاوس 2007
*الصفحات:148 صفحة من القطع المتوسط
How things fell apart a short history of South Africa- 1488 to present day
Author House 2007
P.148

