يشرف على هذا الكتاب الجماعي كل من دانييل فان ايوين وايزابيل فانيو، الأستاذين الجامعيين الأخصائيين بالعلاقات الأميركية على المسرح الدولي الراهن. ويساهم فيه أكثر من عشرين باحثا يقدمون رؤية «توليفية» لدور الولايات المتحدة في عالم اليوم ويحللون السياسة الخارجية للقوة العظمى الوحيدة في فترة ما بعد الحرب الباردة، مع دراسة عدة حالات عيانية تخص السياسة الأميركية حيال آسيا وإفريقيا وأوروبا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط الذي يتم التأكيد على أنه يحظى الآن بالاهتمام المركزي لدى البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون».
يعالج هذا الكتاب ما يمثل أحد أكثر المواضيع إثارة للاهتمام في الحقبة الراهنة، إذ يتعلق بموقع القوة العظمى الوحيدة في عالم ما بعد سقوط الاستقطاب الثنائي الدولي ونهاية الحرب الباردة وحربي أفغانستان والعراق. ما يتم التأكيد عليه بأشكال مختلفة في مساهمات هذا الكتاب هو أن الولايات المتحدة تجد نفسها اليوم في الموقع الأكثر صعوبة منذ حرب الفيتنام.
وهذا ما يتوصل إليه المساهمون عامة من خلال تحليلاتهم للمعطيات «الجيوستراتيجية» الدولية الراهنة. وتشترك المساهمات في التأكيد على «النتائج السلبية» العديدة التي ترتبت على السياسة الخارجية لإدارة جورج دبليو بوش، والدور الذي لعبه المحافظون الجدد في دفعها نحو «مغامرات غير محسوبة».
ومن بين الملاحظات التي تتردد أيضا في مساهمات هذا الكتاب الإشارة إلى رغبة الانكفاء على الذات التي أبدتها الولايات المتحدة الأميركية عند نهاية الحرب الباردة وحيث كانت قوة «لا منازع» لها على المسرح الدولي. لكن مثل ذلك التوجه تغيّر تماما بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 إذ تبنّت الولايات المتحدة مقولة الحرب ضد الإرهاب التي قادتها للقيام بحرب أفغانستان وبعدها حرب العراق.
الصورة العامة التي يتم تقديمها للعالم اليوم من المنظور الأميركي يمكن أن تتمثل خطوطها العريضة بواقع أن أوروبا الغربية تبدو أكبر الخاسرين في عالم اليوم إذ أنها فقدت مكانتها المركزية التي احتلتها طيلة فترة الثورة الصناعية وبنت إمبراطوريات استعمارية كبرى، وروسيا تثير «القلق».
أما الصين فتثير «الإعجاب» بينما تثير البرازيل «الدهشة» وتبرز الهند كـ «شريك محتمل» بينما تبعث إفريقيا على الهامش مع أنها غدت «أكثر حضورا» على ساحة الاهتمام الأميركي، أما أميركا اللاتينية فيتمثل الاهتمام بها من باب «المصالح التجارية» أولا ثم مشكلة المهاجرين ثانيا.
وضمن هذا الإطار الدولي العام تبدو منطقة الشرقين، الأدنى والأوسط، هي الأكثر إثارة للاهتمام والقلق في الوقت بنفسه بالنسبة لأميركا اليوم لاسيما بوجود الفخ العراقي والملف النووي الإيراني ومستقبل أفغانستان وباكستان.
يبدأ الكتاب بمساهمة تحمل عنوان: «الولايات المتحدة وأوروبا منذ عام 1945: تقاطع الطرق»؟ الفكرة المركزية في هذه المساهمة تتمثل في التأكيد أن أوروبا، وتحديدا الغربية، التي كانت بمثابة الشريك التاريخي للولايات المتحدة على قاعدة «الإرث الثقافي المشترك»، لم تعد تحتل مقدمة المسرح الدولي.
فرغم أن بلدانها قد خرجت في الوقت نفسه محطّمة بحيث كان لا بد من تبني مشروع مارشال لإعادة بنائها. هكذا لم تعد قادرة على أن تكون قوة منافسة للولايات المتحدة، وإنما أصبحت تطمح إلى إقامة شراكة اقتصادية عبر الأطلسي تتأقلم مع عصر العولمة، كما يشرح جاك ميسترال، أستاذ الاقتصاد في الجامعات الفرنسية في المساهمة الثانية من الكتاب.
ويتم التأكيد في مساهمة تحمل عنوان: (إعادة تحديد العلاقة الخاصة في المنظور البريطاني) على الروابط الوثيقة التي تجعل من المملكة المتحدة الشريك الأوروبي المتميز بالنسبة للولايات المتحدة وذلك منذ سنوات ونستون تشرشل لتعرف هذه العلاقة المتميزة «قمتها» مع سنوات توني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق.
وإذا كانت علاقة بلدان أوروبا الغربية الأطلسية، مع التأكيد على وجود الاستثناء البريطاني، قد عرفت قدرا كبيرا من «التشوش» بالتوازي مع الخلل الذي أصاب موازين القوى الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الولايات المتحدة الأميركية أقامت «جسورا قوية» مع بلدان أوروبا الوسطى والشرقية بعد انهيار المنظومة الشيوعية.
بل وبدت واشنطن أنها «القوة الحامية» لهذه البلدان من «الأخطار المحيطة» بها والتي تشكل روسيا، وريثة الاتحاد السوفييتي السابق، مصدرها الأساسي. وهذا ما يتم شرحه في إحدى مساهمات الكتاب على أساس تحليل الإستراتيجيات والمصالح الأميركية.
ويضم هذا الكتاب أربع مساهمات تخص منطقة الشرق الأوسط من منظور السياسة الخارجية الأميركية. وتعتبر بمجملها أن هذه المنطقة أصبحت مركز الاهتمام الرئيسي بالنسبة للإدارات الأميركية منذ حرب الخليج الأولى عام 1991.
تخص إحدى هذه المساهمات الولايات المتحدة والشرق الأوسط في ظل سنوات جورج دبليو بوش: الحلم بنظام جديد والنضال ضد النظام القديم. وهذا ما عُرف باسم مبدأ بوش من أجل إعادة صياغة الشرق الأوسط. وكان الرئيس بوش نفسه قد عبّر عن ذلك في مطلع شهر فبراير ـ شباط 2004 .
حيث يُنقل عنه قوله: طالما ستبقى هذه المنطقة ـ الشرق الأوسط ـ فريسة للاستبداد وللغضب سوف تولّد رجالا وحركات تهدد أمن الولايات المتحدة وحلفاءها. وإننا سوف ندعم التقدم الديمقراطي لسبب عملي بحت وهو أن الديمقراطيات لا تدعم الإرهابيين ولا تهدد العالم بأسلحة الدمار الشامل.
ولكن يبقى السؤال الكبير هو معرفة إمكانيات نجاح هذه الرؤية ذات الخلفية الإيديولوجية الواضحة والتي تواجه نزعة عداء شديد واضحة هي الأخرى حيال أميركا، لاسيما في العالم العربي-الإسلامي بعد الحرب الأخيرة في العراق وبسبب المواقف المتحيزة «تاريخيا» لإسرائيل.
وتحمل مساهمة أخرى عنوان: إدارتا كلنتون بوش والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي 1993-2007. ويتضمن مقارنة للاستراتيجيتين اللتين تم تبنيهما من قبل الإدارتين الأميركيتين المعنيتين. يتم التأكيد من جهة على أن اهتمام إدارة كلنتون قد انصب في البداية على تقديم الدعم الكبير لإسرائيل.
وهذا ما كان صرّح به بيل كلنتون نفسه عندما كان مرشحا أثناء المناظرة التلفزيونية التي جمعته قبل الانتخابات من جورج بوش الأب. ودعم الرئيس كلنتون بعد انتخابه رئيسا طلب إسرائيل للحصول على «قرض» قيمته 10 مليارات دولار من أجل بناء مساكن للمهاجرين اليهود القادمين من الاتحاد السوفييتي بعد انهياره.
وما يتم تأكيده أيضا هو أن إدارة كلنتون كانت ترى أن الطريق إلى بغداد يمر عبر محاولة إيجاد حل للنزاع في الشرق الأوسط، هذا دون إعطاء أية أهمية تُذكر لطبيعة الأنظمة القائمة. أما إدارة جورج دبليو بوش فقد كانت في البداية قليلة الاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط ولكنها انطلقت بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في «مشروع كبير» يرمي إلى إجراء تغييرات سياسية جوهرية في خارطة الشرق الأوسط.
وكان ذلك تحت تأثير أطروحات المحافظين الأميركيين الجدد الذين اعتبروا أن تغيير النظام العراقي السابق وتبنّي سياسة جديدة أكثر «حزما» حيال الأنظمة ذات الطبيعة الاستبدادية، بما فيها «الصديقة»، بمثابة شرط أولي من أجل أن يسود السلام والديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط.
ويتم التأكيد على الصلات الوثيقة، بل و«المتحيّزة» حيال إسرائيل، إلى درجة أن «واشنطن قد عملت باستمرار من أجل منع تطبيق القرارات الدولية، مثل القرارين 446 و465 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي، والتي كانت قد دعمتها هي نفسها.
لكن بالمقابل يتم التأكيد أيضا على أن هذا الموقف الأميركي قد تصاعد «تدريجيا» بعد التحالف الإستراتيجي في عهد الرئيس الأسبق رونالد ريغان والتعاطف الذي أبداه كلنتون حيال إسرائيل، كي يبلغ ذروته في عهد جورج دبليو بوش.
وبكل الحالات تؤمد مساهمة أخيرة حول منطقة الشرق الأوسط أن المعضلة الحقيقية التي تواجهها إدارة بوش الحالية تتمثل في الجمع بين إجراء تغييرات سياسية عميقة في المنطقة وفي الوقت نفسه ضمان الأمن البترولي في ظل ما يمكن أن تحدثه هذه التغييرات من اضطرابات اجتماعية. ثم إن الحروب الطويلة لا بد وأن يكون لها نتائجها الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.
المساهمات الباقية تؤكد تلك المكرّسة لإفريقيا على أن الولايات المتحدة قد بدأت منذ عام 2004 بدعم برامج ترمي إلى المشاركة بتنمية القارة السوداء. هذا دون أن تغيب عن ذهنها الحسابات الإستراتيجية الخاصة بنتائج التواجد الصيني الحديث في القارة.
وبهذا الخصوص تظل تحديات القرن الحادي والعشرين في شرق آسيا ومستقبل العلاقة مع الصين والتقارب مع الهند، القوة الآسيوية الصاعدة الأخرى، بمثابة رهانات ستكون لها نتائجها الحاسمة لما ستكون عليه علاقة الولايات المتحدة مع العالم. هذا دون نسيان أهمية التطور الذي ستعرفه أميركا اللاتينية والذي يحظى بمساهمتين أخيرتين في الكتاب.
وكتاب يحمل تساؤلا ـ إنذارا فحواه معرفة إذا لم تكن الحرائق في العالم، خاصة في الشرق الأوسط، قد وصلت إلى «قلب» البيت الأبيض؟
*الكتاب:الولايات المتحدة والعالم اليوم
*الناشر:لوب ـ باريس2008
*الصفحات: 207 صفحات من القطع المتوسط
Les Etats-Unis et le monde d'aujourd'hui
L'aube - Paris 2008
P.207
