في رواية «السلام» للكاتب الأميركي ريتشارد بوتش يجد القارئ نفسه على موعد مع رواية قوية عن الحرب، العنف، الثقة والخلاص، تبلغ من الجاذبية الحد الذي يحمل الكثير من القراء على انجاز قراءتها في جلسة واحدة.المكان قرب كاسينو في ايطاليا، والزمان شتاء عام 1944 الرهيب. مطر جليدي كئيب ينهمر على امتداد أيام بلا انقطاع وبلا تنويع يذكر لذاته.

في هذا الإطار الموحش يمضي ثلاثة جنود أميركيين ودليل ايطالي عجوز في السبعين من عمره في مهمة استطلاعية صعوداً على أحد جوانب تل منحدر يكتشفون قبل مرور وقت طويل أنه جبل شاهق. وتضيف ولاءات العجوز المتقلبة المزيد إلى الفزع والحيرة التي تلفهم في ذلك الجبل، حيث يصادفهم رعب زمانهم ثم ينقض عليهم قناص بارع في عمله.

تجتذب الرواية القارئ على الفوز تقريبا، بلغتها المقتضبة وطبيعتها الموحشة واللوحات المرسومة بحرص للجنود الثلاثة الذين يتصدرونها، فتبدو لنا رائعة في الاقتصاد في الكلمات والتحليق عالياً بالخيال. ها هنا تأمل قوي في الأبعاد الأخلاقية للحرب والتكلفة البشرية الباهظة التي تدفع فيها والقوة المخلصة للرحمة.

تستهل الرواية بعمل يجمد الدم في العروق من أعمال العنف، ويمضي الكوربورال روبرت مارسون صاعداً تلاً منحدراً مع اثنين من رجاله في مهمة يحيطها الغموض في غمار شتاء عام 1944 الرهيب في منطقة لا تبعد كثيراً عن كاسينو بايطاليا.

لا تفارق أذهان الجنود الثلاثة جريمة القتل بدم بارد التي أقدم عليها سرجنت جليك وراحت ضحيتها امرأة ايطالية على قارعة الطريق وتساورهم الشكوك في المزارع الايطالي الذي اتخذوه دليلاً لهم في مهمتهم الاستطلاعية.

سرعان ما يطل القناصة على امتداد الطريق، ويتسرب الخوف الفوري من موت مجاني ليكسو بالشحوب ذاكرة كل منهم فيما يتعلق بالوطن، ويراوحون في تأملاتهم بين عبثية جريمة القتل التي لم يتم الإبلاغ عنها وحتمية القتل كوسيلة للبقاء على قيد الحياة، وتهيمن هذه الأفكار على حوارهم المفعم باليأس.

والسلام الذي يشير إليه عنوان الرواية لا يلمح إلا عبر نظرة لا تطال إلا لمحة هاربة، حيث تتبدى في الوقت نفسه الطبيعة العبثية والوحشية والسافرة للحرب. وقد حظيت هذه الرواية بإشادات نادرة قلما اجتمعت لعمل من أعمال الأدب الأميركي في السنوات الماضية.

ها هو الكاتب ريتشارد روسو يبادر إلى القول: «كل كلمة كتبها ريتشارد بوتش في رواية (السلام) الجميلة والوجيزة تتردد صادقة علي نحو تراجيدي معتم». وبالإيجاز نفسه يقول كولم تويبين: «رواية (السلام) لريتشارد بوتش، التي تقع أحداثها في نهاية الحرب العالمية الثانية في ايطاليا هي رائعة صغيرة تحظى بالقوة العاطفية ذاتها والتركيب الأخلاقي نفسه الذي تحظى به (قلب الظلام) لكونراد و(الحاج مراد) لتولستوي».

وبدوره يقول ريتشارد فورد: «في دائرة الكتاب الأميركيين المحدودين الذين يجمعون بين كونهم روائيين رائعين وممارسين لكتابة القصة القصيرة فإن نجم بوتش يسطع الآن على نحو أكثر تألقاً من أي وقت آخر». ولا يتردد روبرت ستون في الإعراب عن اعتقاده بأن: «روايات ريتشارد بوتش تعد من بين أفضل ما يكتب في أميركا اليوم».

وإذا انتقلنا إلى ما كتبته المطبوعات المتخصصة عن هذه الرواية فإننا نلمح التقدير ذاته مع اضاءات أكثر تفصيلاً وإيضاحا. وفي هذا الصدد تشير مطبوعة «كيركوس» المتخصصة إلى تجارب الإعياء من المعارك والتعرض المستمر لخطر الموت يتم تصويرها بقوة وحدة بالغين في هذه الرواية القصيرة التي أبدعها الكاتب المخضرم بوتش، حيث تتناهى إلينا أصداء من أعمال ستيفان كرين وجيمس جونز وبصفة خاصة من رواية «المسيرة الطويلة»، لوليام سارويان.

ولكن بوتش يبقى على مناخ الشتاء الرهيب، ويستأثر باهتمام القارئ عبر سلسلة من المفاجآت المتتابعة التي يقدمها له. وبوتش يحول قصة عادية إلى شيء جديد بصورة أصيلة على نحو يثير الإعجاب. وتقول مجلة «ببلشرز ويكلي» إن عملاً مفاجئاً يبعث القشعريرة في الأوصال من أعمال العنف يستهل رواية بوتش الحادية عشرة، مشكلاً استهلالاً بارعاً وفريداً لرواية حافلة بالتأملات في الحرب والعنف.

وتقول مطبوعة «لايبراري جورنال» المتخصصة أيضاً إن بوتش قد اشتهر بصفة خاصة بقصصه القصيرة، ولكن هذه الرواية القصيرة تظهر براعته في توظيف اللغة المقتضبة والبناء المحكم. وتبادر مجلة «بوكليست» إلى الإشارة إلى أن بوتش يحشد مهاراته كروائي وكاتب للقصة القصيرة ليقص علينا قصة مجموعة من الجنود في رواية عن الحرب تقتضب إلى الجوهر الذي يبعث الرعدة في الأوصال.

والحكاية التي يرويها لنا بوتش هي فصل واحد في مسرح هائل ودموي للصراع وتتسم بحدة الشفرة وبشاعرية الحزن وتضرب جذورها في العبثية البائسة للحرب والحلم بالسلام.

قرب كاسينو

«مضوا قدماً على أي حال، واضعين قدماً أمام الأخرى، جاعلين فوهات بنادقهم إلى أسفل للحفاظ عليهم من الماء، محاولين في غمار بؤسهم وحيرتهم وإعيائهم أن يبقوا على حذر. كان ذلك هو اليوم الرابع على التوالي لانهمار المطر، مطر منهمر بلا ريح ودون أدنى تنويع لذاته.

وتشكلت نهيرات من الجليد في طين الطريق، وجعلت السير حافلاً بالمخاطر. احترقت عضلات سيقانهم وارتجفت، ولم يستطع أي منهم استنشاق ما يكفي من الهواء. فكر روبرت مارسون كيف أنهم جميعاً كانوا شهوداً. ولم يستطع أي منهم أن ينظر في عيون الآخرين.

واصلوا المسير قدماً وتلقوا عقابهم في غمار مسيرهم. ارتطم الجليد بخوذاتهم والتصق بياقات ستراتهم الميدانية، وتدفق الماء في كل مكان فغمرهم حتى العظم. كانوا في مكان ما قرب كاسينو، ولكن كان من المتعذر الاعتقاد بأنهم في ايطاليا. فقد تعثروا وقد عميت ابصارهم في مقاطعة يسودها البرد الغارق في المطر، جبل موت. وكان كل شيء موضع تساؤل الآن.

كان الايطاليون قد هزموا، ومضى الألمان يتراجعون مشتبكين في عمليات تعطيل، متخلين عن الأرض ببطء، وناصبين الكمائن، وساعين إلى جعل كل بوصة من الأرض باهظة التكلفة وقتاً ودماً، وكانت هناك دوريات استطلاع على امتداد الجبهة، تندفع شمالاً متجهة إلى اللايقين فيما يتعلق بكون الألمان يركضون هرباً أم يجثمون منتظرين.

*الكتاب: السلام

*الناشر: نوف ـ نيويورك 2008

*الصفحات:176 صفحة من القطع المتوسط

Peace

Knopf- N.Y. 2008

P.176