شكل صدور رواية «السلام» التي تعد الرواية الحادية عشرة للكاتب الأميركي ريتشارد بوتش الخلفية التي أجرت عليها مجلة «أور ستوريز» الأدبية الالكترونية هذه المقابلة معه، حيث تناول لمحات من عالمه الإبداعي، وطقوس الكتابة لديه، وأبدى إعجابه بالرواية القصيرة أو القصة الطويلة المعروفة بـ «النوفيللا» كقالب إبداعي، على الرغم من المصاعب التي تواكب عملية نشرها

وتطرق إلى تدريسه للكتابة الإبداعية في عدة جامعات على امتداد سنوات طويلة، مشيراً إلى أن الكفاءة في أداء مهمة التدريس تنبع من تذكره لمشاعر ولألوان إساءة الفهم التي تعرض لها عندما كان طالباً. وفيما يلي نص الحوار:

* أصدرت مؤخراً روايتك «السلام» ليصبح رصيدك الإبداعي إحدى عشرة رواية بالإضافة إلى ستة مجلدات من القصص القصيرة، ما الذي يميز روايتك الجديدة؟

ـ حرصت من خلال هذه الرواية على لفت الأنظار إلى جوهر ما يعنيه العنف بالنسبة للبشر في الحروب، فالفنون البصرية في العقود الأخير تميل إلى جعل الناس يرون في الحرب والعنف شيئاً عادياً ومألوفاً، بينما الأحداث التي تقع تحت سقفها تمثل تراجيديا حقيقية، أياً كانت الزاوية التي تنظر إلى العنف من خلالها.

وما أردت الانطلاق قدما مع القارئ في غماره هو تأمل عميق في الأبعاد الأخلاقية للحرب. إن التعاطف مع الجنود الذين يخوضون غمار الحرب قائم وموجود بلا شك، لكن الرواية التي تدور أحداثها عن الحرب لا يمكن إلا أن تكون بعيدة عن التسامح ورواية «السلام» ليست استثناء من هذه القاعدة.

* وماذا عن روايتك العاشرة «ليلة عيد الشكر»؟

ـ لقد بدأتها كرواية معاصرة تقع أحداثها في عام 1999، لكنها استغرقت وقتاً طويلاً في انجازها، وقد غدت رواية تاريخية في نهاية المطاف، وهي تدور حول عدد كبير من الناس في إحدى مدن فرجينيا، يواكب الخطأ مسيرتهم إلى أن يلتقوا الصواب أخيراً، وأنا أرى فيها كوميديا حب تحفها الأحزان.

*هل واجهت متاعب في الجمع بين كتابة الروايات والقصص القصيرة؟

ـ إنني عادة أكتب القصص القصيرة دوماً، وذلك على الرغم من أنني أمضيت عامين الآن لم أكتب خلالهما قصصاً قصيرة، الأمر الذي يبدو لي غريباً حقاً. وقد بدأت في تلمس طريقي عائداً إلى كتابة القصص القصيرة مجدداً.

وكانت رواية «مرحباً بأكلة لحوم البشر» عملاً طويلاً ومرهقاً للغاية بحيث التهم الدافع إلى كتابة القصص القصيرة، ثم أنجزت روايتي الأخيرة وسط بعض المتاعب الشخصية، وبالتالي لم يكن هناك وقت متاح لكتابة القصص القصيرة، غير أن الوضع يتحسن الآن، وآمل أن أعود لكتابة القصص القصيرة في الأشهر المقبلة.

* ما هو العمل الذي سبب لك أكبر قدر من المتاعب على مر السنين واضطررت إلى تنقيحه أكثر من غيره؟

ـ على امتداد هذه السنوات كان هذا العمل هو رواية «ليلة عيد الشكر» الذي استغرق الكثير من الوقت في إعادة كتابته وصياغته مجدداً. ولو أنها كانت عملاً سهلاً لما كانت جديرة بأن تنجز.

؟ هل لك في إلقاء الضوء على عملية التنقيح التي تقوم بها وكيف تطورت على مر السنين؟

ـ إنني أواصل قراءة النص وإعادة كتابته مراراً وتكراراً. وهي مسألة تتعلق بتثقيف نفسي فيما يتصل بالنص، وتحقيق فهم أدق لما ينبغي أن يكون عليه وأين جوهره الحقيقي وما هو الموضع الأكثر أهمية فيه ثم محاولة جعله واضحاً بقدر ما أستطيع.

*قمت بالحصول على درجة الماجستير في الآداب في أيوا، فهل توثقت صلتك بالطلاب في إطار برنامج نيل تلك الدرجة في ذلك الوقت؟ هل أجريت مناقشات معمقة مع زملاء لك على غرارتي.سي. بويل وألان جورجانوس؟

ـ ليس بشكل حقيقي، حيث تقابلنا مرتين في ورشتين للنقاش المعمق، وكنا نطلع بعضنا على عملنا بين الحين والآخر. ولكن الأمر كان غالباً متعلقاً بمشاركة كل منا في حياة الآخر، وأنا لم أعرف توم بويل حقاً في ذلك الوقت، على الرغم من أنه كان موجوداً في أيوا آنذاك، وكان قد أنهى العمل في الورشة الأدبية لدى وصولي. وكنت زميلاً لآلان جورجانوس وجين سمايلي، وكان اسمها آنذاك جين وستون. وقد استمتعنا بوقتنا.

* هل حدث آنذاك أنك تطلعت حولك في قاعة الدراسة وقلت لنفسك هذا هو مستقبل الأدب الأميركي؟

ـ ليس بصورة حقيقية. وكل ما هنالك أننا كنا حريصين على أن نكتب شيئاً جيداً أشد ما يكون الحرص وكذلك علي قراءة كل ما هو مكتوب بصورة جيدة.

*يشير طلابك إليك على أنك مصدر دعم لا هوادة فيه لهم، حيث تشجعهم وتدعم عملهم. من أين ينبع هذا الدعم الذي لا يعرف الكلل؟

ـ أعتقد أنه أياً كانت الكفاءة التي أتمتع بها كمعلم فإنها تنبع بصورة رئيسية من التذكر الجيد لمشاعري عندما كنت طالباً وإساءة الفهم التي تعرضت لها.

* ما الذي يرد إلى ذهنك في التو عندما أقول كلمة «شك»؟

ـ إساءات الفهم فيما يتعلق بالمهمة. وهذا أمر صعب، وهو صعب بسبب محدد. وما من أحد أنجز مهمة بسهولة بالغة حتى لو كان بارعاً في القيام بها.

* لقد نشرت أعمالك في كل مكان، في مجلات أتلانتك مونثلي، هاربرز، جي.كيو، نيويوركر والكثير غيرها. هل لك في أن تحدثنا عن أول قصة قصيرة نشرتها ففتحت لك الباب وأتاحت لك أن ترى النور؟

ـ نشرت أول قصة لي ذات عائد مالي حقيقي في مجلة اتلانتك مونثلي، وذلك في ربيع 1983، في عدد ابريل من ذلك العام، وكانت بعنوان «كل الطريق في فلاجستاف بولاية أريزونا». وقد كانت بالفعل فصلاً متأخراً من رواية، وقد أزلتها المجلد الذي يحمل عنوان قصصي لأنني ضقت ذرعاً بها على مر من السنين، وقد أزلت ثماني قصص أو سبعاً من ذلك الكتاب.

* ما الذي تعكف على كتابته الآن؟

ـ قصتان، إحداهما بعنوان «ذات أصيل في تاريخ الحب»، وقد تنتهي إلى أن تصبح رواية قصيرة، وأنا أحب ذلك القالب الأدبي على الرغم من أنه من المستحيل تقريباً نشره إلا في كتاب.

* هل لك في وصف الليلة التي تعتبرها مثالية للكتابة من منظورك؟

ـ إنك لا تعرف في مثل هذه الليلة أن الليل قد انقضى. حيث تكون شديد الاستغراق في العمل إلى أحد أنك لا تسمع عاصفة رعدية وهي تقبل وتنقضي، وعندما يقبل ضوء النهار فإنك ترى المطر على وريقات الشجر خارج النافذة، ويساورك الشعور بأنك وظفت موهبتك جيداً وبشكل مبدع، وعندئذ فإنك ربما تحتسي مشروباً لكي تستطيع النوم.

أو تصحب كتاباً لأحد أصدقائك إلى الفراش وتقرأ على مهل إلى أن يداهمك النعاس. واعتقد أنني أحب الكتابة في الليل أكثر من أي وقت آخر، على الرغم من أنني محظوظ لأنني أستطيع الكتابة في أي وقت من الليل والنهار، إذا كان هناك ما أكتبه. وحتى الآن كان هناك لدي على الدوام ما أكتبه.

محطات في مسيرة بوتش

* ولد الروائي وكاتب القصة القصيرة والأستاذ الجامعي الأميركي ريتشارد بوتش عام 1945 في فورت بنينغ بولاية جورجيا وخدم بسلاح الجو الأميركي كمدرب على البقاء على قيد الحياة، ثم التحق بجامعة جورج ميسون حيث حصل على البكالوريوس منها في عام 1974 ثم حصل على درجة الماجستير في الأدب من جامعة أيوا، وعمل مغنياً وممثلاً كوميديا، وأصبح أستاذا للغة الإنجليزية في جامعة جورج ميسون عام 1980، وعمل بتدريس الكتابة الإبداعية في عدد من الجامعات الأميركية.

* أصدر ستة مجلدات من القصص القصيرة وإحدى عشرة رواية، أبرزها «حضور حقيقي» الصادرة عام 1999، و«مرحباً بأكلة لحوم البشر» الصادرة عام 2003 و«ليلة عيد الشكر» الصادرة عام 2006 وأخيراً «السلام» التي حظيت بتقدير كبير من القراء والنقاد داخل الولايات المتحدة وخارجها.

* حصل على العديد من الجوائز وألوان التكريم، حيث فاز بجائزة الناشرين عام 1996 عن روايته «مساء الخير يا سيد وسيدة أميركا» وفاز عن قصصه القصيرة بجائزة أوهنري للقصص وجائزة أفضل القصص القصيرة الأميركية وجائزة قصص قصيرة من الجنوب، وهو مستشار لزمالة كتاب الجنوب وأستاذ كرسي موس للتميز في ورشة الكتاب التابعة لجامعة ممفيس.

منى مدكور