هذا الكتاب هو الجزء الأول من سيرة منصور سلطان الأطرش والتي حوتها أوراقه الخاصة على عفويتها واسترسالها اللهم إلا حذف بعض الجمل اعتمادا على القول المأثور «ما كل ما يعلم يقال». يتناول منصور في سيرة حياته، التي قدمت لها ابنته ريم، طفلا في واحة الأزرق ووادي السير.
وفي إشارة إلى الوضع الخاص الذي نشأ فيه يذكر أن والده رغم أنه كان شديد التعلق به شأن كل أب، إلا أن ظروف الثورة التي كان يخوضها ضد الاحتلال كانت تبعده عن أسرته وتحرمه من رعايته وإن كانت والدته تكرس كل اهتمامها به.
من الطفولة إلى الشباب وبعد حياة سمتها الترحال نعيش مع المؤلف عودته إلى دمشق حيث لم يكن ذلك، وفق ما يذكر، انتقال من مدرسة إلى أخرى، بل كانت مرحلة جديدة في حياته الخاصة والعامة. كانت دمشق تعيش آنذاك حالة قومية تشكلت فيها كتائب نصرة العراق الشقيق فكانت انطلاقة الشباب القومي العربي لتأسيس حركة سياسية تبلورت في الإحياء العربي ثم البعث العربي الأمر الذي لم تطل عزلته عنها.
ورغم أن الحزبية في تلك الأيام لم تكن محمودة إلا أنه يشير إلى أنه ثبت فيها حيث عاب عليه بعض أفراد أسرته الواسعة هذا الانتساب: إذ كيف يجوز ، يصبح تابعا لمدعي قيادة لا يعرفون عنها شيئا لا إرثا ولا تقليدا؟ من هو ميشيل عفلق ومن هو صلاح البيطار حتى يقبل أن يكون لهم من التابعين وهم من القادة؟
غير أن المؤلف يذكر أن والده لم يبد اعتراضاً على ميوله السياسية، ولعله اطمأن أن ابنه يسير في الاتجاه القومي العربي وهذا ما عاش عليه ومن أجله، ولم يلمس مرة أنه يود لو أنه ابتعد عن السياسة أو عن الحزبية ولعله كان يعتقد أن الأيام ستعلمه كيف يفرق بين الخطأ والصواب.
وقد واصل منصور الأطرش رحلته في الحياة السياسية حتى كان دخوله معترك الحياة العملية والحزبية من أوسع أبوابها، وضمن ما يشير إليه في ذلك الصدد أن بحثه عن موقعه لم يطل، فقد كان من الصف الثاني بعد القادة التاريخيين كما كان يتم تسمية هؤلاء في تلك الفترة، وعلى المستوى المحلي كان من المجموعة القيادية.
وقد أخذ يتعرف إلى شباب البعث الواعدين بذكائهم ونشاطهم وانضباطهم وكلهم من أبناء الفلاحين الذين انتقلوا من المدارس الابتدائية في قراهم إلى المدارس الإعدادية والثانوية في السويداء. وفي هذا السياق يعرج الأطرش إلى جانب من ملامح عملية دمج حزب البعث والحزب العربي الاشتراكي في حزب واحد وعلى الأخص بعد أن يئس نفر من الشباب حسني النية من أن يقيم أديب الشيشكلي فعلاً حكماً ديمقراطياً صحيحاً واشتراكياً صحيحاً.
وهنا يشير إلى أنه لم يكن مقتنعا بهذه الخطوة وجاهر بمعارضته لها. وفي سرد لسيرته الذاتية التي لا تنفصل عن سيرة الأوضاع السياسية العامة التي كانت سائدة آنذاك يستعرض منصور الأطرش في أوراقه الانتخابات التشريعية عام 1954.
فيذكر أن حزب البعث طالب بإجرائها تحت إشراف حكومة حيادية وغير حزبية في ضوء خشيته آنذاك من أن يسعى حزبا الشعب والحزب الوطني اللذان كانا يستهدفان الإنفراد بالسلطة إلى إجراء الانتخابات على نحو يسمح لهما بالسير في ركاب الولايات المتحدة وسياسة الأحلاف التي تطوق الإتحاد السوفييتي في ضوء حرص الغرب على ضم كل الدول العربية في منظومة عسكرية تعادي السوفييت.
وقد بدأ الحزب يدرس قائمة المرشحين وظهر أنه يفتقر إلى العدد الكافي من الوجوه السياسية التي تتناسب مع دوره الكبير في إسقاط حكم الديكتاتور. وقد نجح منصور في الانتخابات وحاز نحو تسعين في المئة من الأصوات ووجد طريقه إلى المجلس النيابي السوري.
في سرده لهذه الفترة يشير إلى أن جهد مجموعة البعث البرلماني كان ينصرف إلى ملاحقة الشكاوي المقدمة من العمال والفلاحين وبدلا من تركيز الجهد لوضع تشريع يسد الثغر كانوا يجهدون لحل المشاكل الفردية التي لا تنقطع أبدا. ويذكر بصراحة أن أصدقاء الحزب كانوا يرهقونهم بالمطالب الخاصة السخيفة وهو ما يعتبره في التحليل النهائي إدانة للمجلس والنواب.
ومع مرور السنوات نتابع مع الأطرش قصة ومسيرة الوحدة السورية المصرية (1958 ـ 1961) فيشير إلى أن الحزب بكل فروعه وأقطاره كان مؤيدا لهذه الوحدة وإن كان يشير في الوقت ذاته إلى أن الطلاب السوريين المنتمين لحزب البعث والذين درسوا في مصر حذروا الحزب من ديكتاتورية عبد الناصر في أحد المؤتمرات القطرية وقبل قيام الوحدة. ولكن التيار الوحدوي في الحزب كان قويا جدا ولم يدخل في خلد أحد أن يقبل بأي تحفظ على قيام الوحدة.
وهنا يشير إلى مخالفته في الرأي لأولئك الذين يعتقدون أن الوحدة تمت بارتجال سطحي رغم انتهاءها بالانفصال على النحو الذي يعرفه الجميع. من الوحدة تنقلنا السيرة إلى ثورة البعث في الثامن من مارس 1963 والتي يشير منصور إلى شعوره بالحرج من الكتابة عنها وما كان من دوره فيها خلال السنوات الثالث التي تقلد فيها مناصب رسمية وحزبية.
لقد كانت الثورة بالنسبة للغالبية العظمى تمثل أملا جديدا في تخطي الواقع الفاسد الذي كان البعث يدلل عليه في كل كتاباته ومنشوراته منذ نشوء الحزب فكرة أولا ثم تنظيما. ودلت الأيام بعد قيام الثورة أن الجيل العربي الجديد لم يأت بعد، وإن كان موجودا فهو في الواقع ما زال بعيدا عن صنع القرار.
وفي حكمه على هذه التجربة يقول: لقد كنا ساذجين كما كنا بعيدين عن فهم آلية الثورة وآلية انتقال مركز السلطة من الجماعة المدنية إلى الجماعة العسكرية وهذا عيب كبير في ثقافة سياسيي الثورة. لقد كانت نتيجة هذه السذاجة على مستوى المؤلف النفي إلى بيروت، المنفى المفضل عند السياسيين الذين ينهزمون في الصراع على السلطة في دمشق من يوليو 1967 إلى أبريل 1969.
لقد جاء ذلك في سياق الموقف من النكسبة الجديدة التي كان وقعها قاس وحسب قوله: كنا نأمل أن تكون درسا مفيدا لكل السياسيين في الحزب وخارج الحزب من أجل مراجعة شاملة لمنطلقات العمل القومي من النواحي التنظيمية والسياسية والاقتصادية وعلاقات التعاون بين العاملين في الحقل العام وما ينبغي أن يكون عليه دور العسكريين في نهج التحديث .
فكان بيان نشره منصور مع آخرين مثل صلاح الدين البيطار ونبيل الشويري وغيرهم لكنهم جوبهوا بمؤامرة صمت شاملة ورهيبة تعددت بشأنها التفاسير، فكان تصعيد الإرهاب المادي والفكري بذريعة حماية الثورة من أعدائها في عودة إلى الشعارات الجوفاء .
ومع مجيء حافظ الأسد إلى الحكم كانت مرحلة جديدة حيث كانت دعوته إلى الاشتراك في مجلس الشعب، رغم تأكيد بعض العارفين بخفايا الأمور أن الأسد لم يكن راغبا في حقيقة الأمر يفسح المجال أمام أمثال منصور للمشاركة في عهده الجديد، وهو الاعتقاد الذي تعزز لاحقا بتطور العلاقات بينهما إلى طريق مسدود على الرغم من استمرار الود والاحترام المتبادل.
فقد جاء جواب الرئيس الأسد واضحا خلال لقاء له مع المؤلف منفردين بعد حرب 1973 حين راح يذكر له: في الحقيقة لم أهتد إلى صيغة ملائمة لنعمل معا وهو ما يقرر المؤلف أنه كان سعيداً معه في ضوء أن الصيغ المعروفة في النظام القائم لم تكن تلائم من هم مثله سواء من الناحية الحزبية أو من الناحية المعنوية.
ألفت عبد الله
*الكتاب:الجيل المدان
*الناشر:رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2008
*الصفحات: 496 صفحة من القطع الكبير

