استغرق الروائي د. يوسف زيدان مؤلف كتاب (كلمات ـ التقاط الألماس من كلام الناس) وقتا طويلا ـ كما يشير في مقدمته ـ محدِّقاً في (المفردات) التي تجرى على الألسنة. وهى مفرداتٌ تبدو للوهلة الأولى محدودةَ الدلالة بسيطة المعنى، غير أن التأمل فيها، يكشف عن الكثير من المعاني المضمرة، والشواهد المؤكِّدة أن (التواصل) بين المراحل الثقافية المتعاقبة، إنما يظهر على استحياءٍ وعلى نحوٍ من الغموض، في عديد من الدلائل التي تخفيها اللغة بين طيَّات كلماتها وتعبيراتها.
ولذلك، فالناسُ في بلادنا تجرى على ألسنتهم كلمات، معظمها عامي وبعضها فصيحٌ، يستعملونها في حياتهم بيسرٍ وتلقائيةٍ (وأحياناً باستهانة) من دون أن يدروا بما تخفيه الكلمة بين حروفها من معنى عميق، بل طبقات متراكبة من المعاني، تراكمت بفعل الامتداد الطويل لتاريخنا الثقافي.
ود.يوسف زيدان حصل على جائزة مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عن تحقيقه لكتاب (الشامل في الصناعة الطبية لابن النفيس) ثلاثون جزءاً(وهو الكتاب الذي ظل يعمل فيه لمدة خمس عشرة سنة، كما حقق عددا مهما من الكتب، فضلا عن دراساته وبحوثه، وله روايتان الأولى (ظل الأفعى) والثانية (عزازيل). وهو مدير مركز المخطوطات ومتحف المخطوطات بمكتبة الإسكندرية.
ويرى د.يوسف زيدان أن الكلمات عموماً هي رَسْمُ العالم في الأذهان. ويضيف : الوعي الجماعي والفردي يصوغ صورة العالم في الذهن، عبر عدد من الكلمات التي تتألف منها اللغة. ولذلك فإننا حين نفكِّر، وحين ندرك، وحتى حين نحلم؛ فإننا نقوم بتلك الأنشطة الذهنية كلِّها، من خلال اللغة والكلمات.
ومن ثمَّ، فالكلمات هي مفاتيحُ المعرفة، وهى حدودُ المعاني، وهى وجودُ الأشياء في العقل الإنساني، وربما في العقل الإلهي أيضاً! بحسب ما جاء في الآية القرآنية «قُل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مدداً» ـ الكهف 109 ـ ونلاحظ هنا أن (كلمات ربي) تكرَّرت، مرتين، لتوكيد هذا المعنى العميق الدال على أن الكلمات هي الوجود، وللإشارة إلى أن كلمات الله هي أمرٌ يفوق الإدراك والإحاطة. لذا، نرى (المسيح) على جلال قدره، يوصف في القرآن بأنه: كلمةٌ من الله.
من هذه الزاوية ننظر في الكلمات فنراها أبواباً واسعة للفهم، وسُبلاً فسيحة للمعرفة. سواءٌ كانت معرفة ظاهرة بوضوح في الألفاظ، أو معارف دقيقة ومدهشة، كامنة في الكلمات، على ما سوف نراه في (موضوعات) هذا الكتاب.. ومن المهم هنا، الإشارة إلى أنني أفرِّق تفرقةً خاصة ما بين اللفظ والكلمة، باعتبار أن (اللفظ) هو المقولُ بشكل عام، وهو كل ما يُنطق به؛ سواء كان له معنى في ذاته أم لا.
فاللفظُ (صوتٌ) يدل على أمرٍ يخص المتلفِّظ، مثلما هو الحال في الزفرات التي يُصدرها المحزون والمكلوم والمأزوم، التي يكون (المعنى) فيها مرتبطاً بالضرورة، بالشخص المتلفِّظ بهذا (الصوت) أو ذاك، فلا يمكن إدراك الدلالة إدراكاً تاماً، إلا بالإضافة إليه والعطف عليه.
وقد يدل (الصوت) على معنى عام تواضعت عليه الجماعة واعتادت، كما هو الحال في (التأوُّه) الذي يدلُّ لفظُهُ (آه) على الشكوى أو البوح أو تبريح الجوى. وقد يدلُّ أيضاً على الاستحسان أو الموافقة، أو لوم المحبوب إذا قلنا له مثلاً : آهِ منك.. وفى هذه الحالة ومثلها الكثير، يكون (المعنى) قد ارتبط في اللفظ، بحال الفاعل تخصيصاً.
فما يدلُّ بصاحبه، فهو (لفظ) حتى وإن كان مركباً من عدة أصوات. أما الذي يدل بذاته، بصرف النظر عن قائله؛ فهو (كلمة) حتى وإن كانت بسيطة التركيب، محدودة الصوت. وعلى ذلك، فالكلمة عندي، هي كُلُّ ما له معنيً مستقلٌ عن المتلفِّظ.. ولذلك، فإن كُلَّ (كلمة) لفظٌ، ولكن ليس كل (لفظ ) كلمةٌ.
وتضم صفحات هذا الكتاب، أطرافاً متنوعة تسعى لتبيان معاني (كلمات) خصَّصنا لكل كلمة منها فصلاً قد يطول أو يقصر، بحسب ما يلزمه الغوص في طبقات المعاني المحتجبة خلف هذه الكلمة أو تلك، مهما كانت قليلة الحروف. مثلما هو الحال في كلمة بدء الوجود (كن) التي ابتدأ بها فصول الكتاب، ثم تلاها : (خبر) : قادش، حطين، عين جالوت، بطل، الماضي والسامية، حل الحبل.
(مسيحيات) : الست، بيع العيال، مفروس، السائح، فصح، قيامة، قهوة، الزوفا.
(جدل بيزنطي) : قوانين المجامع الكنسية، سخمط وبس، بيئة، بغددة، اراري، الميري.
(الاسم) : نبوة، أبرام / أبو الجمهور، يعقوب / إسرائيل، أحيقار / لقمان، جاهلية، أمّي، هجرة.
(خرافات): ريشة، الطالع، بابل، ختان، سبهللة، السيف، استعمار، غرام ،أكاديمية، أقزام.
(حوَّر) : حوار الأديان، تعايش، كفر وحرم وشلح، قثم وكان ابتداء هذا المسار سلسلةً من المقالات التي نشرها المؤلف ومازل ينشرها أسبوعياً، بجريدة الوفد المصرية، يقول : كانت فكرتي الأولى الداعية إلى كتابتها، أن أتوقف كل أسبوع عند واحدة من الكلمات، للنظر في معانيها العميقة.
ثم تطوَّر الأمر إلى بحث الحدود الدلالية للكلمات، لتعميق الوعي باللغة التي نستخدمها، وللنظر في (انقلاب) المعنى في الكلمة الواحدة أحياناً، من الضد إلى الضد، حتى أننا نستخدم أحياناً (كلمات) قاصدين بها معنيً معاصراً، هو في واقع الأمر نقيضُ المعنى الأصلي للكلمة.
وقد أشار لي بعض الأصدقاء، بضرورة نشر المقالات في كتاب. فكنتُ أتعلَّل بأن الأمر لا يستحق، فما هي إلا خطراتٌ ونظراتٌ استشرافية، في حدود المعاني المترامية بقلب هذه الكلمة أو تلك. ولما اتسع المدى مع دخول مقالاتي الأسبوعية عامها الثاني، ومع تعمُّق النظر في معاني الكلمات، لم يعد التعلُّل مقنعاً.
خاصةً مع اضطراري للإيجاز في كتابة عديد من تلك المقالات، حتى تتناسب مع المساحة المخصصة للنشر، مع ما يقتضيه ذلك من إهدار لكثيرٍ من المعاني، التي كان يجب الوقوف عندها في هذه الكلمة أو تلك. وبالطبع، فمن شأن (الإيجاز) أن يخلَّ أحياناً بالمعنى، ويقلِّل من الأهمية الدلالية للكلمات.
ومن طبيعة النشر في الصحف، أنه قد يختلُّ سياقه مع إسقاط بعض العبارات والفقرات عن عمد أو غير عمد، وقد تتشوَّش الفكرة مع الأخطاء المطبعية التي صارت في جرائدنا كلها، أمراً لا غنى عنه! ولذلك اقتضى نشر (الكلمات) في هذا الكتاب، إعادة بناء للنصوص السابق نشرها كمقالات، وإعادة كتابة بعضها كليةً.
وقد نشرتها هنا، كاملةً، بما في ذلك بعضها الذي ما كان من الممكن أن يُنشر هناك. وعلى ذلك، فإن فصول هذا (الكتاب) هي الصورة الأقرب لناتج النظر في مدلولات الكلمات، ولنتائج التأملات والمناقشات التي أعقبت نشرها مسلسلةً.
وحول العنوان الجانبي للكتاب (التقاط الألماس من كلام الناس ) أكد د.يوسف زيدان أن ذلك جاء انطلاقاً من أن عديداً من الكلمات، صار بحكم تراكم الطبقات المعرفية فوقه، مثل فحم الأرض الذي صار ألماساً، لما طال عليه الأمدُ.. وما كل الكلام ألماساً، وإنما هي مفردات بعينها، التقطتها كما تُلتقط فصوص الألماس، من كلام الناس.
محمد الحمامصي
*الكتاب: كلمات : التقاط الألماس من كلام الناس
*الناشر:نهضة مصر ـ القاهرة 2008
*الصفحات:151 صفحة من القطع الكبيرة
