إنها واحدة من أطول وأعنف، بل وأشرف ثورات التحرر الوطني التي شهدها التاريخ المعاصر، ليس على المستوى العربي فحسب، بل على مستوى العالم أجمع. غير أن المكتبة العربية ليس بها ما يوازي هذا التفرد في الأنموذج الثوري الجزائري من مطبوعات، على العكس مما تزخر به المكتبة الأوروبية.

يقدم المؤلف الجزائري الدكتور صالح بلحاج ـ أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، وصاحب بعض المؤلفات المتخصصة في الشأن الجزائري، مثل: أزمات جبهة التحرير، والسلطة التشريعية في النظام السياسي الجزائري ـ هذا الكتاب الذي يبدأ باستعراض تاريخ الجزائر عبر العصور بدايةً من عهد الممالك النوميدية (814 ق.م ـ 46 ق.م)، ثم الاحتلال الروماني، والاحتلال الوندالي (قبائل أوروبية ذات أصول جرمانية) لبلاد المغرب العربي (430 م - 435 م).

والاحتلال البيزنطي (534 م ـ حتى الفتح الإسلامي)، والمغرب العربي في العصر الإسلامي (647م ـ 702 م)، وسيطرة الأتراك على الجزائر (1519م - 0381م)، وحتى سقوط الجزائر في قبضة الاستعمار الفرنسي (1830م ـ 1962م).

يركز هذا الكتاب على تطورات حرب التحرير في النصف الأخير منها (1958 ـ 1962)، وهي الفترة التي اتصلت مباشرةً بصيغة الحل النهائي الذي انتهت إليه الحرب، كما وإنها هي الفترة التي تجسد فيها التلاقي ما بين الحرب والتاريخ والسياسة والاقتصاد، في أوضح الصور. فقد تحكمت المتغيرات الأربعة فيما يشبه التفاعل الكيمائي في مسيرة حرب التحرير.

وهذه العناصر هي: المتغير العسكري الذي ظل محتفظاً بأهميته إلى نهاية الحرب وإعلان الاستقلال، والمتغير الاقتصادي والمتمثل في ضخامة الأعباء الاقتصادية المتراكمة على كاهل فرنسا والتي شكلت قاعدة ضغط على خططها الحربية والنووية في أوروبا، علاوةً على المصالح الرأسمالية الفرنسية الضاغطة في اتجاه الاستثمار في النفط الجزائري.

والمتغير الدبلوماسي والمتمثل في الوضع الدولي الذي تطور لصالح الجزائر وضد فرنسا، والتي وقعت، بسبب الحرب، في عزلة شديدة، والمتغير السياسي وهو الأكثر حضوراً وتنوعاً والخاص بالمواقف السياسية لجبهة التحرير الوطني وتطور الرؤية الديجولية للقضية الجزائرية، وكذلك تطور المواقف السياسية في كل من الجزائر (جزائريين وأوروبيين) وفرنسا.

كانت البداية مع مجموعة من المقاتلين لا يتجاوز عددهم الألف مقاتل عام 1954، وصل عددهم في الداخل والخارج عام 1958 إلى حوالي 90000 مقاتل محققين نجاحات عسكرية مقبولة في إطار من الدعم الشعبي والسياسي في الداخل والخارج، عربياً ودولياً.

إلا أن سقوط الجمهورية الرابعة وعودة شارل ديجول للحكم في عام 1958على رأس الجمهورية الخامسة كان بمثابة نقطة تحول في إدارة الصراع الفرنسي ـ الجزائري حول الاستقلال. فقد كانت صيغة العلاقة بين فرنسا ومستعمرتها الجزائرية في الفكر الديجولي ترتكز على مبدأين أساسيين هما: الشخصية الجزائرية المميزة، وبقاء الجزائر في الإطار الفرنسي. وبالتالي تحرر العقل الاستعماري الفرنسي من وهم «الجزائر الفرنسية» وهو ما اعتبر تحولاً إيجابياً للقضية.

وقد حاول ديجول استخدام الحل العسكري لحسم القضية ولكن ذلك لم ينجح، كما حاول إدخال بعض الإصلاحات القانونية والاقتصادية لتكوين نخبة جزائرية معتدلة تقبل الجزائر في الإطار الفرنسي ولم ينجح أيضاً. وقد امتدت تلك المحاولات من منتصف 1958وحتى نهاية 1960.

وكانت كل المعطيات تشير إلى الجزائر الجزائرية وليست المستقلة، أي إنشاء حكومة جزائرية لتسيير الشؤون الداخلية للجزائر مع إبقاء الصلاحيات الحاسمة في يد الجمهورية الفرنسية. كما كانت مجموعة من العوامل تدفع في اتجاه التسليم بالتفاوض السياسي مع الجبهة على طريق الاستقلال على المستوى العسكري.

فقد كان من الصعب استمرار الإبقاء على 80000 جندي فرنسي لضبط الحدود الجزائرية ـ المغربية، والجزائرية ـ التونسية على الرغم من استكمال إنشاء الحاجز الشائك بطول الحدود الجزائرية ـ التونسية على طول الطريق الرابط بين تبسة وعنابة مروراً بسوق أهراس عام 1957.

كما تم تنفيذ نفس الأسلوب وبطول 200 كم على الحدود الجزائرية ـ المغربية انطلاقاً من مرسى بن مهيدي إلى السهول العليا، عابراً الأطلس من الشمال إلى الجنوب. وفي المحافل الدولية بلغت القضية الجزائرية ذروتها في الدورة الخامسة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1960 والمؤيدة بشكل صريح لاستقلال الجزائر.

وعلى مستوى العالم الثالث كانت مصر محطة مهمة من محطات الدعم العربي للثورة الجزائرية سياسياً وعسكرياً. وفي الداخل الفرنسي والجزائري حدث استقطاب كبير بالنظر للتوجهات الديجولية نحو التفاوض، للمنادين بفرنسية الجزائر، وتيارات أخرى مناوئة للحرب.

كما فشلت كل المحاولات في الداخل الجزائري لضرب وحدة القيادة سواءً بالدسائس أو المناورات من أجل وقف القتال، ومحاولات استقطاب قادة الولايات الجزائرية الست، وبالفعل فشل كل ذلك حتى مع استقبال ديجول قادة الولاية الرابعة في العاشر من يونيو عام 1960في مدينة «بارنيس».

كما فشلت لقاءات «مولان» والتي امتدت من 25 حتى29 يونيو من العام نفسه والتي أطلق عليها «حوار الطرشان» بعد فشلها. كل تلك العوامل ساهمت في الدفع باتجاه الاستقلال أو على الأقل التفاوض على قاعدة الاستقلال.

وقد كان ذلك قدراً محتوماً من وجهة نظر شارل ديجول، ولكنه أراده بشكل يحفظ لفرنسا كرامتها وهيبتها بين الدول، وذلك بالحديث عن فرنسا مانحة الاستقلال، وفرنسا السخية التي ترتدي ثوب العصر الحديث. وبدأت المفاوضات الثنائية في فبراير 1961 وهي ما عرفت بمفاوضات «إفيان ولوجران»، على قاعدة الاستقلال، والتفاوض مع جبهة التحرير، وقضية الصحراء، وموقف الأوروبيين بالجزائر، وذلك حتى مارس 1962.

وقد مرت تلك المفاوضات بمراحل ثلاث: سلسلة من الاتصالات السرية من أكتوبر 1961حتى يناير 1962، مهدت لجولة من مفاوضات «لي روس» في فبراير 1962، ثم ختام مفاوضات «إفيان» الثانية في مارس 1962.

وقد دارت المفاوضات على مناقشة تفاصيل جزائر ما بعد فرنسا، أي الجزائر المستقلة والتي أرادت منها فرنسا بعض الامتيازات على مجموعة من الموضوعات مثل الرعايا الأوروبيون، والقواعد الصحراوية، وطول الفترة الانتقالية، وعدد القوة المحلية، وشكل الاتفاق وطريقة التوقيع عليه، حيث أراده الفرنسيون بياناً مشتركاً، بينما أراده الجزائريون اتفاقاً ما بين إرادتين على غرار ما هو موقع ما بين الدول، وهو ما تحقق لهم بالفعل حيث وقع كريم بالقاسم في أسفل الصفحة رقم 98 في اتفاقية «إفيان» عن الجانب الجزائري في 19 مارس 1962 معلناً نهاية حرب التحرير.

وقد جاء أمر وقف القتال عن طريق الإذاعة التونسية وعلى لسان «بن خده»: باسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، المفوضة من المجلس الوطني للثورة الجزائرية، أعلن وقف القتال في كامل التراب الجزائري. إنني أمر جميع القوات المقاتلة لجيش التحرير الوطني بإيقاف العمليات العسكرية والأعمال المسلحة في كامل التراب الجزائري.

ثم يستعرض الكتاب شكل المرحلة الانتقالية والتي امتدت حتى إعلان الاستقلال في يوليو 1962، حيث تم تعيين محافظ سام يتولى الاختصاصات الأساسية للدولة، أما الهيئة المؤقتة فتتولى إدارة الشؤون العامة وسن التشريعات وتعيين الموظفين في الإدارات والسهر على استمرار عمل أجهزة الدولة في كافة الميادين.

وكما كان مخططاً تم الاستفتاء على الاستقلال في كل من فرنسا والجزائر وكانت النتيجة مع الاستقلال. وتم انتخاب مجلس وطني تأسيسي يتلقى سلطات الهيئة التنفيذية المؤقتة، والحكومة المؤقت، كما تم استكمال إنشاء مؤسسات السلطة الجديدة، والتي كان منوطاً بها في المقام الأول سن تشريعات الدولة الجديدة وإنشاء مؤسساتها الدستورية.

محمد جمعة

*الكتاب:تاريخ الثورة الجزائرية

*الناشر: دار الكتاب الحديث - الجزائر 2008

*الصفحات: 741 صفحة من القطع الكبير