يهدف هذا الكتاب إلى استعراض الصورة التي قدمها عدد كبير من الرحالة المتجهين نحو الشرق للبدو، وهي في أغلب الأحيان صورة الهمجي أو الخبيث، أو صورة تستعرض بحيادية حياة هؤلاء البدو إذا كان المتحدث منصفاً أو معجباً بهذه المنطقة. ويوضح المؤلف أن ذلك جاء بشكل عام في إطار المرحلة الاستعمارية للعالم العربي في القرن التاسع عاشر، حيث سبق مرحلة الاحتلال طلائع المستشرقين أو الرحالة بأهدافهم المختلفة والمختلف عليها، وإن رجح قدوم أغلبهم للمنطقة بدافع البحث والتعرف إلى الآثار أو بدافع استكشافها تمهيداً لاستعمارها.

ومن الفصل الأول يرسم لنا المؤلف صورة متكاملة مستعرضا من خلالها مغامرات الغربي المتحضر الاستشراقي ووصفه للبدو وأسماءهم واحتفالاتهم وعادات وتقاليد الزواج لديهم وسماتهم البدنية والأخلاقية ونهاية حياة البدوي. نلمح مع المؤلف جانبا من تلك الصورة فيما يقدمه الروائي الأميركي بول بولز عن نظرته لإنسان الصحراء التي جاء لاستكشافها في روايته «السماء الواقية» حيث يقول «كم هم ودودون؟ وجوههم أقنعة.

يبدون جميعا كأن أعمارهم ألف سنة. إن ما يمتلكونه من طاقة ضئيلة ليس سوى الرغبة الجماعية العمياء في الحياة نظرا لأن أحدا منهم لا يأكل ما يكفي ليعطيه قوته الفردية. أما ولفرد ثيسجر فيظهر على ما يذكر المؤلف ما في جعبته الاستشراقية حيث يقول: «إن حياة البدو ليست إلا عملية طويلة من الاستجداء الذي لا ينقطع».

أما الفرنسي المقدم مولر فقد نظر إلى البدو بعين السخط التي تبدي المساوئ، والمساوئ فقط دون غيرها حيث يقول: البدو إذا تكلموا كذبوا، إذا تقاضوا ماحكوا، وعندهم الطمع وحب السلب والنهب وقسوة القلب وحرمان الرحمة وضعف الدين مع الولع بالخرافات، وهم بخلاء إلا إذا وجدوا مأربا في البذل وجبناء إلا إذا وجدوا خصما ضعيفا وهم إذا أظهروا شجاعة اندفاعا للطعان والبراز فما هو في الغالب إلا للبخترة والمباهرة.

أما الرئيس رينو والطبيب مارتينيه مؤلف كتاب «البدو في مقاطعة دمشق» فقد كانا أكثر اعتدالا نوعا ما وإنصافا من المقدم مولر في بحثهما عن أطوار البدو وأخلاقهم فقد صورا أدوار حياة البدوي من حين ولادته إلى طفولته فصباه فشيخوخته.

وبالنسبة لأسماء البدو فيقول هي كما عندنا ـ نحن الأوروبيين ـ من أسماء الأنبياء الواردة في دينهم كمحمد وأحمد وإبراهيم وعلي، والبدو لا يحفلون إلا بولادة الصبي، أما البنت فليس لها محل من الاهتمام وإذا سئل الأب عن عدد أولاده لا يعد إلا الصبيان، وأطفال البدو يولدون ويتلمسون حياة البداوة وهم محمولون إما على ظهور أمهاتهم وإما في إحدى عيني الخرج الموضوع على ظهر حمار صغير.

أما في باب التجمل والتزين فالفتيات أكثر تطلبا واندفاعا من الفتيان فهن يحملن معاصمهن وأحيانا في كواحلهن عدة أسورة ودمالج من الفضة أو الذهب أو النحاس حسبما تمكنهن ثروتهن فيسمع لها قعقعة ترافق وقع أقدامهن.

ويصف شباب البدو وما درجوا عليه من عادات وتمارين للفت الأنظار فيقول: البدوي في سن العشرين يحب التمارين الرياضية والعياقة والرشاقة، إلا أن شجاعته ليست زائدة وهي تخلو من التحذلق أو الفشار حينما يتم واجبه أو يتحدث عما جرى له، وهو من صغره يعود على الفروسية فيركبونه فرسا يسوقها.

وعن عادات وتقاليد الزواج عند البدو وخاصة في منطقة بادية الشام: والغالب أن يتزوج البدوي لأول مرة حينما يبلغ سن العشرين، وقد تشترط الفتاة المخطوبة على خطيبها أن يأتي بمأثرة أو مفخرة وقد اختصت بنات الشيوخ بحق انتخاب الخطيب وحق فرض الشروط عليه.

أما عن احتفالات الأعراس عند البدو فهي.. بسيطة وإذا كانت حالة العروس مواتية يركبونها هودجا على بعير ويزفونها إلى بعلها وتولم الولائم ويدعي لها كبراء العشيرة، وأساس هذه الولائم ذبائح الغنم والإبل، وإذا كان العرس لأناس أغنياء يضاف إلى ذلك الطبل والزمر والغناء والرقص وطراد الخيل.

أما من الناحية الأخلاقية فالبدوي يكاد يكون مجموعة متناقضات كأن المزايا الحقيقية الموروثة عن أجداده قد كلت نتيجة المعيشة القاسية التي يقضيها في يومنا هذا، فالبدوي غير خالٍ من الشجاعة ولكن شجاعته سطحية وغير خالٍ من صدق الطوية ولكنه يجنح كثيرا إلى الخداع والمواربة.

ولا يمحو شظف عيش البدوي الناحية المثالية من شخصيته، فكلامه موزون ومعقول في عبارة صريحة وسرعة انطلاق نحو الهدف، يزخرفه بضرب الأمثال وبالتشبيهات التي تصدر عن رؤية ومعرفة. أما عن فلسفة القضاء والقدر عند البدو فحياتهم مبنية على عدم المبالاة بالغد بتاتا وعلى الانفعال المؤقت الساذج وعلى البطالة الطويلة تحت سقف الخيمة مع تدخين النارجيلة الخرارة.

ثم ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى تناول أهم المصادر الغربية عن البدو وشبه الجزيرة العربية يعرض من خلاله لطموحه في أن يقدم مؤلفاً خاصاً يحوي دراسة تاريخية لأهم تلك المصادر تعين الباحثين والمهتمين في هذا المجال، في ضوء حقيقة أن موضوع البدو كان محور اهتمام العديد من الرحالة الغربيين الذين جابوا منطقة الجزيرة العربية وكتبوا عنها.

كما أن هناك التقارير والمؤلفات التي كتبها الموظفون الرسميون لدى حكوماتهم كالسفراء والقناصل والعسكريين من موظفي وزارة المستعمرات والوكالات التجارية والمقيمين السياسيين وممثلي شركات البترول والأطباء والمبشرين والجواسيس وضباط الاستخبارات العسكرية والمستشارين الخاصين ودارسي الآثار والمهتمين بالتنقيبات الأثرية والمبعوثين السياسيين من قبل حكوماتهم وعلماء الأنثروبولوجيا والإثنولوجيا واللغات القديمة والنقوش والمسكوكات.

وهنا يورد عناوين لأهم المؤلفات متناولا بعضها بالتفصيل. فيشير مثلا إلى ما دونه الرحالة بوكهارت عن رحلاته في كتابه بعنوان «رحلات في جزيرة العرب» حيث يعتبر حتى اليوم أصدق ما كتب عن البلاد التي زارها ويتضح منها أنه كان يتسم بقدر كبير من الاتزان والتسامح والانفتاح الذهني والقدرة على الحركة والإبداع.

وقد زار مكة أكثر من مرة وعنها يقول: «في كل رحلاتي بالشرق لم أشهد أبدا من أيام اليسر والنعيم ما شهدته في مكة ولسوف أظل دائما أحتفظ بأجمل الذكريات عن الفترة التي قضيتها هناك». ويعرض المؤلف كذلك لمؤلف الرحالة سادلير «مذكرات رحلة عبر الجزيرة العربية، من القطيف على الخليج العربي إلى ينبع على البحر الأحمر في غضون سنة.

وكان سادلير بادي العداء والكراهية للبلاد التي سافر فيها ـ الجزيرة العربية ـ بل تفوق على سابقيه ولاحقيه في افتقاره إلى كثير من الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها من يتعرض لمثل مهمته. وتطول القائمة التي يتناولها السنجري على هذا النحو بما يجعل من هذا الفصل مرجعا حيويا في مجاله يكاد يفي جزئيا بالمهمة التي يطمح في تحقيقها على صعيد دراسة أهم المصادر الغربية في الاهتمام بالبدو.

ثم يتناول المؤلف بعد ذلك تحت عنوان رحالة غربيون في صحراء الربع الخالي ولفريد ثيسجر وبيرترام توماس واللذان يعدان إلى جانب فلبي من أشهر الرحالة الذين تسنى لهم عبور الرمال واستكشاف صحراء الربع الخالي على وجه التحديد.

وفي هذا السياق يستعرض المواضيع المشتركة التي تناولها أغلب الرحالة الذين جابوا المنطقة ومنها على سبيل المثال: العلاج الروحي والسحر، نظام الاستطلاع، حماية العدو المستسلم، كرم البدو، حماية الدخيل، نظام المرعى والديرة القبلية والتنقلات السنوية، حياة البدوي الشاقة والآثار، الخيمة ولوازمها.

مصطفى عبدالرازق

*الكتاب:البدو بعيون غربية

*الناشر: المركز الثقافي العربي

الدار البيضاء ـ بيروت 2008

*الصفحات:192 صفحة من القطع الكبير