مؤلف كتاب «الفاخر» هو «أبوطالب المفضل بن سلمة» المتوفى سنة 291 هجرية، والذي كان ثقة، عالماً في علوم العربية، واللغة والنحو، فقد تتلمذ في البداية على والده «أبو سلمة بن عاصم» وكان ثقة، عالماً، حافظاً حاذقاً بالعربية، فيه ورع شديد، ثم تتلمذ على «يعقوب بن اسحق السكيت» وكان عالماً بالقرآن ونحو الكوفيين، ومن اعلم الناس باللغة والشعر، وهو راوية ثقة، لم يكن بعد «ابن الأعرابي» مثله، وثالثهم: «أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب» العامل المعروف بحفظه وإتقانه للنحو والبلاغة والشعر.
وبهذا ظفر الفتى «أبو طالب» في تنشئته بهؤلاء الأئمة، ولكل منهم سبقه وحذقه بفنه، مع ما يتميز به من قوة وذكاء، إلى إكمال الحفظ وحسن التأليف، ليسكون «أبو طالب» مبرزاً فيما تلقى منهم، بصيراً بما روى عنها، ففي ثبت كتبه، نلمس أثر هذه العقول فيه، حتى صار إماماً يرتقي إلى مصاف أساتذته، ويقرن معهم حين يعد الأئمة، أما إمامته في النحو، وفقه بمعاني القرآن الكريم، وعلمه الغزير بالأدب، فتشهد له بها جميع هذه الكثرة التي خلفها من كتبه في هذه الفنون، وقد سجلها ابن النديم في فهرسته، وكل من ترجموا له.
وقد ترك لنا «أبوطالب» ما يقرب من عشرين مؤلفاً. أما كتابه «الفاخر» فإنه كتاب يجمع فيما دار بين الناس وسار كالأمثال، ثم يعد إلى شرحه وتفصيله، فهو يقول في مقدمة الكتاب: «هذا كتاب معاني وما يجري على ألسن العامة في أمثالهم ومحاوراتهم من كلام العرب، وهم لا يدرون معنى ما يتكلمون به من ذلك، فبيناه من وجوهه، على اختلاف العلماء في تفسيره، ليكون من نظر في هذا الكتاب، عالماً بما يجري من لفظه ويدور في كلامه».
ثم يدور مثالاً على ذلك: قولهم: «حياك الله وبياك».
فأما حياك الله، فإنه مشتق من التحية، والتحية تنصرف على ثلاثة معان: فالتحية: السلام ومنه قول الكميت:
ألا حييت عنا يا مدينا وهل بأس بقول مسلمينا
فيكون معنى حياك الله، ومنه قول عمرو بن معدي كرب:
أسير به إلى النعمان حتى أنيخ على تحيته بجندي
فيكون المعنى: ملكك الله.
والتحية: البقاء، ومنه قول زهير بن جناب الكلابي:
ولكل ما نال الفتى فقد نلته إلا التحية
أي إلا البقاء، فيكون المعنى: أبقاك الله.
فأما بياك: فإنه فيما زعم الأصمعي «أضحكك» ويروى أن «آدم» عليه السلام، لما قتل أحد ابنيه أخاه، مكث سنة لا يضحك، ثم قيل له: حياك الله وبياك، أي أضحكك، وقال الأحمر: أراد بوأك منزلاً، فقال بياك لإزواج الكلام تابعاً لحياك، كما قالوا جاء بالعشايا والغدايا: يريدون الغداوات.
وقال (أبو مالك): بياك: قربك، وأنشد:
بيا لهم إذا نزل الطعاما الكبد والملحاء والسناما
أي قرب لهم.
وهكذا ومن خلال هذا القول، يستعرض لنا المؤلف معانيه التي استعملها العرب، ثم يقدم شاهده على ذلك، من شعر العرب الذي يحتج به، وإذا أخذنا القول الآخر: «لبيك وسعديك» فإن المؤلف يقدم لنا معنى هذا القول عند الخاصة والعامة، قال الفراء: معنى لبيك: إجابة لك، قال: ومنه التلبية بالحج إنما هو إجابة لأمرك بالحج، وثنى يريد إجابة بعد إجابة، ونصبه على المصدر، وقال الأحمر: معناه إلباب بك، أي إقامة ولزوم لك، وهو مأخوذ من لب بالمكان وألب، إذا أقام به، قال الراجز: لب بأرض ما تخطاها الغنم.
ومنه قول طفيل الغنوي:
رددن حصينا من عدى ورهطه وتيم قلبي في العروج وتحلب
أي تلاومها وتقيم بها، أما سديك: معناه : أسعدك إسعاداً بعد إسعاد، قال الفراء: ولم نسمع لشيء من هذا بواحد، وهو في الكلام بمعنى قولهم: حنانيك: أي حناناً بعد حنان.
وهكذا قرابة خمسمئة قول، يستعرض لنا المؤلف هذه الأقوال ومعانيها، مستشهداً بالشعر على ما يقول، ليكون كلامه موثقاً.