قبل سنوات قليلة كان لحضور أمسية شعرية وهج في النفس يتوازى مع الإحساس بالنصر وبنشوة الحياة في توقدها، ولكأن الشعر يحمي ويعطي فيحول ما هو قليل الشأن إلى معنى فتدب فيه الروح ويصبح الناس سعداء لأنهم حصلوا على جرعة وجدانية من المشاعر يبقى اثرها طويلا في القلب .

هل فعلا تغير الزمن الذي كان الناس فيه يعشقون الشعر ويدبون إلى لياليه، الزمن الذي كان الشاعر فيه يبلغ من المرتبة الاجتماعية ما يبلغه القادة والأمراء ولديه من الاحترام ما يدفع السابلة إلى إلقاء التحية عليه و التقاط الصور بصحبته و عرضها في مكان بارز داخل المجالس والتفاخر بكتاب عليه إهداء منه .. لقد كان الشاعر نجما يستحق تلك المكانة، وكان الشعر ضوءا ينير الطريق لكثير من القلوب الجافة والأرواح المعطوبة، كان الشعر قيمة إنسانية عالية .

لا يقارن اليوم بالأمس، فقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر، وتساقط الكثير من الورق في تعاقب الفصول، وغدت الحياة أكثر تعقيدا وإرباكا وأقل وقتا ليمضيه المرء بصحبة كتاب، و الشعر يحتاج إلى ما هو بسيط وعادي وهادئ لينساب مع المياه التي تجري تحت الجسر، جسر الحياة، ولا يقارن قارئ اليوم بقارئ الأمس، ليس لأنه أقل ثقافة أو اهتماما، على العكس انه مطلع ولديه ثقافة واسعة وأتاحت له ثورة التكنولوجيا فرصة التوسع طولا وعرضا ليعرف أكثر.

لكنه لا يملك الوقت ليمضيه في صحبة كتاب أو الذهاب إلى أمسية شعرية، لقد حولته المدينة الكبيرة إلى آلة يمضي ساعتين في طريقه إلى العمل، ومثلهما في طريق العودة ناهيك عن ثماني ساعات يموت المرء فيها ليصمد حتى نهاية الأسبوع، الأسبوع الذي يبدأ باهتا تموت فيه القصائد والكلمات، ويحيا فيه اللهاث والإرهاق!

عندما لا يمتلك المرء وقتا ليحيا بصحبة الشعر تصبح حياته كثيرة الجفاف وعلى جدران روحه كثير من التشققات ولن تعوضه آلاف الساعات التي يركض فيها فوق الجسر، الجسر الذي تمر من تحته مياه العمر دفقة دفقة كما تمضي الحياة خريفا وراء خريف .

قبل سنوات قليلة كان الناس يلتقون للتآزر اجتماعيا في أمسية شعرية أو ندوة ثقافية، وكانوا سعداء لأنهم يتواصلون رغم جميع ضغوطات الحياة، تلك السنوات لن يراها المرء اليوم و لن يعيشها، لقد أطاحت قسوة الحياة بكثير من الحياة ذاتها، وما تبقى يصلح فقط للهاث فوق الجسر حيث تمر المياه مسرعة .

hussain@albayan.ae