هذا كتاب جماعي تشرف عليه مارينا اوتواي مديرة برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيجي وباحثة في مسائل الديمقراطية والقانون. قدّمت في عام 2005 كتابا، بالاشتراك مع توماس كاروزر، حول «تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط».
يضم هذا الكتاب الجديد تسع دراسات تشكل مسألة «الإصلاح السياسي» في العالم العربي خطّها الناظم وهي تخص دراسات لحالات محددة من مصر حتى المملكة العربية السعودية مرورا بالأردن وسوريا وفلسطين ولبنان والجزائر والمغرب واليمن والكويت. كتبت مقدّمة هذا العمل السيدة جيسيكا ن. ماتيوس، رئيس معهد كارنيجي للسلام العالمي مشيرة في البداية إلى الدراسات العديدة التي أولت موضوع الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط اهتمامها.
هذا إلى جانب التأكيد على صعوبة مثل هذا الإصلاح حيث ان «العديد من البلدان قد حققت بعض التقدم» على هذا الطريق، لكن «ليس هناك أي بلد في المنطقة قد حقق تقدما جوهريا نوعيا». وبالتالي هناك أيضا دائما فرق بين «الواقع الفعلي» و«البلاغة اللفظية» أو كما تقول بين «التحوّل السياسي الحقيقي» وبين «الإصلاح التجميلي» الذي «يولّد الانطباع» بمثل ذلك التحوّل.
وتحت عنوان «تقييم الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط: حقيقة أم تجميل»؟ تفتتح مارينا اوتاوي هذا الكتاب، وتؤكّد منذ البداية على عاملين أساسيين شكّلا «حافزا» كبيرا في اهتمام العالم بالإصلاح والديمقراطية في العالم العربي. هذان العاملان هما نشر البرنامج الأول للتنمية الذي أعدته الأمم المتحدة، وما تضمّنه «التقرير الخاص بتطور حقوق الإنسان في العالم العربي» عام 2002 والذي أشار إلى «العجز الكبير» في هذا الميدان. وتتم الإشارة هنا إلى أن هذا التقرير «أثار الكثير من مشاعر الغضب لدى العديد من الحكومات العربية ولكنها لم تكن تستطيع تجاهله».
أما العامل الثاني الذي تؤكد عليه الكاتبة وتعتبره وراء «تكثيف» النقاشات حول الإصلاح والديمقراطية في العالم فتحدده في التغيّر الجوهري الذي شهدته السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001. ذلك على اعتبار أن تلك التفجيرات دفعت إدارة بوش إلى أن تركّز انتباهها على المنظمات المتطرفة التي استخدمت الإسلام كأيديولوجية لها.
لقد أصبح البعد الأمني عاملا أساسيا في توجيه السياسة الخارجية الأمريكية، وبالتالي أعادت النظر، حسب التحليلات المقدمة، حيال الحكومات «الصديقة» التي كانت وراء «صعود المنظمات المتطرفة». هكذا ووراء شعار محاربة الإرهاب جمعت السياسة الأميركية بين التأكيد على البعد الاستخباراتي والأمني وبين التركيز على ضرورة «تشجيع الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي». وعلى هذا الأسس قامت لدى إدارة بوش فكرة «أجندة الحرية» في الشرق الأوسط.
تتم الإشارة في هذا السياق إلى ردود الفعل المتنوعة التي قابل بها المثقفون العرب «قرار الولايات المتحدة» تشجيع الديمقراطية في الشرق الأوسط. وقد تراوحت ردود الأفعال تلك من إعلان «الغضب» وشجب «غطرسة إدارة بوش» بفرض الخيارات السياسية على العالم العربي وبين التساؤل حول الإمكانيات الحقيقية لقدرة أمريكا في المساعدة على الإصلاح السياسي في البلدان العربية. وإذا كانت الغالبية العظمى من المثقفين العرب قد أكّدت على أن البلدان العربية هي بحاجة فعلية للإصلاح السياسي إلا أنهم رفضوا فكرة فرض ذلك من قبل الولايات المتحدة.
في المحصلة تؤكد الكاتبة على أن العديد من الحكومات قد بذلت جهودا «حقيقية» في سبيل الوصول إلى إصلاح سياسي، لكن هذا الإصلاح «لم يكتمل» أبدا. وهي تؤكد، من موقعها كمشرفة على دراسات هذا الكتاب، إن الهدف منه ليس تقديم «لائحة» بالتغييرات التي عرفها كل بلد من البلدان العربية، وإنما بالأحرى محاولة التعرف على «المسار الديمقراطي» الذي شهدته هذه البلدان والتحديات الحقيقية والجوهرية التي يواجهها «فيما هو أبعد من الواجهة».
هكذا يتم التأكيد على أهمية دراسة «تاريخ التغيير» الذي عرفته البلدان العربية. وتشير المؤلفة هنا إلى التاريخ الطويل الذي شهده مفهوم «التغيير السياسي» والذي شمل أحيانا «الإصلاح الديمقراطي»، بالطريقة التي عرفتها كل من مصر وسوريا بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك في ظل صعود التيار القومي العربي خلال سنوات الخمسينات والستينات. ولكن الإصلاح الاقتصادي لم يترافق بالضرورة مع التوجه نحو الديمقراطية مما شكّل باستمرار «نقطة ضعف» كبيرة في المسار الديمقراطي كله وجعله يتصف بقدر كبير من الهشاشة، وذلك على عكس ما كانت قد عرفته بلدان أوروبا الغربية بعد حرب 1939-1945.
إن دراسة مختلف حالات «الإصلاح السياسي» الذي شهدته البلدان العربية التي تمّ التعرض لها في هذا الكتاب تدل على وجود «تباينات» كبيرة بين مختلف التجارب. وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى عدة أسباب ليس أقلّها الاختلاف في «أنماط الإصلاح» التي حاولت الحكومات القيام بها، وكذلك الاختلاف في «طبيعة» القوى السياسية التي كانت وراءها.
لكن يجمع بين هذه الحالات واقع «التعقيد» الذي عرفته مسارات الإصلاح السياسي، و«التباين» في «حجم» هذا الإصلاح، و«عدم وضوح» التوجهات التي تحدد مساره النهائي. ثم إن التجارب أظهرت أنه يمكن لأي إصلاح سياسي أن «يتوقف» أو «يتغيّر» مع تبدّل الشعارات «المرحلية».
وتشير الكاتبة إلى أن التجربتين المغربية والكويتية شكّلتا نموذجين متقدمين بين النماذج المدروسة على صعيد التعددية السياسية وتبنّي مبدأ الانتخابات البرلمانية وهامش الحرية الذي تتمتع به وسائل الإعلام والنقاشات العامة ووجود «حد معقول» من حماية الحقوق الفردية والحريات.
إن مثل هذا الرأي يتم تأكيده في المساهمة التي تقدمها مارينا اوتواي بالاشتراك مع ميريديت ريلاي عن المغرب وما عرفه من «إصلاح سياسي دون التحول الديمقراطي». هذا ما يبدو من خلال التوصيف الذي يتم تقديمه للمغرب قبل الإصلاح وحتى نهاية حكم الملك الراحل محمد الخامس.
ثم مع «إدخال الإصلاح» مع الملك الراحل الحسن الثاني الذي شرع به اعتبارا من مطلع سنوات التسعينات المنصرمة والتغير الذي شهده المشهد العالمي كلّه مع انهيار المعسكر الشيوعي ونهاية الحرب الباردة. وتتم الإشارة إلى أن بداية ذلك الإصلاح كانت على صعيد التأكيد على احترام حقوق الإنسان وإعطاء سلطة أكبر للبرلمان وزيادة مشاركة الأحزاب السياسية بمختلف أطيافها وكذلك المجتمع المدني في الحياة العامة للبلاد. كذلك يتم التأكيد هنا على أهمية تثبيت مبدأ «التناوب» على رئاسة الحكومة تبعا للنتائج التي تعطيها صناديق الاقتراع.
وقد أدّى وصول الملك محمد السادس إلى العرش عام 1999 إلى «تعزيز مسيرة الإصلاح السياسي»، كما تؤكد التحليلات المقدّمة. وذلك عندما فتحت المغرب «صفحة جديدة» مما أكّد «صورة الرجل الحديث» للملك الشاب. وفي رأس الإصلاحات التي قامت يتم التأكيد على أهمية «القانون الجديد للأسرة» وما تضمّنه من حقوق جديدة للمرأة.
بالمقابل يتم تحديد التهديد الأكبر الذي يواجهه المسار الديمقراطي في المغرب بالصعود الكبير الذي عرفته مجموعات متطرفة تقيم إيديولوجيتها باسم الإسلام. لكن هذا التهديد يجد ما «يعدّل» منه عبر تطوير شبكة هامة من المنظمات الدنيوية المنبثقة من المجتمع المدني.
ويتحدث هيو روبرت الكاتب المستقل والمستشار الدولي الأخصائي بمنطقة شمال إفريقيا عن التجربة الجزائرية ويشير بداية إلى أن هذه البلاد شهدت بعد ثماني سنوات من حرب التحرير التي انتهت إلى استقلالها فترة «استقرار سياسي» طويلة امتدت ما بين 1962 و1988، لتبدأ بعد ذلك دورة عن العنف خاصة منذ مطلع سنوات التسعينات. وقد ترافق ذلك، حسب الرأي المقدم، مع نوع من «عسكرة» الحياة السياسية والحركات المتطرفة أصبحت ذات طابع «قتالي» وتأكد بنفس الوقت «البعد العسكري» على مستوى النظام. أي كانت المحصلة هي نوع من «عسكرة» الحياة السياسية للبلاد كلها.
ويعتبر الكاتب أن هذا الواقع شكّل عقبة كبيرة أمام عقد من محاولات الإصلاح السياسي امتد ما بين عام 1989 وعام 1999. ولا يتردد الكاتب في وصف عقد التسعينات أنه كان ذا طابع مأساوي على صعيد الحياة السياسية الجزائرية. وإذا كان قد انتهى إلى استعادة قدر كبير من الهدوء فإنه يجعل الحركة الأولى المطلوبة في أفق تحقيق إصلاح سياسي على المدى المتوسط هي التبني الكامل لمبدأ التعددية وإنهاء أي طابع عسكري للحياة السياسية.
وعن «الإصلاح السياسي في مصر» يكتب عمر حمزاوي الباحث في معهد كارنيجي، الذي يتعاون مع جامعة القاهرة وجامعة برلين الحرة خاصة في مجال ديناميات الحياة السياسية في العالم العربي ودور حركات المعارضة الإسلامية، بالاشتراك مع ميشيل دون الاختصاصية بشؤون الشرق الأوسط ومؤلفة عدد من الكتب حول هذه المنطقة، وهما يؤكدان أن مصر قد بدأت مسار إصلاح سياسي منذ عام 2000، تعود جذوره إلى عقد التسعينات، ويربطان ذلك بمحاولة «التحديث» التي قام بها جمال مبارك في حياة الحزب الحاكم.
لكن مثل هذا المسار تلكأ اعتبارا من عام 2006 مع تصاعد قوة الحركات المتطرفة. الأمر الذي كان له أثره على الحد من الحريات المدنية وحقوق الإنسان. كتاب بعيد عن الايديولوجيات، ويطرح الكثير من الأسئلة الجوهرية حول الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط «فيما هو أبعد من الواجهة».
*الكتاب:فيما هو وراء الواجهة الإصلاح السياسي في العالم العربي
*الناشر: معهد كارنيجي للسلام الدولي ـ واشنطن 2008
*الصفحات: 295 صفحة من القطع المتوسط
Beyond the facade
political reform in the arab world
Marina Ottaway and Carnegie endowment for international peace
Washington2008
P.295