هذا كتاب جماعي يساهم فيه أربعة باحثين تحت إشراف آن دو تينغي الأستاذة الجامعية والتي تعمل في إطار المعهد الوطني الفرنسي للغات والحضارات الشرقية وأيضا في إطار معهد الدراسات والأبحاث الدولية التابع لكلية العلوم السياسية بباريس.

لها عدة مؤلفات من بينها: «الهجرة الكبرى، روسيا والروس منذ فتح الستار الحديدي». الباحثون الثلاثة الآخرون المساهمون هم فلاديمير باراتونسكي، المدير المساعد لمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو وايزابيل فاكون الباحثة في مؤسسة الدراسات الاستراتيجية واناييس ماران، الحاصلة على دكتوراة في العلوم السياسية.

موضوع هذا الكتاب، كما يدل عنوانه، هو «موسكو العالم». إنه بتحديد أكثر «عودة روسيا القوية» إلى المسرح الدولي بعد المرحلة الانتقالية التي عرفتها «منكفئة» إثر انهيار النظام الشيوعي السابق وفترة حكم بوريس يلتسين الذي كان همّه الأول هو إرضاء الغرب.

ما يتم التأكيد عليه منذ البداية هو أن هذه العودة «المشهود بها» لروسيا إلى المسرح الدولي تعيدها أغلبية كبيرة من المواطنين الروس للرئيس الحالي فلاديمير بوتين، الذي يعرف حاليا أيامه الأخيرة في الكرملين كرئيس لروسيا حيث سيتولى بعد فترة قريبة منصب رئيس وزراء بلاده عندما سيتولى الرئيس المنتخب ميدفيديف مهام منصبه الرئاسي.

«بوتين» هو إذن بنظر الروس صاحب «سياسة الإصلاح» التي أعادت للبلاد مكانتها بعد «سنوات الفوضى» في عهد يلتسين. وما يتم تأكيده أيضا في التحليلات المقدّمة هو أن هذه العودة لروسيا إلى الساحة الدولية تثير الكثير من التساؤلات وأحيانا من القلق في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية.

إن روسيا «تعيد الصلة» مع طموحاتها «التاريخية» في أن تعود من جديد قوة كبرى يُحسب لها حساب على صعيد العلاقات الدولية، وذلك في لحظة أدّت فيها الزيادة الكبيرة في أسعار مواد الطاقة، أي البترول والغاز اللذين تمتلك منهما روسيا كميّات كبيرة تضعها في المرتبة الأولى عالميا فيما يتعلق بالغاز، إلى تغيير علاقاتها مع العالم. إنها غدت «تتموقع» إلى جانب القوى الصناعية الكبرى والقوى الصاعدة كأحد مراكز القوّة في عالم متعدد الأقطاب.

وروسيا، كما يتم توصيفها، تبدو في المرحلة الراهنة أنها «تريد أن تصبح من جديدة سيدة مصيرها وأن يكون لها وزنها في القرارات الدولية والاعتراف بها في نظام دولي أكثر عدالة». إنها تحلم بـ «القوّة»، ولكن أيضا بـ «العظمة»، وذلك ليس على صعيد «الخطاب»، وإنما أيضا وأساسا على صعيد الأهداف والنتائج.

السؤال هو: هل السياسة الخارجية التي انتهجها فلاديمير بوتين هي على مستوى هذا البحث عن العظمة؟ إن المساهمين في هذا الكتاب يقترحون في الواقع «محصلة» لما آلت إليه هذه السياسة، مع محاولة شرح إمكانياتها في التصدّي للمشاكل الكبيرة المطروحة على روسيا، وإدراج هذه البلاد في سياق «ديناميات عامة» تسمح لها بأن يكون لها صوت مسموع في إدارة قضايا العالم الذي نعيش فيه.

تحت عنوان «صناعة السياسة الخارجية الروسية» يشير فلاديمير باراتونسكي إلى أن الطريقة التي تحدد فيها روسيا علاقتها مع العالم تغيرت كثيرا خلال السنوات الأخيرة. ويشير إلى أن عمق التغيّر الحاصل قد دفع البعض إلى القول إن هناك «حربا باردة جديدة تلوح في الأفق» وأن روسيا قد غيّرت سياستها بزاوية 180 درجة حيال الغرب. وهنا يسأل الكاتب: هل نستطيع مع ذلك أن نقول إن «إرادة التعاون» قد أخلت السبيل حقيقة لـ «منطق المواجهات»؟

في معرض الإجابة يقول الكاتب: إن رسم نهج السياسة الخارجية الروسية يتعلق بـ «مركزين» أساسيين أولهما هو «السلطة الرئاسية وثانيهما هو وزارة الخارجية الروسية. هذا إلى جانب عدد من «المصالح الحكومية» التي يمكنها أن تتدخل بطرق مختلفة في تحديد النهج المعني.

القرارات الملموسة للسياسة الخارجية الروسية تنتج عن التنسيق بين مختلف هذه القوى التي تتراوح بين اللبراليين الذين يريدون دفع روسيا نحو الدخول بالكامل في إطار القواعد المتبعة لدى منظمة التجارة العالمية وبين التكنوقراطيين الذين يؤكدون على ضرورة حماية الإنتاج الوطني من تحديات العولمة. وهناك أيضا «الأطلسيين» الذين يسعون إلى توجيه السياسة الخارجية للبلاد نحو «الغرب» وهؤلاء تُطلق عليهم عادة في روسيا صفة «المستغربين».

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى الدور الذي تلعبه «مراكز البحث والتحليل» المعنية بدراسة العلاقات الدولية، وخاصة تلك التي تعمل في إطار «أكاديمية العلوم الروسية» التي تضم حوالي عشرة مراكز. ويلعب «عالم الأعمال» دورا في النقاشات الخاصة بتوجهات السياسة الخارجية ولكن «شريطة الانضواء في إطار منطق سياسة الدولة». ودور أيضا لوسائل الإعلام وكذلك للكنيسة الارثوذكسية الروسية.

وفي المحصلة تدل التحليلات المقدّمة على أن «النخبة السياسية الروسية هي أيضا بصدد التغيّر (...) وأولئك الذين ينتمون لها ولهم علاقات مع العالم الخارجي يشعرون بثقة أكبر في النفس، ذلك أن عقدة الدونية التي كانوا يعانون منها حيال العالم الخارجي قد زالت دون أن تترك تقريبا أي أثر».

باختصار يتم التأكيد على أن روسيا «اتجهت نحو المستقبل» وجرى نسيان «الكارثة الجيوسياسية الأكبر خلال القرن العشرين»، كما عبّر ذات يوم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيال انهيار الاتحاد السوفييتي. وعلى هذه الجملة بالتحديد تعلّق «آن دوفينغي» في مساهمتها حول «الإمبراطورية القديمة: رهان إستراتيجي كبير» بالقول إن الرئيس بوتين بدا وكأنه يعلن عن «مشروع لبرالي جديد»، وأنه قد أعلن في الوقت نفسه عن «نهاية عهد» وولادة «عهد جديد» ولكن خاصة «دون الحنين» للعودة إلى الوراء.

بكل الحالات ترافق «الخروج» من الإمبراطورية في مطلع عقد التسعينات الماضي بـ «قدر كبير من الغموض» إذ أن «فترة إمبريالية من تاريخ روسيا قد انتهت»، كما تنقل المؤلفة عن بوريس يلتسين عام 1992. ماتت «الإمبراطورية» وقامت «مجموعة الدول المستقلة» التي تضم روسيا وعددا من «الجمهوريات السوفييتية السابقة». لكن لم تكن هذه «المجموعة» تشكل في البداية «الأولى بين أولويات» السياسة الخارجية الروسية وإنما كانت أولوية روسيا «الجديدة» هي بالأحرى «الاندماج في أوروبا».

مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة غدا «المجال السوفييتي السابق» في صميم اهتماماته. وهذا ما قال به صراحة في أحد خطاباته حيث اعتبر أن العلاقات مع الشركاء في «مجموعة الدول المستقلة» تشكل «الأولوية الأولى» للسياسة الخارجية الروسية. ويتم في هذا السياق اعتبار «الثورات الملوّنة»، أي الثورة الزهرية في جيورجيا خلال شهر نوفمبر 2003 والثورة البرتقالية في اوكرانيا (نوفمبر-ديسمبر 2004) بمثابة «نهاية مرحلة».

وكانت هناك مرحلة جديدة غيّر فيها بوتين من استراتيجيته إذ «أعاد تعريف شروط الشراكة مع بلدان مجموعة الدول المستقلة وشدد من موقفه حيال البلدان الغربية (...) وجعل من استقرار روسيا هدفه الرئيسي المعلن ولم يتردد لذلك في اتخاذ إجراءات تشديد الرقابة على نشاطات الهيئات غير الحكومية الأجنبية في روسيا».

وبعد التعرّض للعلاقات بين موسكو وواشنطن، والتي يتم وصفها بـ «التعاون في إطار النزاع»، ولعلاقة روسيا مع أوروبا تتم في الفصل الأخير معالجة «الانفتاح على آسيا والعالم العربي-الإسلامي» وعمّا إذا كان هذا يعني «إمكانية أن تترك روسيا الغرب»؟

تؤكد المساهمتان في هذا البحث «آن دوتينغي وايزابيل فاكون» أنه في اللحظة التي «تتعقّد» فيها العلاقات مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تعمّق روسيا علاقاتها في مناطق أخرى خاصة في آسيا والعالم العربي-الإسلامي. وتتم الإشارة إلى أن فلاديمير بوتين قد أولى منذ بداية عهده اهتماما خاصا بآسيا المتاخمة للمحيط الهندي وحافظ على ذلك الاهتمام حتى النهاية، وذلك استمرارا لنهج غورباتشوف ثم يلتسين، إذ أن المصالحة مع الصين أوجدت مناخا جديدا لم تكن روسيا تمتلكه من قبل.

وعلى سؤال «روسيا بلد مسلم»؟ تؤكد الإجابة أن بوتين يعتبر روسيا جزءاً من العالم الإسلامي، وذلك بالاعتماد على مقولتين: الأولى هي أن الإسلام «موجود» في روسيا منذ قرون والثانية هي أن المسلمين ساهموا في صياغة الهوية الروسية الراهنة. ويُنقل عنه تصريحه في الرياض بتاريخ 12 فبراير 2007 قوله: «إن العلاقات المنسقة» بين المسيحيين والمسلمين هي «دون مبالغة كنزنا الوطني وإننا حريصون عليه كبؤبؤ العين».

*الكتاب:موسكو والعالم - طموح العظمة: هل هو وهم؟

*الناشر:اوترومون ـ باريس2008

*الصفحات :216 صفحة من القطع المتوسط

Moscou et le monde

l'ambition de la grandeur: une illusion ?

Anne de Tinguy et

Autrement - Paris 2008

P.216