ناتاليا نورشنيتسكايا، هي مؤرخة وفيلسوفة روسية، مختصة بالعلاقات الدولية. عملت خلال سنوات 1982 ـ 1989 في الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة بنيويورك. وكانت نائبة لسنوات في مجلس الدوما (البرلمان) الروسي.اشتهرت في بلادها كأحد الوجوه البارزة في تيار الدعوة لـ «البعث الوطني الروسي» بكل ما يحمله من تناقضات وتطلعات وتساؤلات.
«ماذا بقي من انتصارنا؟» هو كتاب ـ صرخة تطلقها المؤلفة باسم الشعب الروسي الذي يرى أن العالم الغربي قد انتزع منه تاريخه. وعمل في الوقت نفسه على حصره في «خانة الشيوعية الضيقة». أما «الانتصار» الذي تقصده المؤلفة، فهو ذلك الذي عرفه الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ضد النظام الهتلري وحيث كانت القوات السوفييتية هي التي دخلت برلين ودكّت آخر معاقل هتلر. ولا تتردد المؤلفة في تذكير القارئ بالدور المركزي الذي لعبته روسيا في الحرب العالمية الثانية وحيث ينظر الروس لهذه الحرب على أنها كانت «الحرب الوطنية الكبرى».
وتؤكد المؤلفة في الشروحات التي تقدمها أن أحد أشكال «سوء التفاهم» بين الغرب وروسيا يعود إلى عملية «التزوير» التي تمّت حيال الدور الذي لعبته روسيا واختزاله إلى درجة محاولة «طمسه». ذلك أن الغربيين قد جعلوا من تلك «الحرب الوطنية الكبرى» كما يراها الروس مجرد حرب «من أجل الديمقراطية الأمريكية».
وكأن روسيا لم تكن سوى مجرد قوة «دعم». بل وتعلن هذه المؤرخة الروسية «غضبها» الشديد حيال العديد من بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الذي كانت تدور لمدة عقود في الفلك السوفييتي ثم انضمّت مؤخرا إلى الاتحاد الأوروبي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي في أعقاب سقوط جدار برلين في شهر نوفمبر من عام 1989. نقرأ: «إن ليتوانيا واستونيا وبولندا وجمهورية تشيكيا تحتفل اليوم بتحرير معسكر اوشفيتز ـ النازي. لكنها توجه انتقاداتها العنيفة لمحررها ـ روسيا السوفييتية ـ الذي أنقذها من النير النازي».
هذا الطرح المزدوج، المتمثل من جهة في التأكيد على الدور «الوطني» الروسي الذي لم يتم التنصّل منه عبر المسيرة التاريخية الروسية كلها، ومن جهة أخرى في تحميل الغرب عامة مسؤولية «تشويه» حقيقة الدور الروسي، تشرحه ـ أي الطرح ـ المؤلفة على مدى الفصول الخمسة التي يتألف منها هذا الكتاب.
ويتم في الأول منها تقديم لمحة تاريخية للمسار الروسي التاريخي، خاصة من بوابة العلاقة بين مفهومي «الوطن» و«الدولة». وتشرح المؤلفة في الفصل الثاني عملية «الانتقال» من روسيا القيصرية إلى الاتحاد السوفييتي حيث تتحدث عن «الثورة وما بعد الثورة» كما تحاول الإجابة على سؤال: «لماذا ستالين وليس لينين»؟ لتؤكد في معرض إجابتها أن «التاريخ كان في خدمة السياسة».
ويخص الفصل الثالث فترة الحرب العالمية الأولى حيث تقدّم المؤلفة توصيفا لما تسمّيه «المثلث» الذي تتمثل أضلاعه في «ألمانيا» و«بريطانيا» و«روسيا». ثم فصل عن معاهدة «فرساي» التي أعقبت نهاية الحرب الكونية الأولى ووضع فيها المنتصرون - الحلفاء- شروطهم على المهزومين - الألمان- الذين بدؤوا منذئذ يحضّرون للحرب العالمية الثانية، كما تشرح المؤلفة في الفصل الرابع الذي يحمل عنوان «ما بين فرساي والحرب العالمية الثانية».
وفصل خامس وأخير «من حرب إلى أخرى» حيث تحلل المؤلفة خلفيات معاهدتي «يالطة» و«بوتسدام» مع محاولة الإجابة على السؤال التالي: هل حاربت الولايات المتحدة فقط من أجل الحرية والديمقراطية؟ أما الصفحات الأخيرة من الكتاب فتحمل عنوان له دلالته يقول: «الحرب مستمرة، لكن ضد من»؟ إن المؤلفة تشرح بصور مختلفة في كتابها الموقف الغربي الرامي إلى التقليل من قيمة الانتصار الذي حققه الاتحاد السوفييتي.
إنها في الوقت نفسه ، لا تدافع أبدا عن الشيوعية ولكنها ترفض بشكل قاطع عملية «الاختزال» التي قام بها الغربيون عن «وعي وسابق إصرار وتصميمز، عندما أظهروا أن التعارض بين الغرب والاتحاد السوفييتي كان مجرّد «مجابهة» بين الديمقراطية والشيوعية.
إنها بالمقابل تركز على القول أن الموقف الروسي اتسم دائما بالاستمرارية «من الماضي إلى الحاضر» وأنه قام باستمرار على أساس «المشاعر الوطنية» المتأصّلة لدى الشعب الروسي. وتلحّ بالمقابل على ضرورة أن يعيد الغربيون النظر بمفاهيمهم حول الدلالات الحقيقية للحرب العالمية الثانية. وترى أنه من واجب المؤرخين الغربيين إبراز الحقيقة التاريخية التي يتم طمسها غالبا. أما نقطة الانطلاق في مثل هذه العملية فإنها تجدها في «التخلّي عن القناعات التاريخية «السائدة من أجل إلقاء «نظرة جديدة» على الماضي والحاضر وإعطاء الأحداث دلالتها الحقيقية، إنما «غير الشائعة».
ضمن هذا النهج من التحليل تطالب المؤرخة الروسية بإعادة نظر شاملة لتاريخ العلاقات الروسية ـ الأوروبية، ولا تتردد في أن تعيد الاعتبار للاتفاق الجرماني-السوفييتي لعام 1939، في سياقه التاريخين إنما الذي نسفته الحرب العالمية الثانية. كما تعلن رفضها للمواقف العدائية حيال البنود السريّة المتعلقة فيه بضمّ دول البلطيق وبولندة للاتحاد السوفييتي.
وتتم الإشارة هنا إلى أن المخطط النازي كان يرمي إلى جعل الليتوانيين واللاتفيين والاستونيين «يعرفون فقط مجرد قراءة الأسماء والدلالات الجغرافية باللغة الألمانية»، أما النظام السوفييتي، ومهما قيل عنه، فإنه قد سمح للمعنيين أن يصبحوا «أكاديميين وجنرالات ومبدعين ومخترعين»، حسب قولها.
وتبيّن التحليلات المقدّمة أن روسيا التي «استيقضت في عهد فلاديمير بوتين، قد أعادت واقعيا لجوزيف ستالين مكانته، وحيث تصفه الكتب المدرسية الخاصة بتعليم التاريخ الروسي أنه كان «مديرا ناجحا». وتؤكد المؤلفة أن ستالين، ورغم مركزة السلطات بين يديه وشدّته المعروفة، إنما كان «أقل استبدادا من لينين»، حسب قولها، وكان يتمتع أيضا بحس وطني حقيقي على قاعدة تخلّصه من «عقدة الدونية أو التبعية الأخلاقية».
وضمن مثل هذا السياق يتم التأكيد أيضا على أن ستالين، كان هو الذي دفع الاتحاد السوفييتي في الطريق التي جعلت منه لعقود طويلة إحدى القوتين العظميين في العالم، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية. إن المؤلفة لا تنفي الميل الاستبدادي لدى ستالين.
لكنها ترى بالمقابل أن الموقف الذي اتخذه الغربيون منه وإظهار قدر كبير من البغض حياله لا يعود أبدا إلى حقيقة «الجرائم» التي اقترفها وإلى «معسكرات الاعتقال» التي أقامها كي ينهي فيها الآلاف من معارضيه حياتهم، وإنما كان الحقد عليه في الغرب يعود إلى أنه «بعث من جديد روسيا التاريخية المكتملة، كما تقول المؤلفة ثم تضيف أن «الأمة ترد بنوع من الحذر الفطري أحيانا على عملية محاولة إعطاء ستالين صورة شيطانية».
إن مجموعة التحليلات والتساؤلات التي تقدمها المؤرخة الروسية تؤدي بها إلى طرح تساؤلات، تشكل بحد ذاتها اتهامات واضحة موجهة إلى الغرب، وذلك مثل التساؤل عما إذا كانت هناك «في كواليس العالم» مشاريع جارية ضد روسيا؟ هذا ما يدعو له واقع أن الحلف الأطلسي يريد أن «يطرد» روسيا من منطقتي بحر البلطيق والبحر الأسود، والاتحاد الأوروبي يدعم «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا، بينما تتواجد «القوات الانجلوساكسونية في المناطق المجاورة لبحر قزوين.
ما يتم التأكيد عليه صراحة أحيانا، وتلميحا في كل الأحيان، هو أن الغربيين ينظرون إلى الروس على أنهم، تاريخيا، «نصف برابرة» و«غامضون» و«قوميون شوفينيون» لهم دائما مشاريع توسعية وبالنتيجة ينبغي في المحصلة العمل على إضعافهم بشتى الوسائل المتاحة. وفي مواجهة هذا كله تؤكد التحليلات المقدّمة على أن لروسيا مفاهيمها الخاصة حول «الديمقراطية» و«حقوق الإنسان».
ثم «بالقياس إلى حجم السكان لا توجد في روسيا جرائم واعتداءات ذات طابع عنصري أكثر مما هو موجود في بلدان أوروبا الغربية» ، كما كتب الباحث الفرنسي «جاك سابير» في مقدمته لهذا الكتاب، ووصفه في السياق نفسه بالقول: «لقد قلب هذا الكتاب قناعاتنا».
وكتاب يمثل بمجمله أيضا، وبالتوازي مع توجيه النقد للمواقف الغربية حيال روسيا، إعلان اعتزاز بـ «الانتماء الوطني» الروسي السابق لقيام الدولة والأمة وحيث أن «الوطن» يعني الأرض. ونقرأ في الصفحة الأولى من هذا الكتاب قول المؤلفة: «إن الأمراء الروس وقبل أن تشكّل الدولة الروسية الجامعة وبالتالي قبل أن تتكوّن الأمة الروسية، لم يكونوا يقسمون بعروشهم وإنما بالأرض الروسية».
*الكتاب: ماذا بقي من انتصارنا؟
روسيا ـ الغرب: سوء التفاهم
*الناشر:سيرت ـ باريس2008
*الصفحات :204 صفحات من القطع المتوسط
Que reste-t-il de notre victoire ?
Russie-Occident: le malentendu
Natalia Narotchnitskaïa
Syrie- Paris 2008
P.204

