نسيم نيكولا طالب من مواليد لبنان عام 1960 معروف بصفة فيلسوف الصدفة، لكنه في الوقت نفسه خبير بالمسائل المالية حيث كان قد عمل لمدة عشرين عاما كتاجر في مضاربات البورصة بنيويورك ولندن. ودرس الفلسفة والرياضيات من أجل تعميق معارفه بما يسميه «علم الصدفة».

يحمل أيضا شهادة عليا من مدرسة وارتون التابعة لجامعة بنسلفانيا وشهادة الدكتوراه من جامعة باريس ـ دوفين، الأكثر شهرة بفرنسا في مجال الاقتصاد. ويقوم حاليا بتدريس مادة «التسويق» في مدرسة لندن للأعمال التجارية وعلوم «الاحتمالات» في جامعة ماساشوستس والرياضيات في جامعة نيويورك. له العديد من المؤلفات من بينها: «الصدفة المتوحشة: أسواق البورصات هي حياتنا، الدور المخبوء للحظ»، وهذا الكتاب نال شهرة عالمية وجرت ترجمته إلى عدة لغات عالمية.

هذا الكتاب الجديد «البجعة السوداء» حظي منذ صدوره في العام الماضي بأصداء عالمية لا تزال مستمرّة حتى اليوم، وقد بقي لمدة ثلاثة عشر أسبوعا في رأس قائمة الكتب الأوسع انتشارا حسب تصنيفات النيويورك تايمز، وجرى تصنيفه في أكثر من وسيلة إعلام أنه من أفضل الكتب بالنسبة لعام 2007.

«البجعة السوداء» تدل بالتحديد على تلك الأحداث التي تقع دون أن ينتظرها أحد، ودون أن تكون مرسومة حسب منطق السبب والنتيجة. إنها «الحقيقة» التي يفرضها الواقع ومجرى الأحداث. وهذا ما يشرحه المؤلف منذ كلماته الأولى في الكتاب بالقول انه قبل اكتشاف أستراليا لم يكن البشر قديما قد رأوا أبدا بجعة سوداء. لم يكن لديهم أي سبب للاعتقاد للتفكير أن البجعات لا يمكنها أن تكون سوى بيضاء.

في الواقع كان يكفي وجود مثال واحد كي يتم تدمير سنوات من التأكيدات. إن بجعتي السوداء لا ريش لها. إنها قبل أي شيء حدث غير منتظر وغير مفهوم كثيرا ويقوم على المعرفة. وهو أيضا حدث له نتائج كبيرة. ورغم أن مثل هذه الأحداث تبدو غير متوقعة من منظور مستقبلي، فإنها يمكن أن تبدو متوقعة تماما عبر النظر إلى الوراء.

إن مؤلف هذا الكتاب يدرس في الواقع العلاقة بين المقولات الفلسفية-المنطقية وبين الواقع التجريبي. فمثلا إذا تم التأمل بالتفجيرات التي عرفتها نيويورك وواشنطن في صباح 11 سبتمبر 2001، فإن «الخطر كان قابلا للتصور منطقيا يوم 10 سبتمبر».

لكن الفرق كبير بين ما يتفق مع «المنطق» وبين ما يجري في الواقع. ومن هنا يعتبر نسيم نيكولا طالب أن تلك التفجيرات كانت بمثابة «بجعة سوداء»، ومثلها في ذلك مثل «الحرب الأهلية اللبنانية» التي اندلعت في ربيع عام 1975. وهو يصف تفجيرات 11 سبتمبر والحرب الأهلية اللبنانية على أنهما بجعتان سوداوان وكاملتا الأوصاف»، وذلك بمقدار ما كانت «مفاجأتهما» كبيرة.

ما يميّز هذا الكتاب هو أن مؤلفه يقدم تفسيرات فلسفية لمواضيع قد تبدو في غاية «السخافة». وهكذا لم يتردد هو نفسه من وصف كتابه أنه «كتاب تقني وهجين قليلا، كتاب علمي أقوم بتمويهه بصيغة أدبية. ومثلما كان يفعل مارسيل بروست -الروائي الفرنسي الشهير- اخترع شخصيات وهمية تبرز فجأة في وسط الكتاب من أجل أن تعذب القارئ. كذلك أحكي بعض النوادر للقارئ في وسط بعض النقاشات».

إن هذا الكتاب يمثل أيضا في أحد جوانبه الرئيسية محاولة لقراءة الآليات التي يفهم البشر على أساسها العالم الذي يعيشون به. هذا العالم «غير المفهوم»، وليس هناك علاقات واضحة وعميقة بين التوقعات والوقائع والأحداث الجارية والنتائج المترتبة عليها. وعلى المنوال نفسه يؤكد المؤلف أن هناك «احتمالات» عديدة تجعل الحروب والمسارات التكنولوجية والتطورات الاقتصادية ومستقبل الأسواق بمثابة ميادين من الصعب تقديم قراءة مسبقة لها. هذا ما يقوله ويشرحه مؤلف هذا الكتاب عبر استخدام الكثير من «المجازات».

الوجه الآخر لمثل هذه الآراء يبدو عبر التدليل بأشكال مختلفة على أن رجال العلم والاقتصاديين والمؤرخين والاختصاصيين الماليين يعطون جميعهم «قيمة مبالغ فيها» للتفسيرات «العقلانية» لأحداث التاريخ الماضي. وبالمقابل يقللون «إلى حد المبالغة» أيضا بالأهمية الكبرى لما «لا يمكن تفسيره» في المعطيات المأخوذة من الماضي.

ويصل في محصلة هذا النهج من التحليل إلى تبنّي آراء ومفاهيم الفلاسفة الذين كان ل«الشك» مكانة هامة في أفكارهم من أمثال امبيريكوس والغزالي ومونتين ودافيد هيوم وكارل بوبر، وحيث أن هؤلاء جميعهم يتفقون، حسب رأيه، في التأكيد أنه لا يمكن للماضي أن يقدّم «نبوءات» عما سيكون عليه المستقبل.

«البجعات السوداء»، كما يتم تقديمها، تمثل أيضا منعطفات حقيقية في التاريخ الإنساني أحيانا. وهذا ما يعبّر عنه المؤلف بالقول: «عندما أسأل الناس عن التكنولوجيات الثلاث التي كان لها أثر كبير في مسيرة العالم الذي نعيش فيه اليوم، فإنهم يجيبون عادة بالقول أنها تتمثل في الحاسوب وشبكة الانترنت وأشعة الليزر». هذه التكنولوجيات الثلاث يعتبرها بالتحديد «أوزات سوداء»، وذلك على أساس أنها لم تكن «مرئية» قبل اختراعها، ولو كان لدينا اليوم «وهم» انها كانت «مرسومة» وفق خطط تربط السبب بالنتيجة.

وما يؤكده المؤلف بأشكال مختلفة هو أن «الصدفة» و«ما هو قليل الاحتمال» كانا من بين المواضيع التي أثارت انتباهه وفضوله منذ سنوات طفولته. وإن ذلك لم يكن بعيدا عن اهتمامه بتاريخ العلوم. ومن خلال تأمله بالعالم المحيط وبمساراته اعتبر أن «الصدفة تخدع البشر». وهذا ما ولّد لديه بدوره رغبة في مراقبة العالم المحيط ، وليس فقط العالم المحيط ب«فكرة تقديم صورة العالم». «الفكرة» شكّلت دافعا نحو دراسة الفلسفة أما «العالم» بصورته الواقعية فقد كان واقعا نحو دراسة البيولوجيا والعلوم.

ويميّز المؤلف في تحليلاته بين معطيين أساسيين يرى أنهما ضروريان لفهم دلالة «الأوزة السوداء». هذان المعطيان يحددهما ب«عالم التواضع» و«عالم الحد الأقصى». أما عالم التواضع فقد يتم التعبير عنه ب«أخذ عينة من 1000 شخص ثم يضاف لهم الشخص الأكثر بدانة في العالم»، هذه الإضافة لا تغير بشيء تقريبا في «متوسط» البدانة لدى المجموعة.

أما إذا أضيف لهم الشخص الأكثر «ثراء» في العالم فإن «متوسط» الثروة يرتفع كثيرا. على هذا الأساس يرتبط مفهوم «البجعة السوداء» بما يترتب عليه تغيير جوهري في المسارات، أي ب«عالم الحد الأقصى» بينما يبدو غريبا عن «عالم التواضع». وعلى مستوى فهم العالم تؤكد التحليلات المقدّمة على أن «التاريخ هو أكثر وضوحا في ذاكراتنا وفي الكتب التي تقرأها مما هو في الواقع التجريبي المعاش». وهذه القاعدة يطبقها أيضا على «الأسواق المالية».

ولكن من الصعب رؤية آثار ذلك ب«العين المجردة» دون ربط الأسباب بالنتائج. وبكل الحالات يتم التأكيد على أهمية التمييز بين «الخبراء الحقيقيين» و«الخبراء المزيفين». ويقول المؤلف في هذا السياق: «الطبّاخ أو طبيب الأسنان ينتميان إلى فئة الخبراء الحقيقيين. أما رجل الاقتصاد فليس خبيرا، وليس خبيرا أيضا رجل السياسة أو المحلل المالي. أما أكبر الدجّالين فهم المؤرخون أو محللو التاريخ الذين يجدون دائما الأسباب للأحداث التاريخية. لكن أولئك الذين يكتبون بشكل أفضل ليسوا هم بالضرورة أولئك الذين يفهمون بشكل أفضل».

وعلى قاعدة التشكيك بمبدأ السببية يرى المؤلف أنه من الخطأ التفكير أن «العلم قد قاد إلى التقدم في العالم. وهو يؤكد أن جميع اكتشافات الطب والتكنولوجيا «وليدة الصدفة». كما يرى أن أغلبية الأدوية جرى التوصل إليها بالصدفة و«التكنولوجيات المهيمنة اليوم جميعها» و«جميع الأدوية هي بمثابة بجعات سوداوات»، إذ لم تكن مرتقبة عند نقطة الانطلاق.

إن هذا الكتاب يبدأ بالحديث عن حرب لبنان وينتهي بدراسة بدت أنها ترمي إلى تدمير جميع الثقافة الغربية الخاصة بما يسمى ب«عصر التنوير»، الذي يمثله القرن الثامن عشر الذي يتم وصفه أنه «كان مدمّرا بالنسبة للفكر الحديث». ولا يتردد نسيم طالب في هذا السياق عن اعتبار الفيلسوف الغزالي كأحد أكبر الذين «شككوا» بمفهوم السببية، وبأنه «المفكّر الأكبر في جميع الأزمنة».

*الكتاب:البجعة السوداء

الأثر الحاسم لما هو قليل الاحتمال

*الناشر:راندوم هاوس - نيويورك2007

*الصفحات:366 صفحة من القطع المتوسط

The black swan, the impact of the highly improbable

Nassim Nicholas Taleb

Randum House -N.Y2008

P. 366