مارك ليونارد كاتب بريطاني مختص بالسياسات والعلاقات الدولية. عمل لفترة من الزمن مديراً لمركز السياسة الخارجية البريطانية حيث قدّم استشاراته حول المسائل السياسية والاستراتيجية للعديد من الدول الأوروبية والمنظمات الحكومية المتعددة الأطراف.

ويعمل الآن مديراً لقسم السياسة الخارجية في مركز الإصلاح الأوروبي. قدّم العديد من المساهمات حول أوروبا واستراتيجياتها على المدى الطويل بعد 11 سبتمبر 2001. له كتاب شهير بعنوان: (لماذا ستقود أوروبا القرن الحادي والعشرين؟). بماذا تفكر الصين؟ كتاب يؤكد المؤلف فيه أن ما هو «معروف» عن الصين ليس سوى النزر اليسير بالقياس إلى ما هو «مجهول» عنها. ذلك أولا وأساسا بسبب «السرعة الهائلة» فيما تشهده من تبدلات بحيث نه «تنبغي إعادة النظر بخريطة شنغهاي، مثلا، كل أسبوعين».

وإذا كان من المعروف أن «نصف الثياب والأحذية الجاهزة في العالم تحمل إشارة «صُنع في الصين»، وأن 300 مليون صيني قد دخلوا «عصر الحداثة» على مدى 30 سنة فقط بينما كانت أوروبا قد احتاجت ل200 سنة للوصول إلى نفس النتيجة. فإنه من غير المعروف إلى أين تتجه السياسة الخارجية الصينية وما هو دورها في عالم الغد؟!

الخط الناظم لشروحات هذا الكتاب هو التأكيد على أن الدبلوماسية الصينية قد غدت نشيطة أكثر فأكثر وذلك مع التركيز على أولويتين أساسيتين هما الاستقرار الإقليمي ومثابرة النمو الاقتصادي الصيني. هاتان الأولويتان تبدوان أيضا على درجة كبيرة من التداخل.

وإذا كانت الصين تثير في صعودها القوي الكثير من القلق والمخاوف وليس في المحيط الإقليمي فحسب، وخاصة لدى الجار الياباني الذي كان قد احتلّها ذات فترة، وإنما أيضا على الصعيد العالمي لاسيما في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فإنها تؤكد بالمقابل على أنها تريد تحقيق النمو الاقتصادي المنشود «عن الطريق السلمي».

ومن الواضح أن الصين، من خلال موقعها على رقعة الشطرنج الدولي اليوم حيث إنها تمثل الأمة الأكثر عدداً من حيث عدد السكان في العالم وهي عضو دائم في مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن أنها «قوة نووية» وقوة اقتصادية من المرتبة الأولى في العديد من الميادين، تريد أن يكون لها «صوتها» المسموع فيما يخص التحديات الكبرى في العالم المعاصر.

إن الشروحات المقدّمة تؤكد على أهمية الاستقرار الإقليمي والنمو الاقتصادي للبلاد، وهذا ما يدفعها لـ (الالتزام) بنشاط على الصعيد الدبلوماسي. وهذا ما بدا بوضوح من خلال الدور النشيط الذي بدأت بلعبه اعتبارا من عام 2003 فيما يتعلق بـ «الأزمة النووية الكورية الشمالية».

وكانت قد تدخلت أيضا باتجاه التهدئة أثناء الأزمات التي عرفتها بورما (مينمار) والتي شهدت أعمال عنف وقمع للمظاهرات الاحتجاجية. ثم تتم الإشارة في هذا الإطار إلى أن الصين قد تدخّلت فيما هو أبعد من «دائرتها الجغرافية» لتقدم مساهمتها في حل الأزمات التي قد يكون لها تأثيرها على مصالحها الاقتصادية أو السياسية.

هكذا لم تكن الدبلوماسية الصينية بعيدة عن أزمة دارفور في السودان حيث لها مصالح بترولية واضحة وفي منطقة الشرق الأوسط التي تستورد منها حوالي 60 بالمئة من البترول، وهذه النسبة قد تصل إلى 80 بالمئة في أفق عام 2010.

إن الاقتصاد الصيني بحاجة للدبلوماسية الهادفة إلى الاستقرار في العالم من أجل إمكانية المثابرة على معدل نمو سنوي كبير يصل منذ عام 1978 إلى 4. 9 بالمئة. ولا تخفي بكين هدفها في التوصل إلى إمكانية مضاعفة إجمالي الإنتاج الداخلي الصيني في أفق عام 2020 وبحيث يصبح معدّل دخل الفرد حوالي 3000 دولار أمريكي. التصنيف الجاري اليوم يضع الصين في المرتبة الرابعة دوليا بعد الولايات المتحدة الأميركية ثم اليابان ثم ألمانيا.

ويتم تحديد آليات دعم العمل الخارجي للدينامية الاقتصادية في البلاد عبر عدة سبل. السبيل الأول يتمثل في تطوير علاقات «مركّزة نحو هدف محدد»، وذلك في منظور «إيجاد أسواق جديدة لصادراتها» أو في منظور «تأمين مصادر جديدة من الموارد الطبيعية أو مواد الطاقة». تتم الإشارة هنا إلى أن الصين قد أصبحت تحتل المرتبة الثانية من حيث البلدان المستوردة للبترول في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، هذا فضلا عن أنها تستهلك ما بين ربع وثلث الإنتاج العالمي من مواد أساسية بالنحاس والألمنيوم.

السبيل الثاني الذي تنتهجه الدبلوماسية الصينية يرمي إلى تعزيز العلاقات بأكبر قدر ممكن مع الدول الأكثر تقدما في العالم، فهذا يؤمّن لها من جهة أسواقا جديدة. ولكن قبل هذا يمكن لهذه البلدان أن تزوّدها بالتكنولوجيات المتقدمة، كما أنها تشكّل في الوقت نفسه مصادر «استثمارات هامة برؤوس الأموال».

وسبيل ثالث آخر تؤكد عليه السياسة الخارجية الصينية ويتمثل في «تشجيع لبررة التجارة» في إطار المنظمة العالمية للتجارة والخروج بذلك من إطار الاقتصاد المخطط بشكل كامل، وهو الطريق الذي كانت الصين قد اختارته أصلا منذ نهاية عصر ماو تسي تونغ وفتح الصين على العالم الخارجي.

كذلك تشجّع الصين ضمن السياق نفسه توقيع اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف لتشجيع التجارة الحرّة مثلما مع مجموعة بلدان جنوب شرق آسيا في أفق سنوات 2010 ـ 2020 وكذلك العمل على عقد اتفاقيات مع نيوزيلاند واستراليا و تشيلي. وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يؤكد أنه لا يزال على الصين بذل جهود إضافية في اتجاه اقتصاد السوق، ذلك أن الشركات الأجنبية لا تزال تواجه بعض الصعوبات في ولوج السوق الصينية.

ويتم في هذا الإطار أيضا الحديث عن «الدبلوماسية النفطية» للصين وحيث يكتسي بلدان محددان من بلدان الشرق الأوسط أهمية خاصة بالنسبة لبكين وهما المملكة العربية السعودية وإيران حيث يشكلان بالتتالي المصدر الأول والثاني للتزود بالنفط الخام بالنسبة للصين.

ويبدو بوضوح أن اهتمام الصين اليوم بـ «توزيع» مصادر تزودها بالبترول ومواد الطاقة الأخرى هو الذي يجعلها تسعى اليوم إلى التقارب مع بلدان ومناطق إنتاجها مثل روسيا ومنطقة آسيا الوسطى وإفريقيا حيث للصين تواجد مهم في بلدان مثل انغولا ونيجيريا والسودان والجزائر، وأميركا اللاتينية، لاسيما مع البرازيل، الغنية بالبترول.

إن الصين وبالنسبة لهذه البلدان والمناطق كلها تريد أن تظهر كقوة عالمية مسؤولة عبر تبنّي مفاهيم مثل «التنمية السلمية» و«العالم المتناسق». وعلى هذا الأساس قامت خلال السنوات الأخيرة ببذل جهود هامة من أجل المساعدة على التنمية في مناطق فقيرة مثل إفريقيا.

ويتم تلخيص الأهداف التي تسعى الصين إلى تحقيقها عبر دبلوماسيتها «الإفريقية» بكسب أصوات العديد من الدول في الأمم المتحدة مما قد يساعدها في زيادة وزنها على المسرح الدولي والتأثير على القرارات المهمة الخاصة بالعالم المعاصر، وثانيا التزود بالموارد الطبيعية وعلى رأسها مواد الطاقة، وثالثا إيجاد أسواق جديدة لمنتجاتها، ورابعا عزل تايوان. ويتم التأكيد هنا أن تايوان موجودة أصلا في صميم السياسة الخارجية الصينية إذ تعتبرها جزءا لا يتجزأ من ترابها الوطني.

وتحظى علاقات الصين مع القوى الدولية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، باهتمام مؤلف هذا الكتاب . إنه يؤكد على وجود علاقات وثيقة بين بكين وواشنطن، وذلك على خلفية «تكاملهما» الاقتصادي. هذا لا يمنع واقع استمرار «التنافس الإستراتيجي» الصيني-الأميركي حول عدة نقاط لاسيما في الميادين الاقتصادية والتجارية والعسكرية.

وهناك الموقف من حقوق الإنسان خاصة في منطقة «التيبت»، ودون نسيان مشكلة تايوان التي تمثّل إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين القوتين. فإذا كانت الصين تعتبر الجزيرة جزءا لا يتجزأ من ترابها الوطني فإن الولايات المتحدة تعتبر نفسها مسؤولة عن «حمايتها». وهذا ما يجعل هذه الجزيرة الصغيرة إحدى نقاط «التوتر» الكامنة التي قد تفجر أزمات كبرى على الصعيد الدولي.

وتسعى الصين إلى تعزيز علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، خاصة على الصعيد الاقتصادي. وقد أصبحت أوروبا منذ توسيع الاتحاد عام 2004 بمثابة الشريك التجاري الأول للصين، بينما احتلت الصين المرتبة الثانية على نفس الصعيد مع الاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة.

هذه هي الصورة الظاهرة للصين اليوم، وهذه هي توجهاتها على صعيد السياسة الخارجية. ولكن هذا كله ليس سوى جزء من الصورة، كما يؤكد مارك ليونار، فالصين تزخر بالنقاشات والصراعات والوضع فيها مفتوح على احتمالات كثيرة ليس أقلها شأنا إمكانية قيام ثورة جديدة قد تغيّر وجه العالم.

*الكتاب:بماذا تفكّر الصين؟

*الناشر:فورت ستيت ـ لندن 2008

*الصفحات: 224 صفحة من القطع المتوسط

What does China think ?

Mark Leonard

Fourth Estate - London 2008

P.224